
محمد عاكف سويسال - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
عندما يُذكر ساسّولو، يتبادر إلى الذهن السيراميك، وعندما تُذكر بييلا، المنسوجات، وعندما تُذكر مونتيبيلونا، أحذية التزلج…
في خريطة إيطاليا الصناعية، ارتبط اسم بعض المدن تقريبًا بالمنتج الذي تصنعه.
ساسّولو هي اليوم قلب صناعة السيراميك الإيطالية. وبييلا واحدة من أهم مراكز الأقمشة الصوفية في العالم. أما مونتيبيلونا، فقد تحولت في رقعة جغرافية صغيرة جدًا إلى واحدة من أهم مراكز الإنتاج العالمية في مجال المعدات الرياضية التقنية، بدءًا من أحذية التزلج وصولًا إلى أحذية المشي لمسافات طويلة.
المثير للاهتمام ليس وجود عدد كبير من المصانع في هذه المدن.
بل المثير للاهتمام هو وجود كل ما يلزم تقريبًا لإنتاج منتج معين في المنطقة الجغرافية نفسها.
المدينة لا تنتج منتجًا، بل تنتج قدرة
عندما تنظر إلى ساسّولو، فإنك لا ترى مصانع السيراميك فقط. بل تجد أيضًا مصنع الآلات، وشركة الكيميائيات، وصانع القوالب، والمصمم، ومركز الأبحاث، والحرفي الماهر، والمورد المتخصص، جميعهم في حوض الإنتاج نفسه.
إلى درجة أن شركة SACMI، التي تطورت في إيمولا القريبة، تحولت اليوم إلى مجموعة تكنولوجية قادرة على توفير آلات إنتاج السيراميك والمنشآت المتكاملة لدول مختلفة حول العالم.
ما تنتجه ساسّولو لم يعد مجرد السيراميك. بل هو القدرة على إنتاج السيراميك.
لكن هذا النظام لم يُرسم في جلسة واحدة ذات صباح. فقد اكتشفته إيطاليا على مدى سنوات.
في عام 1964، أسس المنتجون منظمة صناعية مشتركة. وفي عام 1972، بدأت الشركات المتنافسة فيما بينها بالتحرك معًا في الأسواق الخارجية من أجل تكوين هوية إيطالية مشتركة للسيراميك. وفي عام 1976، جلس الصناعيون وجامعة بولونيا وهيئة التنمية الإقليمية في إميليا رومانيا إلى الطاولة نفسها، وأسّسوا مركز السيراميك (Centro Ceramico).
وأصبح البحث والاختبار والتدريب ونقل التكنولوجيا جزءًا من نظام الإنتاج.
وفي كل خطوة، جرى استكمال جزء ناقص من المنظومة.
إيطاليا تعلمت، والصين تعيد التصميم من البداية
كانت لدى إيطاليا ضرورة دفعتها إلى ذلك. فالعالم نفسه كان لا يزال يتعلم ماهية التجمعات الصناعية. ومع ظهور الحاجة، أُضيف إلى النظام مصنعو الآلات، والمنظمة الصناعية، والعلامة التجارية المشتركة، والجامعة، ومركز الأبحاث.
أما اليوم، فلم يعد من الضروري قطع الطريق نفسه خلال أربعين أو خمسين عامًا.
فما تعلمته إيطاليا من خلال التجربة على مدى عقود، اتخذته الصين نقطة انطلاق.
وتعد تشانغتشو أحد أبرز الأمثلة على ذلك. إذ تستطيع صناعة البطاريات في المدينة اليوم استكمال نحو 97 بالمئة من سلسلة القيمة داخل المنظومة نفسها.
لكن ما تفعله الصين لا يقتصر على وضع المصانع والموردين جنبًا إلى جنب.
فهي تفكر في مناطق الإنتاج ومراكز الأبحاث والتعليم المهني والخدمات اللوجستية والموارد البشرية معًا. بل إنها لا تتعامل حتى مع قرب السكن من المصنع، ومدة التنقل، ودور الحضانة، والمدارس، والخدمات الصحية والمرافق الاجتماعية باعتبارها أمورًا خارج نطاق كفاءة الإنتاج.
في إيطاليا، تشكلت المدينة حول الإنتاج مع مرور الوقت. أما في الصين، فيجري تصميم الإنتاج والمدينة معًا.
وماذا عن تركيا؟
في الواقع، لا نحتاج حتى إلى الذهاب إلى إيطاليا أو الصين لكي نرى أن هذا النموذج ينجح.
فليس من قبيل المصادفة أن يتبادر الأثاث إلى الذهن عند ذكر إينيغول.
ومع تركز المنتجين والحرفيين والصناعات الفرعية ومصنعي الآلات والمصممين والمصدرين في المنطقة نفسها على مدى السنوات، تحولت إينيغول إلى مركز مهم لإنتاج الأثاث.
إن نجاح إينيغول لا يضعف أطروحتنا، بل على العكس، يثبتها.
لكن هناك فرقًا مهمًا.
فالأمثلة من قبيل إينيغول تطورت إلى حد كبير على مر السنين بفضل الديناميات الذاتية لرجال الأعمال والسوق والمنطقة. وقد يكون هذا المسار ناجحًا، لكنه بطيء. فقد تضطر إلى الانتظار لعقود حتى تتحول منطقة ما إلى منظومة إنتاج على المستوى العالمي.
أما ما تفعله الصين فهو عدم ترك هذه العملية للصدفة.
فهي تحدد التوجه الاستراتيجي بشأن مجال القدرة الإنتاجية الذي ستتخصص فيه كل مدينة، ثم تنظم الصناعة والموردين والجامعة والتعليم المهني والبحث والخدمات اللوجستية ومناطق المعيشة في اتجاه الهدف نفسه.
وتسرّع من خلال الاستراتيجية الحكومية عملية التجمع الصناعي التي قد يستغرق السوق عقودًا لتشكيلها.
وهنا تكمن الفرصة أمام تركيا من منظور MSEM.
فالمسألة ليست فتح مزيد من المناطق الصناعية المنظمة (OSB)، أو توزيع أكبر عدد ممكن من المصانع على كل مدينة. بل تكمن في فهم منطق التركز الإنتاجي الذي تشكل في إينيغول على مدى سنوات، ثم إعادة إنتاجه بصورة واعية ومخططة وبسرعة أكبر بكثير في القطاعات الاستراتيجية.
ولهذا، لا ينبغي أن يكون سؤالنا: «كم مصنعًا سنبني؟».
بل: «في أي مجال إنتاجي نريد لبورصة وقونية وغازي عنتاب وقيصري أن تكون صاحبة كلمة على مستوى العالم في عام 2046؟».
وعندما نجد الإجابة، يجب أن نوجه المدينة نحو الهدف نفسه على المدى الطويل، بدءًا من جامعتها ومدرستها الثانوية المهنية، مرورًا بمنطقتها الصناعية المنظمة ومركز أبحاثها، ووصولًا إلى مورديها وخدماتها اللوجستية وسكنها وبنيتها التحتية الاجتماعية.
إينيغول تُظهر لنا أن هذا ممكن في تركيا أيضًا. أما الصين فتُظهر لنا كيف يمكن تحقيق ذلك من دون انتظار عقود.
ليس مطلوبًا من كل مدينة أن تنتج كل شيء. لكن بعض المدن يجب أن تنتج بعض الأشياء بصورة أفضل من أي مكان آخر في العالم.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس













