
يوسف كابلان - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
تركيا تتعرض للحصار: نعم، بلادنا تُحاصر من جميع الجهات. وكون إسرائيل تقف خلف كل واحد من هذه الأطواق، يكفي لإظهار مدى الخلل الذي شاب قراءاتنا للتاريخ حتى اليوم.
الحصار من شرق البحر المتوسط
في الجنوب، في منطقة المشرق، هناك عملية حصار بدأت حتى قبل انطلاق الإبادة الجماعية في غزة.
ويشارك في هذا الحصار الممتد عبر شرق البحر المتوسط كل من فرنسا والولايات المتحدة واليونان في الواجهة، لكن إسرائيل تقف وراءه.
ولا حاجة حتى للتذكير بأن شرق البحر المتوسط يتمتع بموقع ومكانة ذوي أهمية استراتيجية ليس على المستوى الإقليمي فحسب، بل على المستوى العالمي أيضًا. كما أن احتواءه على احتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي يزيد من أهميته. وإن إحكام الطوق على شرق البحر المتوسط يهدد أمن تركيا واستقلالها.
الحصار عبر قبرص
وفي الوقت نفسه، تتعرض تركيا للحصار عبر قبرص أيضًا. فمع تولي الإدارة القبرصية اليونانية الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي، فتح القبارصة اليونانيون خزائن الاتحاد، وخصصوا في أول خطوة صندوقًا بقيمة 12 مليار دولار لصالح الجمهوريات التركية.
كما افتتحوا سفارات متبادلة في جميع الجمهوريات التركية، وعلى رأسها كازاخستان، وأعلنوا اعترافهم بأن تركيا قوة احتلال في قبرص. وكان هذا الخبر كافيًا لإصابة الجميع في تركيا بالذهول!
وإسرائيل أيضًا تقف وراء عملية التحريض على تركيا ومحاصرتها عبر الجمهوريات التركية من بوابة قبرص.
ففي شرق البحر المتوسط، ولا سيما في قبرص نفسها ومن خلالها، تسعى إسرائيل إلى وضع المنطقة بأسرها تحت قبضتها وإخضاعها للاستعمار بكل المقاييس.
الحصار من جنوب تركيا
تحتل إسرائيل لبنان من جنوب تركيا، وهدفها محوه من الخريطة. لكنها لن تتمكن من المساس بسوريا. فقد اتخذت تركيا في هذا الملف جميع الخطوات الاستراتيجية اللازمة، عبر تحريك مختلف الأطراف الفاعلة، لضمان الحفاظ على وحدة الأراضي السورية.
وفي الوقت الراهن، اتخذت سوريا خطوة مهمة -بالتفاهم مع القوى الإقليمية والدولية- لمنع إقامة دولة تابعة لحزب العمال الكردستاني داخل أراضيها. وهذه مخاطرة كبيرة، لكنها مخاطرة كان لا بد من تحملها. وهي كبيرة لأن إسرائيل، التي تهاجم بكل قوتها بهدف محو لبنان من الخريطة، لا يوجد ما يمنعها من استهداف سوريا أو احتلالها إذا ما وجدت لحظة ضعف لدى كل من تركيا وسوريا. ولذلك، فإن إحباط جميع المخططات التي تتخيل إسرائيل تنفيذها عبر سوريا يتوقف على مدى قوة تركيا، سواء على الجبهة الخارجية أو الداخلية.
الحصار عبر البلقان
ونرى أن إسرائيل لا تحاول محاصرة تركيا عبر قبرص فحسب، بل عبر منطقة البلقان أيضًا. فقد وقعت إسرائيل اتفاقيات استراتيجية ليس فقط مع الشطر القبرصي اليوناني، بل أيضًا مع اليونان، في مواجهة تركيا. كما يجري البلدان مناورات عسكرية مشتركة في بحر الجزر بهدف توجيه رسالة ردع إلى تركيا. لكننا بطبيعة الحال لا نقف مكتوفي الأيدي، فنحن أيضًا ننفذ عمليات عسكرية في بحر الجزر نختبر خلالها جميع أسلحتنا التكنولوجية.
أما أحدث خطوات عملية تطويق تركيا عبر البلقان، فهي في مجالي الاستخبارات والاستراتيجية. فقد أنشأت إسرائيل البنية الاستخباراتية لصربيا، ثم أبرمت اتفاقًا لإنشاء منظومة الاستخبارات في رومانيا أيضًا.
وفي المقابل، فإن تطبيق تركيا فعليًا لمفهوم «الوطن الأزرق» بالتعاون مع مصر، كان كافيًا لإثارة غضب كل من إسرائيل واليونان. ولذلك لا تتوقف الحكومتان الإسرائيلية واليونانية عن وضع تركيا في مرمى الاستهداف وإطلاق التصريحات المليئة بالتهديدات ضدها.
التحالف مع مصر مسألة مصيرية
بذلت الحكومة الإسرائيلية جهودًا استثنائية طوال عقود لمنع تقارب تركيا مع مصر. كما أن إسرائيل تُبقي مصر تحت نفوذها عبر القوة اليهودية في الولايات المتحدة. وتقدم الإدارة الأمريكية، التي يسيطر عليها اليهود في الولايات المتحدة، مساعدات منتظمة إلى مصر.
ولهذه المساعدات، بطبيعة الحال، مقابل وثمن، أليس كذلك؟
ففي عام 1978، وقّعت حكومة أنور السادات، الخاضعة لسيطرة إسرائيل، اتفاقية كامب ديفيد، التي شكلت بداية تمكين إسرائيل من ترسيخ وجودها في المنطقة، ومن ثم إحكام سيطرتها أولًا على مصر، ثم على المنطقة بأسرها.
لقد أُخضعت مصر.
أما الحكومات في تركيا، فقد أُخضعت هي الأخرى حتى عام 1996، حين أصبح أربكان رئيسًا للوزراء. لكنهم لم يحتملوه سوى عام واحد، فأطاحوا به في عام 1997 عبر انقلاب 28 فبراير/شباط ما بعد الحداثي.
أما الضربة النهائية التي أنهت السيطرة الإسرائيلية الرسمية على تركيا، فقد وجهتها حكومة أردوغان.
ولهذا السبب، تواصل الحكومة الإسرائيلية وضع أردوغان في مرمى استهدافها باستمرار.
وباختصار...
إن تركيا تتعرض لحصار من جميع الجهات من قبل إسرائيل. غير أن الرأي العام التركي لم يدرك بعد مدى عمق هذا الحصار الذي تفرضه إسرائيل على تركيا.
وطالما أننا لا ندرك أن التهديد الذي يُقال إنه يأتي إلى تركيا من الغرب، ولا سيما من الولايات المتحدة، لا يصدر في الحقيقة من أمريكا، بل من اليهود الذين يهيمنون عليها من جميع النواحي، فلن نستطيع حتى معرفة من هو عدونا الحقيقي.
إن دولة لا تعرف من هو عدوها، لا يمكنها الحفاظ على استقلالها، وسيبقى ذلك مجرد حلم بعيد المنال.
والسلام.
ملاحظة: هذا المقال هو مقتطف من مقال سيُنشر في عدد شهر يوليو من مجلة Cins. ويمكنكم قراءة المقال كاملًا في المجلة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس













