ترك برس

على الساحل المطل على مضيق جناق قلعة، حيث تتقاطع ذاكرة الإمبراطورية العثمانية مع واحدة من أكثر صفحات التاريخ العسكري التركي حضوراً، تقف قلعة بيغالي شاهدة على قرنين من التحولات التي شهدتها المنطقة. فقد بدأت قصتها في عهد السلطان سليم الثالث كجزء من مساعي الدولة العثمانية لتعزيز دفاعاتها أمام الأطماع الأوروبية، قبل أن تتحول بعد أكثر من قرن إلى مركز حيوي خلف خطوط القتال خلال معارك جناق قلعة عام 1915.

واليوم، لا تقدم القلعة لزائرها حجارة وأسواراً صامتة فحسب، بل تتيح له رحلة عبر مراحل مختلفة من التاريخ العسكري العثماني؛ من سباق تحصين المضيق في مواجهة الأساطيل الأجنبية، إلى الأعمال اللوجستية التي كانت تجري خلف الجبهة خلال الحرب العالمية الأولى، وصولاً إلى تجربة متحفية حديثة تعيد إحياء دورها في إصلاح أسلحة الجنود وإمداد جبهة جناق قلعة.

وتقع قلعة بيغالي على ساحل البحر، على بعد نحو 3 كيلومترات شرق قرية بيغالي، في موقع استراتيجي ضمن منظومة التحصينات التي أقيمت لحماية مضيق جناق قلعة، أحد أهم الممرات البحرية التي تربط بحر إيجه ببحر مرمرة.

أزمة 1807 تكشف ثغرات دفاعات المضيق

بدأ التفكير في إنشاء قلعة بيغالي خلال عهد السلطان سليم الثالث، في ظل تزايد المخاطر التي كانت تهدد الدولة العثمانية وممراتها الاستراتيجية. وجاءت حادثة عبور الأسطول البريطاني لمضيق جناق قلعة عام 1807 لتؤكد مدى الحاجة إلى تعزيز التحصينات القائمة.

ففي 19 فبراير/شباط 1807، تمكن أسطول بريطاني بقيادة الأميرال جون توماس داكويرث من عبور المضيق والوصول إلى إسطنبول، في سياق أزمة دبلوماسية متصاعدة بين الدولة العثمانية وبريطانيا. وأظهرت هذه الحادثة بوضوح أن منظومة الدفاع الموجودة في المضيق لم تعد كافية لمواجهة تهديدات الأساطيل الحديثة.

وأصبحت حماية المضيق بالتالي أولوية عسكرية، خصوصاً أن السيطرة عليه كانت تعني التحكم في أحد أهم الطرق البحرية المؤدية إلى العاصمة العثمانية. وفي هذا السياق، بدأت أعمال إنشاء قلعة بيغالي بهدف تعزيز منظومة التحصينات المنتشرة على جانبي المضيق.

قلعة على جانبي المضيق

أشرف على أعمال بناء القلعة ناظر المضيق عزيز أفندي، فيما أوكلت مهمة الهندسة العسكرية إلى المهندس الفرنسي كوتاييو، في إطار الاستعانة بالخبرات العسكرية والهندسية الأوروبية التي لجأت إليها الدولة العثمانية خلال مرحلة الإصلاح والتحديث.

ولم تُبنَ قلعة بيغالي بمعزل عن منظومة التحصينات المقابلة على الجانب الآخر من المضيق، إذ شُيدت بالتزامن مع قلعة نارا الموجودة على الساحل الآسيوي، وفق مبدأ «التكامل المتقابل» الذي كان متبعاً في تحصين المضيق.

وبدأت القلعة في البداية بوصفها موقعاً مدفعياً متقدماً، قبل أن يتضح أن هذه المنشأة لا تلبي الاحتياجات الدفاعية المتزايدة، فجرى بعد عام 1815 تطويرها ومنحها طابع القلعة العسكرية المتكاملة.

واكتمل تشغيلها خلال عهد السلطان محمود الثاني، لتصبح جزءاً من شبكة الدفاع العثمانية التي هدفت إلى إغلاق الطريق البحري أمام أي قوة تسعى إلى اختراق المضيق والوصول إلى إسطنبول.

تصميم عسكري يعكس وظيفتها الدفاعية

تتميز قلعة بيغالي بتصميم مستطيل تبلغ أبعاده نحو 70 متراً عرضاً و130 متراً طولاً، فيما تحيط بها عناصر دفاعية صممت لتناسب موقعها الاستراتيجي على ساحل المضيق.

وتضم القلعة بوابتين رئيسيتين، إحداهما شرقية والأخرى غربية، فيما تنتصب عند أركانها الأربعة أبراج أسطوانية تؤدي وظيفة دفاعية ومراقبة.

ويمتد على الجانب المواجه للبحر ممر مدفعي يبلغ ارتفاعه نحو متر ونصف المتر، وتنتشر على امتداده فتحات مخصصة للمدافع ومواقع لتخزين الذخيرة، بما يسمح باستخدام القلعة كنقطة نيران ومراقبة في آن واحد.

أما داخل القلعة، فتتوزع مجموعة من المنشآت التي تعكس طبيعة الحياة العسكرية فيها، من بينها مبنى الثكنة، ومستودع للذخيرة، ومخزن للمؤن والعتاد، إلى جانب مسجد ونافورة.

وهذه المنشآت تجعل من بيغالي أكثر من مجرد سور دفاعي؛ فهي كانت في الأساس مجمعاً عسكرياً متكاملاً يستوعب الجنود ويخزن الأسلحة والذخائر ويوفر احتياجات الحامية الموجودة فيه.

من تحصين المضيق إلى جبهة جناق قلعة

غير أن أهم فصول تاريخ القلعة ارتبطت بعام 1915، عندما أصبحت جبهة جناق قلعة إحدى أبرز ساحات الحرب العالمية الأولى.

افتتحت جبهة جناق قلعة في 19 فبراير/شباط 1915، واستمرت المعارك حتى انسحاب قوات الحلفاء من شبه جزيرة غاليبولي في 9 يناير/كانون الثاني 1916. وخلال هذه الفترة، لم تكن المعركة تدور فقط في خطوط المواجهة الأمامية، بل كانت خلف الجبهة شبكة واسعة من الإمداد والصيانة والنقل والعمل اللوجستي.

وكانت إسطنبول مركز الإمداد الرئيسي للجبهة، حيث كانت القوات والمعدات والاحتياجات العسكرية تنقل إلى جناق قلعة عبر الطرق البحرية والبرية. أما الخدمات الخلفية للجيش، فكانت تدار بواسطة منظومة «المنزِل» التي تولت تنظيم عمليات الإمداد والنقل والخدمات المرتبطة بالجبهة.

وفي خضم المعارك، لم يكن توفير الأسلحة والذخائر كافياً وحده؛ فقد كانت صيانة الأسلحة وإصلاحها مسألة لا تقل أهمية عن تأمينها، خصوصاً في ظل الاستخدام الكثيف للأسلحة خلال المعارك.

90 ألف بندقية عادت إلى الخدمة

في هذا السياق، اكتسبت قلعة بيغالي وظيفة جديدة وحيوية، إذ جرى تحويل مبنى الثكنة فيها عام 1915 إلى ورشة لإصلاح الأسلحة تابعة للفيلق الثالث، لخدمة مجموعتي الجنوب والشمال في جبهة جناق قلعة.

وجاء إنشاء الورشة استجابة للحاجة إلى إجراء أعمال الصيانة والإصلاح بالقرب من الجبهة بدلاً من نقل الأسلحة المتضررة لمسافات طويلة، وهو ما كان يوفر الوقت ويتيح إعادة الأسلحة إلى الجنود في أسرع وقت ممكن.

وأقيم الافتتاح الرسمي لورشة إصلاح الأسلحة في قلعة بيغالي يوم الجمعة 16 يوليو/تموز 1915، عند الساعة السادسة مساءً.

وخلال فترة المعارك، أصلحت الورشة نحو 90 ألف بندقية، وهو رقم يكشف عن حجم العمل الذي كانت تقوم به خلف خطوط القتال. وبحساب المتوسط، يعني ذلك إصلاح نحو 400 بندقية يومياً، ما يجعل القلعة واحدة من المراكز المهمة في منظومة الدعم الفني واللوجستي للجيش العثماني خلال معارك جناق قلعة.

ولم تكن هذه العمليات مجرد أعمال فنية بعيدة عن صوت المعركة؛ فكل بندقية أعيد إصلاحها كانت تعني إعادة سلاح أحد الجنود إلى الخدمة، وكل ساعة يتم توفيرها في عمليات الصيانة كانت تعني تعزيز قدرة الوحدات الموجودة في الخطوط الأمامية على مواصلة القتال.

ورشة السلاح.. ذاكرة حية داخل القلعة

تحرص قلعة بيغالي اليوم على إبراز هذا الجانب من تاريخها من خلال إعادة إحياء مشهد ورشة إصلاح الأسلحة التي عملت داخلها خلال عام 1915.

وبعد ترميم مبنى الثكنة، أعيد تصميم جزء منه ليقدم للزائر تصوراً عن طبيعة العمل الذي كان يجري فيه خلال معارك جناق قلعة، بما في ذلك عمليات صيانة الأسلحة وإصلاحها، ليصبح المكان وسيلة لشرح جانب غالباً ما يبقى بعيداً عن الصور التقليدية للحروب، وهو دور الجبهة الخلفية في استمرار المعارك.

كما جرى تحويل مبنى مستودع الذخيرة إلى مساحة تفاعلية تتيح للزائر تجربة محاكاة للرماية باستخدام بندقية «ماوزر»، ضمن تجربة تهدف إلى تقريب أجواء الفترة التاريخية من الجمهور بطريقة تفاعلية.

ولا تقتصر التجربة على الجانب العسكري؛ إذ تضم القلعة أيضاً مسجد المحمودية، الذي يمثل نموذجاً من نماذج عمارة المساجد في الفترة التي شيد فيها، كما يتيح للزوار أداء الصلوات المفروضة أثناء زيارتهم للموقع.

ترميم يعيد القلعة إلى الحياة

وبين عامي 2017 و2022، خضعت قلعة بيغالي لأعمال ترميم نفذتها رئاسة منطقة جناق قلعة التاريخية للحروب، بهدف الحفاظ على المبنى وإعادة تقديم عناصره التاريخية بصورة تتيح للجمهور فهم وظائفه المختلفة عبر الزمن.

وفي 24 أبريل/نيسان 2022، فتحت القلعة أبوابها أمام الزوار بعد انتهاء أعمال الترميم، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الموقع، انتقلت خلالها بيغالي من منشأة عسكرية مغلقة إلى موقع ثقافي وتاريخي مفتوح للجمهور.

ويحاول المشروع تقديم القلعة بوصفها مساحة تجمع بين أكثر من طبقة زمنية؛ فهي تضيء على مرحلة حكم السلطان محمود الثاني وتطور التحصينات العثمانية، وفي الوقت نفسه تستعيد دورها خلال معارك جناق قلعة عام 1915، عندما تحولت إلى ورشة رئيسية لإصلاح أسلحة الجنود.

قرنان من التاريخ في موقع واحد

تختصر قلعة بيغالي في أسوارها ومبانيها قصة تمتد لأكثر من قرنين، بدأت مع محاولة الدولة العثمانية سد الثغرات في دفاعات مضيق جناق قلعة، عقب تجربة الأسطول البريطاني عام 1807، واستمرت مع تطور القلعة خلال عهد السلطان محمود الثاني، قبل أن تدخل أحد أكثر فصولها أهمية خلال الحرب العالمية الأولى.

واليوم، يستطيع الزائر أن يسير بين أبراجها وأسوارها، ويتعرف على منشآتها العسكرية، ثم ينتقل إلى الثكنة التي أعيد فيها إحياء ورشة إصلاح الأسلحة، قبل أن يكتشف جانباً آخر من الحياة اليومية للجنود في مسجد المحمودية.

وهكذا تتحول قلعة بيغالي إلى ما يشبه «بوابة زمنية» بين مرحلتين من التاريخ العثماني؛ مرحلة بناء التحصينات في مواجهة القوى البحرية الأوروبية، ومرحلة الحرب العالمية الأولى التي أثبتت فيها الجبهة الخلفية أن المعركة لا تُحسم فقط في الخنادق وخطوط النار، وإنما أيضاً في ورش الصيانة ومستودعات الذخيرة وشبكات الإمداد.

وبفضل أعمال الترميم وإعادة الإحياء، لم تعد القلعة مجرد أثر عسكري محفوظ، بل أصبحت موقعاً يروي للزائر قصة المكان والجنود والأسلحة والحرب، ويقدم صورة عن تفاصيل ظلت طويلاً خلف المشهد الأشهر لمعركة جناق قلعة.

إنها رحلة تمتد من عام 1807 إلى 1915، ومن تحصينات السلطان سليم الثالث إلى إصلاح عشرات الآلاف من بنادق الجنود، ومن قلعة تحرس أحد أهم الممرات البحرية في العالم إلى متحف حي يستعيد ذاكرة واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ المنطقة.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!