نعمان أيتاش - فوكس بلس - ترجمة وتحرير ترك برس

في يومه الثالث، يستضيف هذا الحدث الثقافي أكثر من 300 دار نشر من أكثر من 30 دولة في مركز أوراسيا للمعارض والفنون في يني كابي بإسطنبول. وبصفتنا في «Fokus+» الشريك الإعلامي الرقمي للفعالية، نتابع تفاصيل المشهد عن قرب ونرصد نبض المعرض من داخله.

لكن لماذا يحظى تنظيم معرض دولي للكتاب العربي في إسطنبول بكل هذه الأهمية؟

للإجابة عن هذا السؤال، ينبغي النظر إلى القوة الناعمة التي تعمل تركيا على بنائها عبر الدبلوماسية الثقافية. فمعارض الكتب لم تعد مجرد ساحات تجارية لبيع المؤلفات وشرائها، بل تحولت إلى قنوات استراتيجية للتواصل، تحفظ ذاكرة الحضارات، وتكسر الصور النمطية والأحكام المسبقة، وتبني جسوراً بين المجتمعات.

ملتقى ثقافي يتجاوز الحدود

قبل يوم من انطلاق المعرض، أتيحت لي فرصة إجراء مقابلة مع المنسق العام للفعالية محمد أغراكجا. وكما أوضح خلال حديثه، بدأت هذه الرحلة قبل 11 عاماً بفكرة متواضعة هدفها مساعدة المهاجرين الذين لجؤوا إلى تركيا على تعزيز صلتهم بثقافتهم، وتوفير نوع من الدعم النفسي لهم. لكن هذه المبادرة تحولت اليوم إلى منظومة ثقافية دولية متكاملة.

ومن المؤشرات اللافتة على الحجم الذي وصل إليه المعرض أن دور نشر قادمة من بلدان أوروبية باتت تشتري الكتب منه بكميات كبيرة. فالواقع اللوجستي يجعل حصول الجاليات العربية المقيمة في أوروبا على الكتب بلغتها عبر تركيا أكثر سهولة، الأمر الذي يعزز تدريجياً موقع إسطنبول بوصفها مركزاً دولياً للتوزيع والالتقاء في قطاع النشر العربي.

ولا تقتصر مساحة المعرض على أجنحة الكتب ودور النشر، بل تشكل أيضاً ملتقى فكرياً تُنظم فيه ندوات وحوارات تفتح آفاقاً جديدة في مجالات الأدب والسياسة.

وفي إطار الفعاليات، تُعقد جلسات يناقش خلالها أكاديميون أبرز التطورات الدولية في المرحلة الأخيرة، بدءاً من العلاقات الإقليمية على محور تركيا والسعودية وباكستان، وصولاً إلى الأزمات الإنسانية في فلسطين.

وفي افتتاح المعرض، لفت رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الأستاذ الدكتور علي محيي الدين القره داغي الانتباه إلى أكثر من نصف مليون طالب فلسطيني حُرموا من حقهم في التعليم في غزة، وهو ما يؤكد أن المعرض لا يؤدي دوراً ثقافياً فحسب، بل يتحول كذلك إلى مساحة للدبلوماسية الإنسانية.

وفي جانب آخر، تشارك وزارة الثقافة السورية هذا العام بصفتها ضيف شرف المعرض، في خطوة تفتح المجال أمام الحفاظ على الخبرات المشتركة والمتراكمة للحضارات ونقلها عبر الكتب إلى الأجيال المقبلة.

المخطوطات وقلب صناعة النشر الاحترافية

من أكثر الأجنحة التي استوقفتني في المعرض تلك المخصصة للمعارض المتخصصة ومراكز الأبحاث والتعريف بالمخطوطات.

ويكتسب الحضور المؤسسي لرئاسة مؤسسة المخطوطات التركية أهمية استراتيجية خاصة، إذ يمثل فرصة لإبراز القيمة العالمية للكنوز المخطوطة الموجودة داخل حدود الجمهورية التركية والتعريف بها على نطاق دولي.

كما تشارك المؤسسة خبرتها الناجحة في مجال رقمنة المخطوطات مع دور النشر الدولية، بما يتيح ربط هذا التراث التاريخي الثمين مباشرة بالعالم الأكاديمي الحديث، ويمنحه مجالاً أوسع للبحث والدراسة والوصول.

ومن المساحات اللافتة أيضاً في المعرض «ركن حقوق النشر»، حيث يلتقي الناشرون المحترفون وجهاً لوجه، وتُناقش صفقات بيع وشراء حقوق الترجمة والنشر، إلى جانب بلورة مشروعات تعاون مشتركة.

وفي هذا الإطار، ينشط مشروع «TULIA» داخل المعرض بهدف إيصال الأدب التركي إلى شرائح أوسع في العالم العربي. وبالتوازي مع الزخم الذي أحدثه مشروع «TEDA» المدعوم من وزارة الثقافة والسياحة التركية، لم تعد حركة الترجمة إلى العربية مقتصرة، كما في السابق، على الأعمال الأدبية والروائية، بل باتت تشمل أيضاً مؤلفات نوعية في التاريخ والفلسفة وعلم النفس والفكر التركي الإسلامي.

روح الترجمة وورشة تُنظم للمرة الأولى

وسط هذا الحجم الكبير من التفاعل الثقافي، يبقى المترجمون بلا شك أحد أهم الفاعلين في هذه العملية.

ومن أجل تقدير جهودهم، يمنح المعرض سنوياً جائزتين للترجمة: إحداهما لمترجم أسهم في نقل الأعمال من التركية إلى العربية، والأخرى لمترجم نقل مؤلفات من العربية إلى التركية.

أما الفعالية التي وجدتها شخصياً من أكثر أنشطة المعرض قيمة، فهي ورشة الترجمة التي تُنظم للمرة الأولى هذا العام.

ففي هذه الورشة المغلقة، التي جرى اختيار 15 متخصصاً فقط للمشاركة فيها، تُناقش قضايا فقدان المعنى أثناء انتقال النصوص من لغة إلى أخرى، إلى جانب الأبعاد الفكرية والفلسفية لفعل الترجمة نفسه.

وفي عصر يعيد فيه الذكاء الاصطناعي تشكيل قطاع الترجمة بسرعة كبيرة، وأصبحت المدة اللازمة لترجمة الكتب تُختصر أحياناً إلى بضعة أشهر، تكتسب النقاشات التي تُعقد في إسطنبول حول كيفية الحفاظ على روح النص والعنصر الإنساني في عملية الترجمة أهمية استثنائية.

وكما أكد أغراكجا في مقابلتنا، فإن عدداً من الأسماء المهمة في الأدب التركي، مثل عدالت آغا أوغلو وجنكيز داغجي، لم تُنقل أعمالهما بعد إلى العربية بالصورة الكافية. وفي الاتجاه المقابل، لا تزال الأعمال النثرية لمحمود درويش، إلى جانب مؤلفات سامي العريان، لم تُقدَّم بصورة متكاملة إلى القارئ التركي.

وهذه الفجوة تكشف عن مساحة واسعة من الإمكانات التي لا تزال تنتظر دور النشر والمترجمين لاكتشافها واستثمارها.

ومن هنا تتجاوز أهمية هذا المعرض فكرة جمع الكتب والناشرين في مكان واحد. فهو يؤدي وظيفة الجسر الذي ينقل المعرفة بين الشرق والغرب، ويخلق مساحات جديدة للتفاعل بين الثقافتين العربية والتركية، ويسهم، من خلال الكتاب والترجمة والحوار، في بناء المستقبل الفكري والثقافي لتركيا.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس