
غولدينر سونوموت - ملييت - ترجمة وتحرير ترك برس
بعيدا عن جدول الأعمال الرسمي للقمة، يبرز تطور أكثر أهمية، يتمثل في أن الناتو لم يعد مجرد أمانة عامة في بروكسل وهيكل قيادة عسكرية في مونس، بل يتحول إلى منصة. والهدف هو تمكين عناصر من دول مختلفة من العمل كأنها قوة واحدة.
ستشكل قمة رؤساء دول وحكومات الناتو، التي تنطلق غدا في أنقرة، بداية مرحلة جديدة بالنسبة للحلف. وتتصدر جدول أعمال القمة قضايا زيادة الإنفاق الدفاعي، وتسريع الإنتاج الدفاعي، ومواصلة دعم أوكرانيا. وفي الوقت نفسه، تشير القمة إلى مرحلة بدأ فيها الحلفاء الأوروبيون يتحملون قدرا أكبر من مسؤولياتهم الأمنية.
الضمانات الأمنية والمظلة النووية
من المتوقع أن تؤكد الولايات المتحدة خلال القمة مجددا التزامها بالدفاع الجماعي تجاه حلفاء الناتو في إطار المادة الخامسة من معاهدة واشنطن. وإلى جانب ذلك، قد تُوضع أسس اتفاقيات جديدة ثنائية ومتعددة الأطراف. فعلى سبيل المثال، يجري الحديث عن رغبة فرنسا في إرساء علاقاتها مع تركيا على إطار أكثر توازنا وبناء، في حين تستعد ألمانيا لإطلاق استثمارات كبيرة لإنتاج بعض الذخائر الأمريكية المنشأ على أراضيها.
التحول الصامت للناتو
بعيدا عن جدول الأعمال الرسمي للقمة، يبرز تطور أكثر أهمية، يتمثل في أن الناتو لم يعد مجرد أمانة عامة في بروكسل وهيكل قيادة عسكرية في مونس، بل يتحول إلى منصة. ويعني ذلك أن الحلف لم يعد مجرد نادٍ دفاعي تقليدي، بل أصبح شبكة أمنية واسعة تعمل وفق معايير مشتركة. وستعمل الدول والجيوش وشركات الصناعات الدفاعية والأنظمة الرقمية والقوات المشتركة بصورة أكثر انسجاما ضمن منظومة موحدة للبيانات واللوجستيات والقيادة.
ماذا تعني المنصة؟
المنصة ليست مجرد مقر قيادة أو نظام تقني، بل هي منظومة من القواعد والبرمجيات والمعايير وهياكل التنسيق التي تتيح لمختلف الأطراف العمل معا بسرعة. ويتجه الناتو اليوم، بدلا من عمليات التحديث التقليدية البطيئة، إلى إعطاء الأولوية لقابلية التشغيل البيني، والتكامل الرقمي، ومفهوم "منظومة المنظومات". أي إن الهدف هو تمكين عناصر من دول مختلفة من العمل كما لو كانت قوة واحدة.
لماذا تسارع هذا التحول؟
يُعد كل من الحرب الروسية الأوكرانية، وبدء الولايات المتحدة في الاضطلاع بدور أكثر محدودية في الأمن التقليدي لأوروبا، من أبرز العوامل التي سرعت هذا التحول. فقد أظهرت الحرب مدى أهمية القدرة على التكيف السريع. ولذلك يتجه الناتو، بدلا من عمليات التوريد الطويلة، إلى دورات ابتكار أقصر، وهياكل أكثر انفتاحا على التجربة، وتوافق أكبر مع المعايير المدنية والتجارية. والهدف ليس امتلاك نظام واحد مثالي، بل تشغيل أنظمة متعددة معا بصورة أسرع وأكثر فعالية.
ماذا سيتغير عمليا؟
يعني هذا التحول مزيدا من البنى التحتية الرقمية، وأنظمة الحوسبة السحابية، والتنسيق المدعوم بالذكاء الاصطناعي، والعمليات متعددة المجالات. فعلى سبيل المثال، ستتمكن الطائرات المسيرة، وأجهزة الاستشعار، وأنظمة القيادة التابعة لدول مختلفة من العمل، ليس كل على حدة، بل كقدرة موحدة. كما أن الصناعات الدفاعية لن تبقى مجرد قطاع يبيع المنتجات من الخارج، بل ستصبح جزءا من آلية عمل الحلف.
الدلالة السياسية
يحوّل هذا النموذج الجديد الناتو من مجرد منظمة دفاعية تقوم على المادة الخامسة إلى منظومة أمنية متكاملة. وتشمل هذه المنظومة الدول، وشركات الصناعات الدفاعية، ومعايير البيانات، والمناورات، واللوجستيات، والتعاون الإقليمي. ولهذا السبب، فإن الانفتاح على منطقة الخليج، والبعد المتعلق بمنطقة آسيا والمحيط الهادئ، ومنتديات الصناعات الدفاعية، ستكون ذات أهمية كبيرة في قمة أنقرة. فهذه ليست عناوين فرعية، بل تمثل نقاط الارتكاز الأساسية لمنطق المنصة الجديد.
المخاطر
ينطوي هذا النموذج أيضا على مخاطر. فقد يصبح الناتو معتمدا بصورة مفرطة على التكامل التقني. كما أنه إذا توسع الحلف بشكل أكبر نحو الشرق الأوسط أو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، فقد يتسع نطاق مهامه إلى ما يتجاوز توقعات الرأي العام. أي إن نموذج المنصة، رغم كفاءته، قد يطمس الحدود الفاصلة بين التحالف الدفاعي والشبكة الجيوسياسية.
بأبسط تعبير
كان الناتو في صيغته القديمة يسأل: "هل أنتم داخل الحلف أم خارجه؟" أما الناتو الجديد، فيطرح بالأحرى السؤال التالي: "بماذا يمكنكم الارتباط، وبأي سرعة، ووفقا لأي معايير؟"
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس










