
ترك برس
طرحت أنقرة مؤخرا مبادرة وصفتها بأنها "فرصة تاريخية" لإنهاء النزاع المزمن في بحر إيجه عبر تسوية شاملة ونهائية، في توقيت يسبق قمة مرتقبة بين الرئيس رجب طيب أردوغان ونظيره اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس. وفقا لتقرير نشرته شبكة الجزيرة القطرية.
وشدد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان -منتصف الشهر الجاري- على أن بلاده مستعدة لخوض مفاوضات "غير تقليدية" مع أثينا لا تغادر طاولة الحوار قبل الوصول إلى اتفاق شامل، في خطوة أثارت تساؤلات حول دوافع التحرُّك التركي وحدوده السياسية والإقليمية.
وأشارت الجزيرة إلى أن أنقرة قدمت مبادرتها الأخيرة بشأن بحر إيجه بوصفها محاولة جادة لإنهاء أحد أطول النزاعات البحرية في شرق البحر الأبيض المتوسط، عبر تسوية شاملة تُمهّد لتطبيع دائم مع أثينا.
وتؤكد تركيا أن الفرصة الراهنة ليست نتاج ظرف طارئ، بل نتيجة تراجع التوترات العسكرية، وتحسُّن ملحوظ في التنسيق الثنائي بملفات مثل الهجرة، إلى جانب ما تصفه بـ"نضج الظروف السياسية" في كلا البلدين، حيث يتمتع القادة بتفويض شعبي متجدد يتيح اتخاذ قرارات إستراتيجية.
وأشار الوزير فيدان إلى أن القيادة السياسية في بلاده، وعلى رأسها أردوغان، تملك الإرادة الكاملة لحل القضايا الخلافية المزمنة، وخاصة مسألتي المياه الإقليمية والجرف القارّي، بشرط توفُّر الإرادة ذاتها لدى الجانب اليوناني.
كما شدد فيدان على أن تركيا لا تسعى إلى ترحيل الملفات الخلافية، بل إلى معالجتها من جذورها عبر مفاوضات مباشرة وجادة، قائلا "سنجلس إلى الطاولة ولن نغادرها قبل أن نصل إلى حل، وفي مقدمة القضايا قضية إيجه".
ولا ينفصل هذا التحرُّك التركي عن سياق دولي وإقليمي متغير، إذ تدرك أنقرة تنامي الحضور الأمريكي في شرق المتوسط، خصوصا فيما يتعلق بمشاريع الطاقة والاستكشافات البحرية.
وبينما تتوجس أوساط يونانية من أن تكون هذه المبادرة استباقا لأي تفاهمات تقودها واشنطن في الإقليم، ترى مصادر تركية أن الخطوة تعكس رغبة إستراتيجية في توسيع هامش المناورة الدبلوماسية، واستثمار انفتاح الأطراف الدولية، وخصوصا الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، على أي مبادرات تهدف لخفض التوتُّر داخل الجناح الجنوبي لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، بما يفتح الباب أمام شراكات اقتصادية وأمنية أكثر استقرارا في شرق المتوسط.
وترى خبيرة السياسة الخارجية التركية زينب جيزام أوزبينار، أن الدافع الرئيسي لتحرُّك أنقرة -الآن- يعود إلى أن إبقاء الخلافات في بحر إيجه ضمن نطاق "أزمة يمكن إدارتها" لم يعد خيارا دائما، بل أصبح ينتج كلفة إستراتيجية متزايدة لتركيا، في ظل تسارع التحولات الدولية، وتصاعد أهمية شرق المتوسط في معادلة الطاقة الجيوسياسية بقيادة أمريكية، وإعادة تشكيل توازنات الناتو.
وأوضحت أوزبينار للجزيرة نت، أن تصريحات فيدان، التي أكد فيها على "الحل لا التأجيل"، تعكس رغبة تركيا في تجاوز سياسة الردع العسكري نحو مقاربة سياسية وقانونية ودبلوماسية أكثر شمولا، واعتبرت أن هذا النهج يتماشى مع رغبة أنقرة في توجيه طاقاتها الإستراتيجية إلى ملفات إقليمية وعالمية أكثر أولوية، مع المحافظة على الاستقرار في إيجه.
وأشارت أوزبينار إلى أن انخفاض التوتر العسكري في السنوات الأخيرة وعودة القنوات الدبلوماسية للعمل الفعلي، يمنحان فرصة واقعية لتسوية الخلافات، ويؤكدان أن الطرفين تجاوزا مرحلة إدارة الأزمات إلى إمكانية حلها، وأضافت أن تركيا لا ترى في هذا التوجه تنازلا أو ضعفا، بل تجسيدا لثقة إستراتيجية ونضج مؤسساتي في إدارة النزاعات.
وخلصت إلى أن التحرُّك الأمريكي المتزايد في شرق المتوسط بدافع أمن الطاقة والاستقرار الإقليمي، يمنح تركيا موقعا مؤثِّرا، ويُعزِّز قدرتها على أن تكون فاعلا مبادرا لا مراقبا. ومن هذا المنطلق، رأت أن دعوة فيدان ليست محاولة تهدئة عابرة، بل تعبير واضح عن إرادة تركية لإعادة تعريف قواعد اللعبة في بحر إيجه وبناء معادلة تطبيع إستراتيجي طويل الأمد.
ورغم اللهجة التصالحية التي طبعت الخطاب التركي مؤخرا، يدرك الطرفان أن الطريق إلى تسوية دائمة في بحر إيجه لا يزال محفوفا بعقبات بنيوية وسياسية، فالنزاع الممتد منذ عقود لا يقتصر على خلافات فنية حول ترسيم الحدود البحرية، بل يتشابك مع ملفات سيادة جوية وحقوق استغلال موارد الطاقة في منطقة جغرافية ضيقة لكنها إستراتيجية، لطالما مثلت بؤرة توتر مزمنة في شرق المتوسط.
وقد ساهم انعدام الثقة المزمن في إفشال كل المحاولات السابقة للتوصل إلى اتفاق، مما يجعل أي تقدم مرهونا -هذه المرة- بوجود إرادة سياسية صلبة واستعداد متبادل لتقديم تنازلات محسوبة.
ومع أن المشهد لا يخلو من مؤشرات إيجابية في مقدمتها الدعم الدولي المتزايد لخفض التصعيد، وواقع الحاجة الجماعية للاستقرار في ظل تداعيات حرب أوكرانيا وأزمات الطاقة، فإن اختبار النيات الحاسم سيكون في القمة المرتقبة بين أردوغان وميتسوتاكيس في فبراير/شباط المقبل.
من جانبه، قال الباحث السياسي أحمد ضياء جوكلاب للجزيرة نت، إن التحوُّل في سياسة أنقرة اتجاه بحر إيجه وشرق المتوسط يستند إلى 3 محاور إستراتيجية تُفسّر حديث وزير الخارجية هاكان فيدان عن "فرصة تاريخية" للتسوية:
التحوُّلات في الجغرافيا السياسية للطاقة، والرؤية الجديدة لواشنطن في شرق المتوسط يعدان الدافع الأقوى لتحرُّك تركيا حاليا؛ فازدياد اهتمام أمريكا باستخراج ونقل احتياطات الغاز من المنطقة، ورغبتها في تقليل التوترات التركية اليونانية التي تعيق مشاريع الطاقة، يدفع تركيا لاستثمار هذا الظرف المحفّز.
الاستقرار السياسي المتزامن في كل من تركيا واليونان، الذي ترى أنقرة أنه يوفِّر "نافذة نادرة" للتفاوض الجاد بعد سنوات من التأجيل. ويشير إلى أن انخفاض التوترات العسكرية وتراجع الاشتباكات الجوية في إيجه خلال العامين الأخيرين مهَّد أرضية مواتية لحوار هادئ.
تركيا، بوصفها فاعلا يتمتع بـاستقلالية إستراتيجية متنامية، تسعى لمعالجة الملف ضمن رؤية إقليمية أوسع. ويؤكد جوكلاب أن أنقرة اليوم تمتلك نضجا سياسيا يتيح لها الفصل بين اعتبارات الداخل والخارج، وأنها تترقب من اليونان أن تتخلى عن خطاب "التهديد التركي"، وتوقع اتفاقا يقوم على المصالح المتبادلة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











