ترك برس

يرى الكاتب والمحلل الاستراتيجي الدكتور عثمان غازي قندمير أن «اتفاق مكة للدفاع المشترك»، الذي وقعته تركيا والسعودية وباكستان في 7 أغسطس/آب، يمثل مؤشراً على دخول التوازنات الأمنية في الشرق الأوسط مرحلة جديدة، في ظل مساعي دول المنطقة إلى تطوير آليات أمنية خاصة بها مع تزايد النقاش حول مستقبل الدور الأميركي في المنطقة.

وبحسب قندمير، فإن الاتفاق لا يقتصر على إنشاء آلية للتشاور بين الدول الموقعة، وإنما يقوم على مبدأ الدفاع الجماعي، بحيث يُنظر إلى أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث باعتباره هجوماً عليها جميعاً، الأمر الذي يمنحه طبيعة تتجاوز الاتفاقات الدبلوماسية التقليدية وتضع التزامات أمنية وعسكرية أكثر وضوحاً.

لكن الكاتب يلفت في مقال له بموقع "إندبندنت تركية" إلى أن الجانب الأكثر إثارة للاهتمام في الاتفاق يتمثل في غياب مصر عنه، رغم أن القاهرة كانت، إلى جانب تركيا والسعودية وباكستان، جزءاً من إطار «الرباعية الإقليمية» أو R4 الذي عمل خلال الأشهر الماضية كمنصة للتشاور.

ويتساءل قندمير: لماذا اختارت القاهرة البقاء خارج اتفاق مكة، رغم علاقاتها الوثيقة بالرياض ومشاركتها في إطار التشاور الرباعي؟

القاهرة تخشى الالتزام بحرب تلقائية

يضع الكاتب رغبة مصر في تجنب الالتزام بالتدخل العسكري التلقائي في مقدمة الأسباب التي يمكن أن تفسر موقف القاهرة.

ويشير إلى أن اندلاع مواجهة في اليمن أو الخليج أو البحر الأحمر قد يضع مصر أمام التزام بالتدخل العسكري إلى جانب السعودية، وهو ما يمثل، من وجهة نظره، مخاطرة استراتيجية كبيرة بالنسبة إلى القاهرة.

ويعتقد قندمير أن مصر تحاول في سياستها الخارجية الحفاظ على أكبر قدر ممكن من مساحة المناورة، ولذلك فإن الدخول في اتفاق دفاعي ملزم قد يقيد قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة في حال اندلاع أزمات مستقبلية.

ويرى الكاتب أن البعد الدستوري والقانوني للمسألة مهم أيضاً، إذ تخضع مشاركة الجيش المصري في مهام قتالية خارج البلاد لآليات سياسية وقانونية مختلفة، وبالتالي فإن توقيع اتفاق دفاع جماعي ملزم يختلف بصورة جوهرية عن الدخول في اتفاق للتشاور أو التعاون الأمني.

وبحسب تحليله، فإن مثل هذا الالتزام قد يحد مستقبلاً من حرية القاهرة في تحديد طبيعة مشاركتها في أي صراع إقليمي وفقاً لمصالحها الخاصة.

مصر لا تريد الارتهان لمحور أمني واحد

ويشير قندمير إلى أن سبباً آخر يتمثل في عدم رغبة مصر في الارتباط بصورة كاملة بمحور أمني تقوده السعودية، رغم قوة العلاقات بين القاهرة والرياض.

فمصر، وفق الكاتب، تحرص على علاقاتها مع السعودية، لكنها لا ترى أن جميع القضايا الأمنية في الشرق الأوسط ينبغي التعامل معها من خلال الإطار نفسه، ولا سيما الملفات المرتبطة بإيران والحوثيين.

ويرى أن القاهرة لا تملك مصلحة مباشرة في التحول إلى طرف في مواجهة عسكرية مع إيران، في حين تتركز أولوياتها الأمنية بصورة أكبر على حماية قناة السويس، وتأمين الملاحة في البحر الأحمر، ومراقبة التطورات في ليبيا والسودان، فضلاً عن الحفاظ على استقرارها الاقتصادي.

ومن هذا المنطلق، يعتقد الكاتب أن تحول المنافسة السعودية الإيرانية إلى مواجهة عسكرية مباشرة يمكن أن ينعكس سلباً على مجموعة واسعة من المصالح المصرية.

الإمارات عامل آخر في الحسابات المصرية

ويلفت قندمير إلى أن العلاقات المصرية الإماراتية تمثل عاملاً آخر ينبغي أخذه في الاعتبار عند تفسير موقف القاهرة.

فأبوظبي، بحسب الكاتب، تحتل موقعاً مهماً في العلاقات الاقتصادية والعسكرية المصرية، في حين لا تتحرك السعودية والإمارات دائماً وفق رؤية استراتيجية متطابقة، ولا سيما في ملفات السودان والبحر الأحمر والقرن الإفريقي.

ويرى أن انضمام مصر إلى تحالف عسكري يتمحور حول الرياض قد يفرض عليها تكلفة سياسية واستراتيجية غير ضرورية في علاقتها مع الإمارات.

إسرائيل وكامب ديفيد

ويخصص الكاتب جانباً مهماً من تحليله للعامل الإسرائيلي، مشيراً إلى أن معاهدة السلام الموقعة بين مصر وإسرائيل عام 1979 لا تزال تشكل إطاراً أساسياً للسياسة الأمنية المصرية.

ويعتقد قندمير أن دخول القاهرة في علاقة دفاعية ملزمة مع تركيا وباكستان والسعودية يمكن أن يؤدي إلى تعقيدات سياسية وقانونية في حال نشوب أزمة مستقبلية مع إسرائيل.

ويرى أن القاهرة، حتى في ظل التوترات التي شهدتها علاقاتها مع تل أبيب خلال الفترة الأخيرة، لا تزال تنظر إلى ترتيبات كامب ديفيد باعتبارها أحد العناصر الأساسية في استراتيجيتها الإقليمية.

ومن ثم، فإن الحفاظ على هامش الحركة الذي توفره الترتيبات القائمة قد يكون، وفق الكاتب، أكثر ملاءمة لمصر من الدخول في التزامات عسكرية جديدة.

شرق المتوسط يزيد صعوبة الحسابات

ويربط قندمير الموقف المصري أيضاً بالتوازنات القائمة في شرق المتوسط.

ويشير إلى أن القاهرة عملت خلال السنوات الأخيرة على تحسين علاقاتها مع أنقرة، لكنها في الوقت ذاته حافظت على تعاونها مع اليونان وقبرص الرومية في ملفات الطاقة والمجالات البحرية.

ويرى أن مصر تحاول من خلال ذلك إدارة علاقاتها مع أطراف متنافسة في آن واحد، بدلاً من الانضمام بصورة واضحة إلى محور إقليمي واحد.

ويعتقد أن انضمام القاهرة إلى منظومة دفاع جماعي تتمتع فيها تركيا بثقل عسكري كبير قد يجعل هذه السياسة أكثر صعوبة ويحد من هامش المناورة المصري.

الرياض لديها أيضاً حساباتها تجاه القاهرة

لكن الكاتب يرى أن تفسير غياب مصر من خلال الخيارات المصرية وحدها سيكون ناقصاً، مشيراً إلى أن الرياض لديها بدورها حسابات مرتبطة بالدور الذي يمكن أن تؤديه القاهرة في منظومتها الأمنية.

ويلفت إلى أن السعودية قدمت على مدى سنوات دعماً اقتصادياً ومالياً مهماً لمصر، لكنها، بحسب رأيه، لم تحصل دائماً على مستوى المشاركة العسكرية الذي كانت تتوقعه من القاهرة، وخصوصاً خلال حرب اليمن.

ويعتبر قندمير أن الصيغة الثلاثية لاتفاق مكة تعكس هذه المعطيات بصورة واضحة.

فتركيا، وفق تحليله، تمتلك صناعة دفاعية متطورة وقدرات بارزة في مجال الطائرات المسيّرة، بينما تمتلك باكستان قوة عسكرية كبيرة وقدرات نووية، في حين توفر السعودية القدرات المالية والاقتصادية.

ومن ثم، يرى الكاتب أن جمع الموارد السعودية مع القدرات العسكرية التركية والباكستانية يسمح بتشكيل نواة أمنية أصغر وأكثر وضوحاً، وقادرة على الاستجابة لاحتياجات محددة.

اتفاق مكة جزء من تحولات أوسع

ويرى قندمير أن اتفاق مكة لا يمكن فصله عن التحولات الأوسع التي يشهدها النظام الأمني في الشرق الأوسط.

ففي ظل تزايد التساؤلات حول مستقبل الدور الأميركي في المنطقة، بدأت دول الشرق الأوسط، بحسب الكاتب، البحث عن صيغ جديدة للتعاون الأمني والدفاعي، بهدف تعزيز قدراتها على الردع وتقليل اعتمادها على ترتيبات الحماية الخارجية.

ويعتبر أن الاتفاق التركي السعودي الباكستاني يمكن قراءته في هذا السياق، لكنه لا يمثل حتى الآن منظومة أمنية إقليمية شاملة.

ويشير إلى أن غياب مصر يعكس بدوره طبيعة هذا المشهد المجزأ، إذ لا تريد القاهرة التخلي عن إطار R4، لكنها في الوقت ذاته تميز بين التعاون في مجالات مثل التشاور وتبادل المعلومات والأمن البحري، وبين الالتزام بالتدخل العسكري التلقائي في حال تعرض حليف لهجوم.

المرونة الاستراتيجية أولوية مصرية

ويخلص الكاتب إلى أن عدم انضمام مصر إلى اتفاق مكة لا ينبغي تفسيره باعتباره مجرد اختيار بين معسكرين، وإنما باعتباره، في الأساس، تعبيراً عن سعي القاهرة إلى الحفاظ على مرونتها الاستراتيجية.

ويشير إلى أن مصر مطالبة بإدارة علاقاتها في الوقت نفسه مع السعودية والإمارات وتركيا وإسرائيل واليونان وإيران، فضلاً عن التعامل مع ملفات أمنية وجيوسياسية مباشرة في ليبيا والسودان والبحر الأحمر وشرق المتوسط.

ويرى أن هذا الواقع يجعل الانضمام إلى تحالف عسكري ملزم أمراً يمكن أن يحد من قدرة القاهرة على المناورة واتخاذ قرارات مستقلة وفقاً لطبيعة كل أزمة.

وفي المقابل، يلفت قندمير إلى أن بقاء مصر خارج اتفاق مكة يطرح سؤالاً حول مستقبل دورها في ترتيبات الأمن الإقليمي، ومدى قدرتها على الحفاظ على موقعها التقليدي في صياغة التوازنات العربية والإقليمية.

ويخلص إلى أن القاهرة قد تفضل في المرحلة الحالية البقاء خارج التحالف العسكري، مع الإبقاء على قنوات التشاور والتعاون، إلى أن تتضح بصورة أكبر ملامح النظام الأمني الجديد الذي يتشكل في الشرق الأوسط.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!