
كرم ألكين - صباح - ترجمة وتحرير ترك برس
يعيش حلف شمال الأطلسي (الناتو) اليوم مفارقة خطيرة. ففي الوقت الذي تتعاظم فيه التهديدات الخارجية، تتفاقم الخلافات الداخلية. والأسوأ من ذلك أن "العراك الأعمى" الذي يُدفع إليه الحلف لم ينشأ من تلقاء نفسه. فبعض الدول والأوساط السياسية ومراكز التفكير الاستراتيجي داخل الحلف تؤجج، عن قصد ورغبة، التوترات التي تعمّق خطوط الصدع بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وتضع تركيا في مواجهة مع بعض حلفائها، وتؤدي إلى استنزاف طاقة الناتو في صراعاته الداخلية.
إن حالة التحدي المتبادل بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، الممتدة من الإنفاق الدفاعي إلى التجارة، ومن الاستقلالية الاستراتيجية إلى أوكرانيا، إلى جانب الجدل الدائر حول ما إذا كانت "المظلة الأمنية الأمريكية ستستمر أم لا"، ومحاولات بعض الأوساط إدخال الإدارة القبرصية الرومية لجنوب قبرص إلى بنية الناتو، ومسار التسلح العدائي الذي تنتهجه اليونان تجاه تركيا، كلها عوامل تدفع الحلف إلى مزيد من الانغلاق على نفسه. في حين أن المطلوب، على العكس تمامًا، هو مزيد من التضامن والتنسيق، ورؤية أمنية أوسع في مواجهة المنافسين الاستراتيجيين مثل روسيا والصين. ويُعد هذا أحد أبرز الأهداف الأساسية لتركيا بوصفها الدولة المضيفة.
وتلفت تحليلات أبرز مراكز الفكر العالمية في الآونة الأخيرة إلى تحذير مشترك، مفاده أن الناتو، كلما انشغل بصراعاته السياسية والأيديولوجية الداخلية، ازداد ابتعادًا عن إدراك طبيعة التهديدات الحقيقية. ويتمثل أول هذه التهديدات في التوسع السريع لـ"المنطقة الرمادية" الفاصلة بين الحرب والسلام. فلم تعد التهديدات تقتصر على الدبابات والصواريخ والطائرات الحربية، بل أصبحت الهجمات السيبرانية، والتخريب الذي يستهدف البنى التحتية الحيوية، والعمليات ضد الكابلات البحرية، واستهداف خطوط الطاقة، واختبار الأجواء بطائرات مسيّرة منخفضة التكلفة، وعمليات التأثير في الانتخابات، وحملات التضليل الإعلامي، هي ذخائر المرحلة الجديدة.
أما العقلية الدفاعية التقليدية للناتو، القائمة على المنصات العسكرية الباهظة الثمن، فتواجه صعوبة في التعامل مع التهديدات منخفضة التكلفة، القابلة للإنتاج بكميات كبيرة، والتي يمكن إنكار المسؤولية عنها بسهولة. وتتمثل ثاني أكبر نقطة عمياء في التقارب الروسي-الصيني. فما زالت العواصم الغربية تميل إلى النظر إلى موسكو باعتبارها ملفًا أوروبيًا، وإلى بكين باعتبارها ملفًا آسيويًا. غير أن منظومة استراتيجية جديدة، تتشابك فيها مجالات الطاقة والتكنولوجيا والدفاع واللوجستيات والفضاء والقطب الشمالي، آخذة في التشكل. وكل خلاف داخل الناتو، وكل أزمة ثقة بين واشنطن وأوروبا، يوسع هامش حركة هذا المحور.
أما المجال الثالث الذي يجري إهماله فهو منطقة القطب الشمالي. فمع انحسار الجليد، تظهر طرق بحرية جديدة، وموارد للطاقة، ومعادن استراتيجية، وممرات عسكرية جديدة. وفي الوقت الذي تتعاظم فيه القدرات العسكرية الروسية في الشمال، ويتزايد اهتمام الصين بالمنطقة، لا يزال الغرب غارقًا في خلافاته الداخلية. وربما لا تُفتح إحدى أهم جبهات أمن الأطلسي مستقبلًا من بحر البلطيق، بل من القطب الشمالي.
ويتمثل الخطر الرابع في أن محور البحر الأسود – البحر المتوسط – البحر الأحمر – المحيط الهندي يتحول تدريجيًا إلى سلسلة أمنية واحدة. فلم تعد ممرات الطاقة، وطرق نقل الحبوب، والموانئ، والكابلات البحرية، وخطوط التجارة، كيانات مستقلة عن بعضها البعض. فأزمة البحر الأسود تؤثر في البحر المتوسط، والهجمات في البحر الأحمر تنعكس على الصناعة الأوروبية، والتوتر في المحيط الهندي يطال اقتصاد الأطلسي. ولهذا السبب تحديدًا، بات الثقل الجيوسياسي والجيوستراتيجي لتركيا يتعمق بصورة تجعل وصفها بـ"الدولة المحورية" أكثر انطباقًا عليها.
أما القضية الخامسة، وربما الأكثر أهمية، فهي التعاون في الصناعات الدفاعية. فمن السهل الإعلان عن إنفاق مليارات الدولارات، لكن التحدي الحقيقي يكمن في إعادة ملء مخزونات الذخيرة بسرعة وبكلفة أقل، وتعزيز منظومات الدفاع الجوي متعددة الطبقات، وتطوير أنظمة منخفضة التكلفة لمواجهة أسراب الطائرات المسيّرة، وإدماج الذكاء الاصطناعي في سلسلة القيادة، وزيادة القدرة الإنتاجية بسرعة. فالاقتصاد الحربي الجديد لا يحتاج إلى المال فقط، بل يتطلب، بصورة أساسية ولا غنى عنها، "السيادة الإنتاجية". وهنا تتأكد مرة أخرى المكانة التي لا غنى عنها لتركيا.
ومن هنا تبدأ قِصر نظر الناتو الحقيقي. ففي الوقت الذي ينشغل فيه الحلف بالنقاشات من قبيل: "هل ستنسحب الولايات المتحدة؟ ماذا ستفعل أوروبا؟ من سيدفع كم؟ ومن سيستخدم حق النقض ضد من؟"، يعمل المنافسون على تشكيل ميادين الحرب الجديدة. والأسوأ من ذلك أن كل محاولة سيئة النية لتعميق خطوط الصدع بين تركيا واليونان، وخلق بؤر توتر جديدة عبر الإدارة القبرصية الرومية، تُضعف الجناح الجنوبي الشرقي للناتو بصورة خطيرة، وتزيد من هشاشته. ففي مرحلة تستدعي مزيدًا من التضامن في مواجهة روسيا والصين، فإن اندفاع بعض دول الحلف إلى فتح جبهات جديدة ليس سوى قصر نظر جيوسياسي حقيقي.
لذلك، فإن السؤال الذي سيحدد مستقبل الناتو ليس ذلك السؤال الساذج: "هل سيستمر الحلف في الوجود؟"، لأنه سيستمر بالفعل؛ بل السؤال الحقيقي هو: "هل سيتمكن الناتو من رؤية الحسابات والأعضاء الذين يدفعونه إلى هذا "العراك الأعمى"، وأن يرفع رأسه من صراعاته الداخلية، ويقرأ في الوقت المناسب عصر التهديدات الجديدة الذي يقترب؟" لأن التاريخ لا يختبر التحالفات الكبرى دائمًا بأعدائها الخارجيين؛ ففي كثير من الأحيان يبدأ الخطر الحقيقي عندما تجعل "المشاحنات العبثية" التي تُغذّى في الداخل التهديدات الكبرى في الخارج غير مرئية.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس












