ترك برس

تناول مقال للكاتب والمحلل التركي سليمان سيفي أوغون، الأسطورة الشائعة حول وجود «إسرائيل عميقة» تتحكم بالولايات المتحدة، ليقدّم قراءة أعمق ترى أن جوهر الأزمة يكمن في هيمنة النظام المالي العالمي المتمركز في وول ستريت على الدولة الأميركية نفسها.

وينطلق الكاتب في مقاله بصحيفة يني شفق من تحليل تاريخي لصراع قديم بين الاقتصاد الإنتاجي الحقيقي والشبكات المالية، مستحضرًا نماذج مثل أندرو جاكسون وهنري فورد، بوصفهما تعبيرين مبكرين عن تمرّد الدولة على رأس المال.

ثم ينتقل إلى تفكيك وهم السيادة المالية الأميركية بعد انهيار معيار الذهب وصعود الدولرة، معتبرًا أن «الحلم الأميركي» ليس سوى نتاج نظام مالي عالمي يتسرّب جزء صغير منه إلى الداخل الأميركي. وفيما يلي نص المقال:

تُعد العلاقات بين الولايات المتحدة و«إسرائيل» موضوعًا لكثير من التكهنات والتحليلات. ومن بين المقاربات السائدة رؤيةٌ ترى أن في داخل الولايات المتحدة «إسرائيل عميقة» تتحكم في مسارها وتوجهها بما يخدم مصالحها على الدوام.

للوهلة الأولى، تبدو هذه القراءة قابلة للتصديق، إذ إن الوقائع التي يمكن أن تسندها كثيرة. فقد خصص العالم الراحل تشارلز رايت ميلز، في كتابه الذي صار من الكلاسيكيات «نخبة السلطة»، فصلًا مطولًا للحديث عن وول ستريت بوصفها أحد مراكز القوة التي قامت عليها الولايات المتحدة.

فهذه المنطقة تمثل قلبًا ماليًا عالميًا، تُمتص فيه «القيمة الفائضة» للاقتصاد العالمي بصيغة مالية، وتؤدي دورًا بالغ الأهمية في توجيه السياسة الأميركية. وترتبط المراكز المالية في اليابان وسويسرا وبريطانيا بوول ستريت عبر وظائف مختلفة، تصبّ جميعها في النهاية في هذا المركز. ومن المعروف أن السيطرة على هذا الفضاء المالي تقع، إلى حدٍّ كبير، في يد مجموعات ذات أصول يهودية. وخلاصة الأمر أن جماعة لا يتجاوز عددها نحو خمسة عشر مليون نسمة في العالم، استطاعت أن تمتلك نفوذًا وتأثيرًا يفوق بكثير وزنها الديموغرافي.

وعند التمعن أكثر في التاريخ الأميركي، يتبيّن أن صراعًا عميقًا، بلغ في بعض مراحله حدّ العداء، كان قائمًا بين الدوائر الاقتصادية الإنتاجية الحقيقية وبين المصارف والشبكات المالية. فقد كانت الأوساط الصناعية ترى في هذه الشبكات المالية كيانًا طفيليًا يلتفّ حول الاقتصاد الحقيقي ويستنزفه.

ويكفي أن نشير هنا إلى هنري فورد، مؤسس شركة فورد الشهيرة، الذي عبّر في كتابه «اليهودي العالمي» الصادر عام 1920 عن موقف بالغ القسوة تجاه هذه المنظومة، وهو ما عكسه أيضًا في مسار حياته الشخصية، إذ خاض ضدها معركة مفتوحة.

غير أن الشخصية الأهم في هذا السياق تظل الرئيس الأميركي أندرو جاكسون. فقد عاش جاكسون حياة طويلة حافلة بالصراعات والمحن، وكان يُنظر إليه بوصفه الممثل الأبرز لروح الجنوب والغرب الأوسط الزراعي في الولايات المتحدة. كان قوميًّا أميركيًا متشدّدًا، ذا طبع صدامي، شارك في عدد كبير من المبارزات التي خرج منها مصابًا بجروح بالغة، لكنه نجا منها جميعًا.

خاض حرب الاستقلال الأميركية ضد بريطانيا في الصفوف الأمامية، وأُسر خلال المعارك. ويروى أنه حين طلب منه ضابط بريطاني، أثناء أسره، تنظيف حذائه، رفض ذلك بشدّة، فما كان من الضابط إلا أن شقّ وجهه بسيفه، تاركًا أثرًا غائرًا ظلّ ملازمًا له طوال حياته. وقد فقد جاكسون عددًا كبيرًا من أفراد عائلته في تلك الحرب، فتجذّر في داخله حقد عميق على بريطانيا.

بعد الاستقلال، وجد جاكسون نفسه منخرطًا في الصراع الداخلي بين الشمال والجنوب، وانحاز بوضوح إلى صفوف الجنوب العنصرية. وبفضل مسيرته القانونية، نجح في دخول مجلس الشيوخ، ثم خاض مواجهة قاسية مع شرق الولايات المتحدة، الذي كان يمثّل المركز المالي والفكري للبلاد. وفي عام 1828، انتُخب رئيسًا ليكون أول رئيس أميركي لا ينتمي إلى النخبة الشرقية.

وعلى خلاف أسلافه من أمثال جورج واشنطن وتوماس جيفرسون وجيمس ماديسون، الذين كانوا ذوي خلفيات فكرية رفيعة وينتمون إلى الساحل الشرقي، مثّل جاكسون للمرة الأولى «أميركا الريفية». وقد لُقب بـ«Old Hickory»، أي «الخشب الصلب» أو «العنيد القاسي». انتهج سياسة مغايرة تمامًا، فقام بتطهير مؤسسات الدولة من النخب التقليدية، وملأها بأنصاره. كان بمثابة الابن المتمرّد للنظام الأميركي القائم، ومع ذلك فاز بولاية ثانية عام 1832، ليحكم فترتين رئاسيتين كاملتين.

خلال رئاسته، تعرض جاكسون لمحاولات اغتيال عديدة نجا منها جميعًا. انتهج سياسات شديدة القسوة، ولم يكتفِ بالمحسوبية، بل مارس عنصرية صريحة. فقد عمل على عزل السكان الأصليين، أي الهنود الحمر، في محميات، وإقصائهم عن الحياة الاجتماعية، مؤمنًا بتفوّق العِرق الأبيض. وكان قريبًا من مزارعي الجنوب والغرب الأوسط، الذين شكّلوا قاعدته الشعبية الأساسية، كما حظي بدعم صغار التجار والمصرفيين المحليين والعمال في الشرق.

غير أن معركته الأشد كانت ضد «البنك المركزي الأميركي الثاني»، الذي اعتبره طفيليًا على الاقتصاد الوطني. وكان شعار حملته في ولايته الثانية: «لا للبنوك». ودافع عن فكرة أن السيطرة على المال يجب أن تكون بيد الخزانة الأميركية، وفق نظام صارم قائم على معيار الذهب. وليس من المستبعد أن تكون محاولات اغتياله قد نُظّمت من قِبل كبار أقطاب المال المتضررين من سياساته. وبعد انتهاء ولايته، اعتزل الحياة العامة وعاد إلى مزرعته، حيث توفي عام 1845 عن عمر ناهز الثامنة والسبعين.

ما بين عامي 1870 و1914، شهد الاقتصاد الأميركي نموًا استثنائيًا في ظل انضباط مالي صارم، وهي الفترة المعروفة بـ«العصر المذهّب». غير أن هذا المسار انتهى بصورة درامية مع اندلاع الحرب العالمية الأولى. والمفارقة اللافتة أن البنك المركزي أُعيد افتتاحه عام 1913، في عهد وودرو ويلسون، عبر خطوة مفاجئة أشبه بالأمر الواقع.

ولم يكن هذا البنك، في جوهره، مؤسسة وطنية أميركية خالصة، رغم أن معاملاته كانت تتم بالدولار، وأن الأموال كانت تتجمع في الولايات المتحدة قبل أن يُعاد ضخ جزء يسير منها في الاقتصاد الداخلي، ما خلق وهمًا بالسيادة المالية. وبعد اتفاقية بريتون وودز، جرى تخفيف الارتباط بالذهب، ثم جاء «صدمة نيكسون» عام 1971 لتلغي معيار الذهب نهائيًا، وتفتح الباب أمام طباعة الدولار بلا قيود. وهكذا بلغ مسار «الدولرة» ذروته، وتضاعف الوهم.

ذلك هو الأساس الحقيقي لما يُعرف بـ«الحلم الأميركي» أو «الرفاه الأميركي»: نظام مالي عالمي لا يملكه الأميركيون فعليًا، لكنه يتجمع داخل الولايات المتحدة، ويتسرّب جزء منه إلى الأسفل، بما يكفي لتأمين مستوى رفاه لافت. وخلال «العصر الذهبي» بين 1950 و1970، كانت البنية الإنتاجية القوية للاقتصاد الأميركي قادرة على امتصاص هذه الاختلالات.

لكن بعد السبعينيات، ومع التوسع الجامح في عرض النقود، وتراجع القوى الإنتاجية وانتقالها إلى الخارج، أصبح الوضع مأزومًا. واستمر هذا «الازدهار الوهمي» حتى مطلع الألفية، قبل أن تبدأ الفقاعات بالانفجار تباعًا منذ عام 2008.

لم تُبدِ الدوائر المالية، التي تهيمن عليها مجموعات ذات أصول يهودية وتمتلك احتكارًا ثقيلًا داخل النظام الأميركي وفي إدارة الرأي العام، أي اكتراث حقيقي بهذه التداعيات. فبينما يغرق الخاسرون، يواصل الناجون مراكمة الأرباح. غير أن المحصلة النهائية هي أن هذا النظام المختل يعمل ضد مصلحة الولايات المتحدة نفسها، مع تفاقم البطالة، وتصاعد مخاطر التضخم الجامح، وتراكم ديون داخلية وخارجية بات سدادها شبه مستحيل.

في هذا السياق، تبدو أشباح هنري فورد وأندرو جاكسون حاضرة خلف دونالد ترامب. فترامب يبحث عن مخرج. صحيح أنه يستند إلى دعم لوبيات الطاقة والمجمّع العسكري وشركات التكنولوجيا، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع التوقف عن «الرقص» مع وول ستريت حفاظًا على بقاء الدولار.

وهنا يتصادم مشروعه لإعادة هيكلة السياسة العالمية بما يخدم المصالح الأميركية، مع جنون «إسرائيل» القائمة على وول ستريت وكونغرسٍ جرى شراؤه. إن استمرار هذا التوازن المتناقض بات أكثر صعوبة يومًا بعد يوم. وفي نهاية المطاف، لا بدّ أن يُقصي أحدهما الآخر: إمّا أن يُقصي ترامب نتنياهو، أو أن يُقصي نتنياهو ترامب. حقًا، نحن نعيش زمنًا بالغ القسوة والتعقيد.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!