تونجا بنغين - ملييت - ترجمة وتحرير ترك برس

عشية انعقاد قمة قادة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة، تتعرض تركيا لوابل هائل من عبارات الإشادة (!) من الدول الحليفة... سواء في التحليلات الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي أو على ألسنة السياسيين مباشرة... الجميع يتحدث عن المستوى الذي بلغته الصناعات الدفاعية التركية، وعن القوة المتزايدة لتركيا... ولا يكاد كل من الناتو أو الدول الأعضاء في الحلف ينتهي من الإشادة بالجيش التركي وما يمتلكه من إمكانات وقدرات. فعلى سبيل المثال، وصف وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس تركيا بأنها "شريك مهم جدًا جدًا في الناتو". وقال وزير الدفاع البلجيكي فرانكن: "الناتو بحاجة إلى تركيا". وباستثناء عدد قليل من الدول الأعضاء التي لا تزال تضمر الامتعاض، فإن الحلف بأكمله، وفي مقدمته الولايات المتحدة، يتفق على ذلك... كما يواصل الأمين العام للناتو مارك روته تأكيد هذا الأمر بقوله: "تركيا دولة بالغة الأهمية بالنسبة للناتو"، بعدما شدد في كل مناسبة تقريبًا على أن الصناعات الدفاعية التركية توفر القدرات اللازمة لردع الحلف والدفاع عنه. نعم، لقد سمعنا تصريحات مشابهة في السابق، لكن الوضع هذه المرة مختلف تمامًا... ويبدو أن هناك أيضًا حالة من الصدمة الخفيفة لدى الجميع... وهذا كله بالغ الأهمية ومبعث فخر، سواء من حيث إظهار تركيا لقدراتها وقيمتها، أو من حيث التذكير بروح التحالف... لقد تأخروا قليلًا، لكنهم فهموا في النهاية... ومع ذلك، عندما يتعلق الأمر بقضية الإرهاب، وهي إحدى أكبر ساحات التحدي أمام الحلف، فما تزال هناك تقييمات تدعو إلى التأمل... فعلى سبيل المثال، قال روته إن التهديد الإرهابي يأتي في المرتبة الثانية بعد روسيا، التي يعتبرها الناتو التهديد الرئيسي، وأضاف:

"إن التقييمات والمعلومات التي تقدمها لنا القيادة السياسية والعسكرية التركية في هذا الشأن، تكتسب أهمية حاسمة في حماية أمن الحلف بأكمله..."

ماذا يعني هذا؟ يعني أن روته يفكر في التهديد الإرهابي بعد روسيا ويوليه أهمية كبيرة، ويعرف ويرى مدى إصرار تركيا وإسهامها في هذا المجال داخل الحلف، لكنه يتجاهل كيف تُترك تركيا وحدها عندما تكون هي الدولة المستهدفة بالإرهاب. فعندما يكون الإرهاب موجهًا إلى أوروبا يُعد تهديدًا ذا أولوية، ويتكاتف الجميع لضمان الأمن، أما إذا كان يستهدف تركيا، فلتتدبر أمرها بنفسها، هذا هو الواقع بصراحة... والأسوأ من ذلك، أنه بدلًا من تقديم الدعم أو الالتزام بروح التحالف، يتم التغاضي حتى عن المواقف العدائية المباشرة... فمن المعروف أن بعض الدول الأعضاء في الحلف قدمت علنًا الأسلحة والمعدات والتدريب للتنظيمات الإرهابية التي تشكل تهديدًا لتركيا، وهي حليف في الناتو. بل إنهم كانوا في وقت من الأوقات يشترطون ألا تُستخدم الأسلحة والمركبات العسكرية التي يبيعونها لتركيا في عمليات مكافحة الإرهاب في جنوب شرقي البلاد... فألمانيا، التي تمطر اليوم الصناعات الدفاعية التركية والجيش التركي بالمديح، كانت في تسعينيات القرن الماضي تعارض استخدام دبابات "ليوبارد" أو ناقلات الجنود المدرعة "BTR"، بل وحتى بندقية المشاة G-3، التي تمتلك براءة اختراعها وكانت السلاح الأساسي للجندي التركي، في مكافحة الإرهاب. وليس خافيًا على أحد أنهم حوّلوا بلدانهم إلى ملاذات للإرهابيين...

أي إننا، بوصفنا دولة حليفة، واجهنا مختلف المؤامرات من دول أعضاء في الناتو... فالانقلابات دبرتها دول أعضاء في الحلف؛ والحظر والعراقيل التي وُضعت في طريق مكافحة التنظيمات الإرهابية كانت جميعها جزءًا من ألعابهم القذرة... وعندما احتجنا إلى منظومة دفاع جوي، لم يصدر عن الحلفاء المزعومين أي تجاوب، بل إنهم سحبوا حتى بطاريات باتريوت القليلة الموجودة... وعلى الرغم من الناتو، أظهرت جمهورية تركيا إرادة قوية للغاية، فلم تتخلَّ عن مقتضيات قانون التحالف، وفي الوقت نفسه حققت تطورًا هائلًا في الدفاع عن برها ووطنها الجوي ووطنها الأزرق، رغم كل العراقيل والحظر المفروض عليها...

لقد أصبحت تلك المرحلة من الماضي... ففي الوضع الراهن، بات من غير الممكن إنكار أن تركيا ليست فقط الركيزة الثابتة للجناح الجنوبي الشرقي للناتو، بل هي أيضًا قوة في البحر الأسود، وفاعل في البحر المتوسط، وشريك محوري في القوقاز، ومشارك نشط في دبلوماسية الشرق الأوسط، وعملاق صاعد بسرعة في الصناعات الدفاعية... ولم تعد تركيا بالنسبة للناتو دولة جناح، بل أصبحت دولة مركز... كما أن تركيا تمتلك من المقومات ما يزيد على اللازم لتقديم إسهامات عميقة في مسار "الناتو 3.0". وما أنجزته حتى الآن هو خير ضمان لما ستنجزه مستقبلًا. أما السؤال الحقيقي الذي لا يزال ينتظر الإجابة، فهو ما إذا كان الحلفاء سيبدون الرؤية الاستراتيجية التي تفرضها روح المرحلة أم لا. وبالطبع، هناك أيضًا مسألة اضطراب موقف الناتو من مكافحة الإرهاب، وهي قضية ستظل مطروحة للنقاش... لذلك، فإن كلمات الإشادة جميلة ومهمة، لكن النقطة الحاسمة حقًا هي أن يتحول أولئك الذين يتبنون عقلية "نحن بحاجة إليكم، لكن عندما تحتاجون إلينا لن نكون موجودين"، إلى موقف يقول: "لقد أخطأنا، فاعذرونا."

 

عن الكاتب

تونجا بنغن

كاتب لدى صحيفة ملييت


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس