د. عثمان غازي قندمير - إندبندنت تركية - ترجمة وتحرير ترك برس

يشكل اتفاق وضع القوات الموقَّع بين فرنسا والإدارة القبرصية الرومية الجنوبية في 8 يونيو/حزيران 2026 خطوة تحمل في طياتها إمكانية إحداث تغيير جذري في التوازنات الجيوسياسية لشرق البحر المتوسط.

ويمنح الاتفاق الفرقاطات الفرنسية وحاملات الطائرات والطائرات الحربية حق الانتشار الدائم في قبرص. أما المبرر الرسمي، فهو أهداف الاتحاد الأوروبي المتعلقة بـ«الاستقلالية الاستراتيجية» وإدارة الأزمات الإقليمية.

لكن المبرر الحقيقي أكثر تعقيدًا وتعددًا في المستويات.

لننظر أولًا إلى الأبعاد القانونية للقضية.

فقد حددت اتفاقيتا زيورخ ولندن لعام 1959، ومعاهدتا الضمان والتحالف اللتان دخلتا حيز التنفيذ عام 1960، الوجود العسكري الأجنبي في قبرص ضمن حدود واضحة وصارمة.

ومنحت معاهدة الضمان حق التدخل لثلاث دول ضامنة فقط: تركيا واليونان والمملكة المتحدة.

أما معاهدة التحالف، فقد نصت على أنه لا يجوز أن يتجاوز عدد القوات الموجودة في الجزيرة 650 جنديًا تركيًا و950 جنديًا يونانيًا، كما حظرت صراحة تمركز أي قوات أجنبية أخرى.

ومنح حق الاحتفاظ بقواعد عسكرية في الجزيرة حصريًا للمملكة المتحدة. كما منحت المادة الخمسون من دستور جمهورية قبرص للطرف التركي حق النقض المطلق في قرارات السياسة الخارجية والدفاع.

وهنا ينبغي طرح السؤال التالي:

هل لا تزال الدولة القبرصية التي تأسست عام 1960 قائمة؟

إذا لم تكن قائمة، فلا يمكن القول إن الإدارة القبرصية الرومية الجنوبية تمثل كامل قبرص.

أما إذا كانت الدولة القبرصية لا تزال قائمة، فلا يحق للإدارة القبرصية الرومية الجنوبية دعوة القوات الفرنسية إلى الجزيرة خلافًا لدستور عام 1960.

وبالمثل، كان انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي من دون موافقة الطرف التركي أمرًا خاطئًا.

ويدافع الجانب الرومي عن ذلك استنادًا إلى مبدأ «ضرورة الدولة» الذي يستند إلى الانهيار الدستوري الذي أعقب عام 1963، غير أن قبول العواصم الغربية لهذا الطرح بسهولة لم يكن نتيجة اعتبارات قانونية، بل ثمرة خيار سياسي.

وهذا ليس فراغًا قانونيًا، بل انتهاك متعمد.

لننتقل الآن إلى فرنسا.

من الضروري النظر إلى الخلفية التي تفسر هذا الاهتمام الفرنسي الكبير بقبرص.

فقد مُنيت باريس خلال السنوات الأخيرة بسلسلة من الهزائم الثقيلة في أفريقيا. وبعد إخراجها تباعًا من مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد، فقدت فرنسا إلى حد كبير حضورها العسكري والسياسي في القارة.

ويمثل شرق البحر المتوسط بالنسبة إلى باريس مجالًا للتعويض، جغرافيًا واستراتيجيًا في آن واحد.

وتبدو قبرص، الواقعة على مقربة مباشرة من حرب غزة وخط التوتر الإيراني-الإسرائيلي، في نظر فرنسا موقعًا مثاليًا للوصول إلى المنطقة.

إضافة إلى ذلك، فإن موارد الطاقة الواقعة جنوب الجزيرة، والنقاشات المتعلقة بالمناطق البحرية، تجعل من شرق البحر المتوسط أحد أهم مسارح الجغرافيا السياسية للطاقة في المستقبل.

وتسعى فرنسا إلى حجز مكان لها في هذا المسرح.

ويحمل الحساب الفرنسي أيضًا بعدًا أوروبيًا.

ففرنسا تقود منذ فترة طويلة خطاب «الاستقلالية الاستراتيجية» للاتحاد الأوروبي.

أما المجال الأكثر واقعية لترجمة هذا الخطاب إلى ممارسات ميدانية، فهو هذه المنطقة الواقعة جنوب حلف شمال الأطلسي، والمجاورة في الوقت نفسه لكل من روسيا وإيران وشرق البحر المتوسط.

ولا يمنح الوجود العسكري في قبرص باريس قاعدة إقليمية فحسب، بل يتيح لها أيضًا فرصة تعزيز موقعها كدولة رائدة في سياسة الدفاع الأوروبية.

وقد رحبت الإدارة القبرصية الرومية الجنوبية بفرنسا في هذا السياق.

لكن ثمة مفارقة تستحق التوقف عندها.

فالإدارة الرومية، التي تسعى باستمرار إلى الحصول على دعم القوى الأجنبية في مواجهة تركيا، فتحت أبوابها أمام فرنسا، الدولة المعروفة بحساسيتها تجاه الوجود العسكري الأجنبي.

وهذا التحالف، الذي جرى بناؤه انطلاقًا من حسابات تطويق تركيا، يفتح على المدى الطويل الباب أمام تمركز قوى أخرى في الجزيرة.

وقد تنقلب سياسة فرض الأمر الواقع هذه، هذه المرة، ضد الإدارة القبرصية الرومية الجنوبية نفسها.

ومن منظور أوسع، تبدو الاستراتيجية التي تتبعها الإدارة الرومية منذ عقود واضحة للعيان: تأجيل حل القضية القبرصية، وخلق حقائق دائمة على الأرض من خلال حشد مزيد من الدعم الدولي عامًا بعد عام.

ويشكل انتشار القوات الفرنسية في الجزيرة الحلقة الأحدث في هذه الاستراتيجية.

حتى الآن، تبدو ردود فعل أنقرة منضبطة.

فقد تجنب الرئيس أردوغان في خطابه تسمية فرنسا بشكل مباشر.

ويقف وراء هذا الخيار قيدان ملموسان:

فتركيا تجري مع باريس مفاوضات حاسمة بشأن شراء نظام الدفاع الجوي «سامب/تي»، الذي يجري تطويره بالشراكة بين تركيا وفرنسا وإيطاليا.

ومن جهة أخرى، تستضيف أنقرة يومي 7 و8 يوليو/تموز قمة حلف شمال الأطلسي، حيث سيحضرها قادة الدول الحليفة.

وربما لا ترغب تركيا، بصفتها الدولة المضيفة، في إظهار الأزمة إلى العلن في بداية الأمر، حفاظًا على تقاليد الضيافة المعهودة.

غير أن هذه القيود مؤقتة.

ومن المتوقع أن يطرح أردوغان هذه القضية على هامش القمة.

فقبرص ليست بالنسبة إلى تركيا مجرد ملف عادي من ملفات السياسة الخارجية.

فعند ترتيب الأولويات الأمنية التركية، تحتل قبرص موقعًا استراتيجيًا يأتي مباشرة بعد قضية البقاء.

وقد تحركت الدولة التركية دائمًا وفق هذا الفهم؛ إذ إن تدخل عام 1974، والحفاظ على صفة الدولة الضامنة، والدعم الاقتصادي والعسكري المقدم إلى جمهورية شمال قبرص التركية، كلها كانت نتاجًا للمنطق الاستراتيجي ذاته.

ويأتي اتفاق التعاون الاقتصادي والمالي بين تركيا وجمهورية شمال قبرص التركية، الموقع في 9 أبريل/نيسان 2026، امتدادًا لهذا النهج؛ إذ خُصص ما يقارب نصف الحزمة، البالغة قيمتها 20.7 مليار ليرة تركية، لقطاع الدفاع.

ولم تعد أنقرة تنظر إلى قبرص بوصفها نزاعًا مجمدًا، بل باعتبارها موقعًا متقدمًا ضمن القوس الأمني الممتد من غزة إلى سوريا، ومن إيران إلى شرق البحر المتوسط.

إن عدم سماح تركيا بتقييد وجودها في شرق البحر المتوسط أو تطويقها يُعد ضرورة تفرضها مصالحها الوطنية.

وتشكل الخطوة الفرنسية في قبرص، وسياسة فرض الأمر الواقع التي مهدت لها الإدارة القبرصية الرومية الجنوبية، محاولة لإعادة تشكيل البنية الأمنية في المنطقة.

ويجب أن يشمل الرد على هذه المحاولة جميع الأدوات القانونية والدبلوماسية والعسكرية.

فكما كان الحال دائمًا، لا تزال قبرص تحتل اليوم أيضًا الموقع الاستراتيجي الذي يحدد مصير شرق البحر المتوسط.

ولذلك، ينبغي أن يكون رد أنقرة على المستوى نفسه من الحزم.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!