محمد علي أوتشار - ستار - ترجمة وتحرير ترك برس

في الانتخابات التي جرت الأحد في ولاية ساكسونيا-أنهالت الألمانية، حل حزب «البديل من أجل ألمانيا» (AfD) اليميني الشعبوي في المرتبة الأولى بفارق كبير، بعدما حصل على 43.8 بالمئة من الأصوات، مقابل 20.8 بالمئة قبل خمسة أعوام.

فيما تراجع حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU) المنتمي إلى يمين الوسط، الذي ينتمي إليه المستشار فريدريش ميرتس، إلى 17.2 بالمئة.

فلماذا اتجه ما يقرب من نصف الناخبين في إحدى الولايات إلى حزب «البديل من أجل ألمانيا»؟

لا يكفي البحث عن الإجابة في نقاشات الهجرة خلال السنوات العشر إلى الاثنتي عشرة الأخيرة فقط. فالقصة متعددة العوامل، كما أنها تمتد إلى زمن أبعد بكثير.

كانت ساكسونيا-أنهالت جزءا من ألمانيا الشرقية السابقة، وعاصمتها مدينة ماغديبورغ.

ولا يتجاوز عدد سكانها 2.12 مليون نسمة، وما زال يتراجع بسرعة. ففي العام الماضي وحده انخفض عدد سكانها بأكثر من 15 ألف نسمة. وتمتلك واحدة من أكثر الفئات السكانية شيخوخة في ألمانيا. وهي من أصغر الولايات الألمانية من حيث عدد السكان، ولا يعيش فيها سوى نحو واحد من كل أربعين من سكان البلاد.

أما الصورة الاقتصادية فليست مشرقة أيضا.

إذ تبلغ نسبة البطالة 8.2 بالمئة، وهي أعلى من المتوسط الألماني البالغ 6.5 بالمئة. كما أن مستويات الدخل أدنى من المتوسط الوطني. وبينما يتراجع عدد السكان، يزداد المجتمع شيخوخة، ويتناقص عدد الأشخاص في سن العمل تدريجيا.

وينعكس هذا الواقع أيضا على الحالة النفسية للناخبين.

فـ89 بالمئة من ناخبي حزب «البديل من أجل ألمانيا» يشعرون بالقلق من ارتفاع الأسعار إلى مستوى قد لا يتمكنون معه من دفع فواتيرهم. ويرى 80 بالمئة أنهم لن يتمكنوا من الحفاظ على مستوى معيشتهم الحالي، فيما يعتقد 66 بالمئة أنهم لا يحصلون على نصيبهم الذي يستحقونه من المجتمع. ويحظى الحزب بقوة خاصة بين العمال والناخبين الذين لا يحملون شهادات تعليم عال.

وبالتالي، فنحن لا نواجه مجرد خيار أيديولوجي يمكن تفسيره بالعداء للمهاجرين وحده. فإلى جانب انعدام الأمن الاقتصادي والشعور بفقدان المكانة والقلق بشأن المستقبل، يأتي التشكيك في الاتحاد الأوروبي، والحرب في أوكرانيا، ورد الفعل تجاه سياسة برلين حيال روسيا، ضمن العوامل التي تغذي التوجه نحو الحزب.

لكن فهم ساكسونيا-أنهالت يتطلب العودة إلى ما هو أبعد قليلا من أرقام اليوم.

36 عاما بعد الوحدة.. ألمانيا ما زالت شرقية وغربية

بعد نحو شهر، في الثالث من أكتوبر/ تشرين الأول، ستحتفل ألمانيا بالذكرى السادسة والثلاثين لإعادة توحيدها. وستتكرر رسائل الوحدة في مدن مختلفة من البلاد.

لكن نتيجة الانتخابات في ساكسونيا-أنهالت تطرح سؤالا آخر: هل تمكنت ألمانيا، التي توحدت سياسيا قبل 36 عاما، من أن تتوحد فعليا على الصعيدين الاجتماعي والنفسي؟

يرى 83 بالمئة من ناخبي حزب «البديل من أجل ألمانيا» أن الألمان الشرقيين ما زالوا يعاملون في كثير من المجالات باعتبارهم «مواطنين من الدرجة الثانية».

والأكثر لفتا للنظر أن هذا الرأي لا يقتصر على ناخبي الحزب. إذ يشاركهم الرأي ذاته 75 بالمئة من ناخبي حزب اليسار (Die Linke)، و68 بالمئة من ناخبي الاتحاد الديمقراطي المسيحي، و65 بالمئة من ناخبي الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني (SPD).

لم يصنع حزب «البديل من أجل ألمانيا» هذا الشعور. فحالة الاستياء هذه في ألمانيا الشرقية كانت موجودة قبل وقت طويل من تأسيس الحزب عام 2013. أما نجاح الحزب، فيكمن في قدرته على قراءة حالة السخط الاجتماعي والسياسي القائمة بالفعل بصورة أفضل من الأحزاب الأخرى، وتحويلها إلى خطاب سياسي.

ولفهم ذلك بشكل أفضل، لنعد بالزمن إلى الوراء قليلا.

العام هو 1994.

والمكان ماغديبورغ، عاصمة ساكسونيا-أنهالت، الولاية التي نتحدث اليوم عن انتصار حزب «البديل من أجل ألمانيا» فيها.

لم يكن قد مضى على توحيد ألمانيا سوى أربعة أعوام. وبينما كان يجري الحديث في برلين عن مستقبل ألمانيا الجديدة والموحدة، كانت شوارع ماغديبورغ تشهد مشاهد مختلفة. إذ كان شبان من اليمين المتطرف يطاردون «السود» في وسط المدينة، ووقعت اعتداءات أسفرت عن إصابة أشخاص.

وأصبحت الأحداث التي دخلت التاريخ الألماني الحديث باسم «أعمال شغب صعود ماغديبورغ» (Magdeburger Himmelfahrtskrawalle)، واحدة من الوقائع الرمزية التي أظهرت أن الوحدة السياسية لا تؤدي تلقائيا إلى الاندماج الاجتماعي.

ولنتقدم في الزمن أربعة أعوام.

حصل حزب الاتحاد الشعبي الألماني (DVU) اليميني المتطرف على 12.9 بالمئة من الأصوات في انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت، ودخل برلمان الولاية بـ16 نائبا.

والآن لنعد إلى عام 2026.

حزب «البديل من أجل ألمانيا» يحصل على 43.8 بالمئة.

مر 28 عاما. تغيرت الأحزاب، وتغير القادة، وتغيرت ألمانيا. لكن بعض خطوط الصدع الاجتماعية لم تختف.

ولهذا، فإن تفسير نتيجة اليوم بنقاشات الهجرة خلال السنوات العشر إلى الاثنتي عشرة الأخيرة فقط، يعني إهمال الذاكرة التاريخية. فهذه القصة لم تبدأ عام 2026، ولم تبدأ مع حزب «البديل من أجل ألمانيا» أيضا.

أين بدأ الطريق المؤدي إلى حزب «البديل من أجل ألمانيا»؟

فضلا عن ذلك، فإن القصة لا تخص ساكسونيا-أنهالت وحدها.

فعندما نعيد شريط الأحداث إلى الوراء، نرى أن تحولا مشابها شهدته دول مختلفة في أوروبا أيضا. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، تسارع الاندماج الأوروبي. وأدى تطبيق نظام شنغن، والانتقال إلى العملة الموحدة اليورو، وتوسع الاتحاد الأوروبي شرقا في عامي 2004 و2007، إلى تصاعد النقاشات حول السيادة الوطنية، وحركة العمالة، وصلاحيات بروكسل.

وإلى جانب النقاشات بشأن تأثير العمالة الأرخص القادمة من الدول الأعضاء الجديدة على أسواق أوروبا الغربية، أضيفت حالة انعدام الأمن الاقتصادي التي خلقتها أزمة ديون منطقة اليورو بعد عام 2009.

وهناك تفصيل مهم هنا. فنحن نقرأ اليوم اليمين الراديكالي بصورة شبه تلقائية من خلال الهجرة خلال السنوات العشر إلى الاثنتي عشرة الأخيرة فقط. لكن أحد أبرز اعتراضات هذه الأحزاب في تلك السنوات لم يكن الهجرة بقدر ما كان الاتحاد الأوروبي. فقد كانت قضايا مثل السيادة الوطنية، وصلاحيات بروكسل، ومعارضة اليورو، من بين المجالات السياسية المهمة لليمين الراديكالي.

ثم جاءت موجة الهجرة في عامي 2015 و2016.

وفي الواقع، لم يتشكل خط صدع سياسي جديد، بل أضيف خط جديد إلى خطوط الصدع القائمة. وأصبح انعدام الأمن الاقتصادي والنقاشات حول السيادة يرتبطان الآن بقضايا الهوية والثقافة والأمن.

ولا شك أن الهجرة مهمة. لكن الناخب نفسه يشعر أيضا بالقلق من غلاء المعيشة، وفقدان وظيفته، ومستقبل أطفاله. ولذلك، لا يمكن اختزال سلوك الناخب في سبب واحد.

وبالفعل، بينما كانت نسبة الناخبين الذين ينسبون إلى حزب «البديل من أجل ألمانيا» الكفاءة في المجال الاقتصادي لا تتجاوز 8 بالمئة عام 2021، وصلت اليوم إلى 30 بالمئة. وهنا يقرع أحد أهم أجراس الإنذار بالنسبة إلى أحزاب الوسط.

ذلك أن الحزب لم يكتف بالحصول على أصوات من الأحزاب الأخرى، بل نجح أيضا في جلب إلى صناديق الاقتراع أشخاصا لم تتمكن السياسة من الوصول إليهم منذ فترة طويلة. ففي ساكسونيا-أنهالت، ارتفعت نسبة المشاركة من 60.3 بالمئة إلى 77.8 بالمئة. واتجه نحو 170 ألف ناخب ممن لم يكونوا يشاركون سابقا في الانتخابات إلى الحزب. ويعادل هذا العدد نحو 30 بالمئة من إجمالي أصواته.

وبالتالي، فإن ما حدث ليس مجرد انتقال للأصوات من الاتحاد الديمقراطي المسيحي إلى حزب «البديل من أجل ألمانيا»، بل عودة كتلة ابتعدت عن السياسة إلى المشاركة السياسية من جديد عبر الحزب.

السياسة الوسطية في ألمانيا لا تعجز عن قراءة الناخب فحسب، بل عن قراءة العالم أيضا

لكن قراءة القصة بأكملها من خلال حزب «البديل من أجل ألمانيا» ستكون خاطئة أيضا.

فمشكلة السياسة الوسطية الألمانية أكبر بكثير من صعود الحزب. إذ تجد الأحزاب التقليدية في الوسط صعوبة ليس فقط في قراءة التغيرات التي طرأت على ناخبيها، بل أيضا في فهم التحول الذي يشهده العالم.

ولسنوات طويلة، بنت ألمانيا نموذجا اقتصاديا وسياسيا خارجيا مريحا إلى حد كبير على ثلاثة ركائز: المظلة الأمنية الأمريكية، والطاقة الروسية الرخيصة، والسوق الصينية.

واليوم، أصبحت الركائز الثلاث جميعها محل نقاش.

فقد انهار نموذج الطاقة السابق مع روسيا.

ولم تعد الصين مجرد شريك اقتصادي كبير، بل ينظر إليها أيضا باعتبارها منافسا استراتيجيا.

أما مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا، فلم يعد قابلا للتنبؤ به كما كان في السابق.

وفي المقابل، لم تتمكن أوروبا حتى الآن من تقديم استراتيجية مقنعة بشأن كيفية ضمان أمنها، وكيف يمكن أن تصبح فاعلا مستقلا في العالم.

كان تحول ألمانيا في الماضي إلى دولة تعتمد بشكل مفرط على روسيا خطأ استراتيجيا. لكن الدرس الذي ينبغي استخلاصه من ذلك لا ينبغي أن يكون الخروج من تبعية للدخول في تبعية أخرى.

فالسياسة الخارجية تحكمها ديناميكيات تتجاوز بكثير إعداد قوائم بالأصدقاء والأعداء. أما الدبلوماسية، فتتمثل، ولا سيما في الفترات التي تتعارض فيها المصالح، في القدرة على التحدث إلى مختلف الأطراف، وتحديد المصالح الذاتية بشكل صحيح، والحفاظ على هامش الحركة، وفي الوقت نفسه السعي من أجل السلام والإنصاف.

وتُقيّم الحرب في أوكرانيا، والعقوبات المفروضة على روسيا، وكلفة الحرب على ألمانيا، في ألمانيا الشرقية، ولا سيما هناك، بصورة مختلفة عن التيار السائد في برلين. وقد نجح حزب «البديل من أجل ألمانيا» في تسييس هذا الاستياء أيضا.

وهذا لا يعني أن وصفة الحزب في السياسة الخارجية صحيحة. فاعتبار الإجابة التي يقدمها حزب سياسي خاطئة، لا يجعل السؤال الذي يطرحه الناخب غير مشروع.

والسؤال المطروح أمام أحزاب الوسط هو: لماذا ابتعد هؤلاء الناس عنها؟

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!