
ترك برس
أقر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بإقامة إسرائيل ما وصفها بـ«منطقة أمنية» داخل الأراضي السورية، بالتزامن مع كشفه تفاصيل جديدة عن أسباب استهداف مطار أبو الظهور العسكري شمال غربي سوريا، قائلًا إن الضربة جاءت لمنع ما اعتبره محاولة تركية لتوسيع الوجود العسكري باتجاه الجنوب السوري.
وقال نتنياهو، في تصريحات نُشرت في 28 أغسطس/آب، إن إسرائيل أقامت «منطقة أمنية» في سوريا بدعوى منع احتمال تحرك جماعات مسلحة من الأراضي السورية باتجاه المناطق الخاضعة لسيطرتها، مضيفًا أن تركيا لديها بالفعل نطاق لوجودها العسكري في شمال سوريا، لكن تل أبيب لا تريد لهذا الوجود أن يمتد جنوبًا.
وأضاف: «لا أريد أن أرى تركيا تتجه جنوبًا»، مشيرًا إلى أن حكومته نقلت هذا الموقف إلى كل من أنقرة والسلطات السورية.
نتنياهو: «الوضع القائم» تغير
وبحسب نتنياهو، كانت إسرائيل تتعامل مع الانتشار التركي القائم في مناطق شمال سوريا باعتباره جزءًا من معادلة أو «وضع قائم» لا تعترض عليه، قبل أن ترى أن أنقرة ودمشق تتجهان إلى تغييره.
وقال إن «وضعًا قائمًا محددًا» كان موجودًا، لكن الجانب الآخر «خرقه أو كان يعتزم خرقه»، وفق تعبيره، في إشارة إلى المعلومات الإسرائيلية بشأن احتمال تمركز قوات تركية في قاعدة جوية تقع إلى الجنوب من نطاق الانتشار التركي الحالي.
وأكد نتنياهو أن إسرائيل بعثت برسائل بهذا الشأن عبر الولايات المتحدة وقنوات أخرى، إضافة إلى اتصالات مباشرة مع الجانب السوري، أبلغت فيها دمشق بأنها لن تقبل بتمركز عسكري تركي في المطار.
وأضاف أن الرسائل «لم تُفهم بالشكل الكافي»، على حد وصفه، ولذلك لجأت إسرائيل إلى ما سماه «وسائل حركية»، في إشارة إلى استخدام القوة العسكرية.
مطار أبو الظهور في قلب الخلاف
ويشير نتنياهو إلى مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب الشرقي، الذي استهدفته الطائرات الإسرائيلية في 18 أغسطس/آب 2026 بعدة غارات ألحقت أضرارًا بمدارجه ومنشآته، من دون تسجيل خسائر بشرية.
وقالت إسرائيل عقب الهجوم إن سوريا كانت «على وشك خرق» تفاهمات أمنية عبر السماح بانتشار قوات تركية في المطار، وإنها سبق أن حذرت دمشق من مثل هذه الخطوة.
إلا أن دمشق وأنقرة نفتا الرواية الإسرائيلية. وقال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إنه لم تكن هناك نية لإقامة قاعدة عسكرية تركية دائمة في أبو الظهور أو نشر قوات تركية فيه، مؤكدًا أن المطار لم يشهد حشودًا عسكرية تركية تبرر الضربة الإسرائيلية.
كما رفضت تركيا الاتهامات الإسرائيلية، واتهمت حكومة نتنياهو باستخدام تلك المزاعم لتبرير الضربات التي تستهدف الأراضي السورية، مؤكدة أنها ستواصل تعاونها مع الحكومة السورية في إطار دعم الاستقرار ووحدة البلاد.
توتر متصاعد بين إسرائيل وتركيا داخل الساحة السورية
وتعكس أزمة أبو الظهور تصاعد التنافس بين تركيا وإسرائيل على مستقبل الترتيبات الأمنية في سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024.
وتعد أنقرة أحد أبرز الداعمين للحكومة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، وتربطها بدمشق علاقات متزايدة في المجالات الأمنية والعسكرية والاقتصادية، فيما تبدي إسرائيل مخاوف متكررة من تحول النفوذ التركي في سوريا إلى وجود عسكري متقدم يمكن أن يحد من حرية عملياتها الجوية.
وفي المقابل، تؤكد تركيا أن تعاونها العسكري مع دمشق يجري بطلب من الحكومة السورية ويهدف إلى إعادة بناء قدرات الدولة، وترفض اعتبار وجودها في سوريا مبررًا للضربات الإسرائيلية.
وزادت غارات أبو الظهور المخاوف من تحول التنافس بين الطرفين إلى احتكاك مباشر، إذ وصف المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والسفير لدى أنقرة توم برّاك الضربة الإسرائيلية بأنها تصعيد غير ضروري، محذرًا من مخاطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
ماذا يقصد نتنياهو بـ«المنطقة الأمنية»؟
أما حديث نتنياهو عن إقامة «منطقة أمنية» داخل سوريا، فيرتبط بالتحركات العسكرية الإسرائيلية التي بدأت عقب سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024.
فقد دخل الجيش الإسرائيلي آنذاك إلى منطقة فصل القوات التي تشرف عليها الأمم المتحدة بين سوريا والجولان السوري المحتل، وسيطر على مواقع إضافية بينها أجزاء من جبل الشيخ، قبل أن يوسع عملياته إلى مناطق أخرى في الجنوب السوري.
وكانت إسرائيل قد وصفت انتشارها في البداية بأنه إجراء «مؤقت» لحماية حدودها، لكن مسؤولين إسرائيليين أعلنوا لاحقًا نيتهم إبقاء القوات في بعض تلك المواقع، بينما طالبت دمشق بانسحابها الكامل إلى المواقع التي كانت عليها قبل ديسمبر/كانون الأول 2024.
وتعتبر الأمم المتحدة وجود القوات الإسرائيلية داخل منطقة الفصل خرقًا لاتفاق فض الاشتباك الموقع بين سوريا وإسرائيل عام 1974، وقد دعت قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك «أندوف» إسرائيل إلى الانسحاب واحترام الاتفاق.
وكان اتفاق 1974 قد أنشأ منطقة فصل بين القوات السورية والإسرائيلية ومنطقتين تخضعان لقيود على القوات والأسلحة، مع نشر قوة أممية لمراقبة تطبيقه.
دمشق تطالب بالعودة إلى خطوط ما قبل ديسمبر 2024
وتأتي تصريحات نتنياهو في وقت تحاول فيه واشنطن إعادة تحريك المحادثات الأمنية بين دمشق وإسرائيل.
وعقد مسؤولون سوريون وإسرائيليون في 23 أغسطس/آب لقاءً بوساطة أميركية في الأردن بعد أيام من قصف أبو الظهور، في محاولة لخفض التوتر واستئناف المفاوضات بشأن ترتيبات أمنية محتملة.
وتتمسك دمشق، وفق ما نقلته رويترز، بانسحاب إسرائيل إلى المواقع التي كانت عليها قبل سقوط نظام الأسد، وإعادة العمل الكامل باتفاق فض الاشتباك لعام 1974، كما ترفض فرض قيود إسرائيلية على حقها في إعادة بناء قواتها المسلحة أو إقامة علاقات وتحالفات مع دول أخرى.
وبذلك تكشف تصريحات نتنياهو أن الخلاف لم يعد محصورًا بترتيبات الحدود السورية الإسرائيلية، بل بات يشمل أيضًا حدود النفوذ العسكري التركي داخل سوريا، في ظل سعي إسرائيل إلى فرض خطوط حمراء على التحركات العسكرية في البلاد، مقابل تمسك دمشق بسيادتها ورفضها أن تحدد تل أبيب شكل علاقاتها الدفاعية مع أنقرة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










