
ترك برس
تناول مقال للكاتب والخبير التركي آيدن أونال، بصحيفة يني شفق، صورة تنظيم "بي كا كا/واي بي جي" بوصفه «قوة مقاومة»، وباعتباره مشروعًا وظيفيًا مدعومًا أميركيًا وإسرائيليًا وأوروبيًا، لم يصمد لحظة واحدة أمام حرب جبهات حقيقية بعد سحب الغطاء الدولي عنه.
يستعرض الكاتب كيف انهار التنظيم ميدانيًا من دون قتال يُذكر، ما يكشف أن قوته لم تكن نابعة من قدراته الذاتية، بل من شبكة حماية سياسية وعسكرية ومالية خارجية. كما يربط بين هذا الانهيار وبين حملة دعائية وثقافية داخل تركيا والعالم العربي، عملت على تبييض صورة التنظيم وشيطنة خصومه، وخصوصًا الدولة السورية وتركيا.
ويذهب أونال أبعد من ذلك ليعتبر أن أخطر ما في بي كا كا ليس سلاحه، بل الحاضنة الإعلامية والأيديولوجية التي تبرر الإرهاب، وتصنع خطاب «الضحية»، وتحوّل الهزيمة إلى مظلومية، في عملية منظمة لمصادرة الوعي والكرامة معًا. وفيما يلي نص المقال:
حظي تنظيم بي كا كا/واي بي جي الإرهابي منذ عام 2012 بدعم مالي وعسكري مباشر من الولايات المتحدة. جرى تخصيص رواتب للمسلحين، وتزويدهم بأسلحة حديثة وثقيلة. كما استولوا، في الأراضي السورية التي احتلوها، على عائدات الأراضي الزراعية الخصبة والنفط.
وعندما أطلق الجيش السوري عملياته خلال الأسابيع الماضية، انسحبوا من دون أي قتال يُذكر من معظم المناطق التي احتلوها، بدءًا من حلب، مرورًا بالرقة، ووصولًا إلى دير الزور. فما الذي يتبيّن لنا؟ يتضح أن تنظيم بي كا كا ليس سوى «نمر من ورق».
حتى اليوم، لم تخرج العمليات المسلحة لـ" بي كا كا" عن إطار الكمائن، والاغتيالات، والغارات، وحرب الكرّ والفرّ، وتفجير الأحزمة الناسفة وسط التجمعات المدنية، والعمليات الانتحارية.
وللمرة الأولى واجهوا حرب جبهات حقيقية، وقتالًا مباشرًا وجهًا لوجه، فما كان منهم إلا أن فرّوا من دون أن يلتفتوا خلفهم. فما الذي يتبيّن لنا؟ يتضح أن هذا التنظيم يفرّ فرارًا جبانًا عندما يواجه حربًا شريفة.
كانت الضمانة الكبرى لتنظيم بي كا كا/واي بي جي الإرهابي في احتلاله لسوريا هي الحماية الأميركية. وحين سحبت الولايات المتحدة دعمها وتركهم الكيان الإسرائيلي لمصيرهم، لم يبقَ شيء يُذكر من «المقاومة». فما الذي يتبيّن لنا؟ يتضح أن بي كا كا ليس إلا أداة انتهت صلاحيتها في يد الإمبريالية.
منذ عام 2012 دعمت الولايات المتحدة علنًا تنظيم بي كا كا/واي بي جي الإرهابي في سوريا. ونحن نعلم جيدًا أن هذا الدعم لم يقتصر على الساحة السورية فحسب، بل شمل جميع مراحل التنظيم، منذ تأسيسه، وأن دولًا أوروبية والكيان الإسرائيلي وفّرت له الحماية والرعاية. فما الذي يتبيّن لنا؟ يتضح أن بي كا كا، الذي سفك دماء خمسين ألف إنسان في تركيا، ليس في حقيقته سوى مشروع إمبريالي موجَّه ضد تركيا.
طوال ثمانية وأربعين عامًا، كان الإرهاب الذي يمارسه بي كا كا هو العنوان الأبرز في أجندة تركيا، غير أن ارتباطاته الخارجية، ولا سيما علاقاته مع الولايات المتحدة وأوروبا والكيان الإسرائيلي، لم تُطرح يومًا بجدية في وسائل الإعلام السائدة، ولم تُناقش أو تُسائل على النحو الكافي. فما الذي يتبيّن لنا؟ يتضح أن هناك تعتيمًا وتمويلًا منظَّمَين لمنع الحديث عمّن يمسك بخيوط هذا التنظيم.
فضّل كثيرون، وفي مقدمتهم حزب الشعب الجمهوري الذي يتباهى بكونه الحزب المؤسس للجمهورية، إلى جانب يساريي البلاد، والكماليين، والقوميين، والطورانيين، شيطنةَ الدولة السورية ووصمَها بـ"داعش"، مقابل توصيف العمليات ضد تنظيم بي كا كا على أنها "إبادة للأكراد".
فما الذي يتبيّن لنا؟ يتضح أن دعم الكيان الإسرائيلي، أو الولايات المتحدة، بل وحتى تنظيم إرهابي دموي كـ "بي كا كا، قد يكون مقبولًا لديهم إذا كان الطرف المقابل أناسًا تلامس جباههم الأرض في الصلاة.
فنانون مزعومون يضفرون شعورهم، وكتّاب ومؤسسات ومنظمات مجتمع مدني يرددون مزاعم "تُرتكب مجازر بحق الأكراد في سوريا". نقابات، وهيئات مهنية، ونقابات محامين وأطباء، كتبوا بيانات مطوّلة دعمًا لتنظيم بي كا كا لأنهم لا يستطيعون الهتاف صراحة "عاشت بي كا كا". فما الذي يتبيّن لنا؟ يتضح أن الإرهاب ليس محصورًا في قنديل أو سنجار أو القامشلي، بل موجود في صميم مجتمعاتنا.
حتى بعض من كنا نعرفهم بوصفهم "إسلاميين أكرادًا" سقطوا في اختبار سوريا. فعلى الرغم من علمهم اليقيني بعدم وجود أي إبادة بحق الأكراد، وأن ما يجري هو مواجهة مع تنظيم بي كا كا، إلا أنهم تمسكوا هم أيضًا بكذبة "الأكراد يُقتلون". فما الذي يتبيّن لنا؟ يتضح أن في قلوب من ظنناهم إسلاميين أكرادًا مساحة واسعة لتنظيم بي كا كا.
ورغم الإمكانات غير المحدودة التي حصل عليها، لم يقدّم تنظيم بي كا كا/واي بي جي الإرهابي أي قتال حقيقي على الأرض، واختفى من المشهد من دون مقاومة، ومع ذلك لا نسمع أي انتقاد يُذكر.
أين ذهبت تلك الأموال؟ ومن الذي امتلأت جيوبه؟ تنشرون كذبة موت الأطفال من البرد في عين العرب، لكنكم لا تسألون لماذا لم يُحضَّر غذاء أو وقود، ولم يُنجز شيء سوى حفر الأنفاق؟
هل هذه هي المدن "البيئية" التي أدرتها طوال أربعة عشر عامًا، وكلها غارقة في الفقر؟ تطلقون حملات دعائية عبر مقطع ساخر عن تسريحة شعر، أو عبر قنّاصة امرأة، لكنكم لا تتحدثون عن النساء القاصرات اللواتي استُخدمن في عمليات انتحارية في حلب، ولا عن المجازر بحق العرب، ولا عن الأطفال المعتقلين، ولا عن التحرشات والاعتداءات الجنسية داخل التنظيم. فما الذي يتبيّن لنا؟ يتضح أن بي كا كا فقاعة ضخمة، منفوخة بالدعاية، ويُمنع انتقادها بالقمع.
بعد كل هزيمة وكل فشل، وكل عملية خاسرة قُتل فيها مئات الشباب الأكراد، يُحرك بي كا كا الشارع ويطلق حملة نواح تحت شعار "تُرتكب مجازر بحق الأكراد". لا يكون شجاعًا أثناء القتال، ويصبح عديم الكرامة عند الخسارة. فما الذي يتبيّن لنا؟ يتضح أن هذا التنظيم لم يستغل فقط عقول وإدراك الأكراد المتعاطفين معه، بل صادر كرامتهم أيضًا.
ظهرت مؤخرًا تسجيلات جديدة تُظهر المخرج عديم الموهبة، المعادي للمرأة، القاتل، ومعبود اليسار المؤيد لتنظيم بي كا كا، يلماز غوني، وهو يعتدي على أحد العاملين في موقع التصويرهل انتهى التقديس الأعمى لهذا الشخص بعد انكشاف حقيقته؟لا. فما الذي يتبيّن لنا؟ يتضح أن التحرش والاغتصاب والعنف ضد المرأة والعامل يمكن تبريرها إذا كان الفاعل "من جماعتهم".
ومن دون أن يكون الأمر متصلًا بالموضوع من حيث الحدث، لكنه متصل به من حيث الجوهر، لا بد من التوقف عند واقعة أخرى:
توجد اتهامات خطيرة للغاية تتعلق بالاعتداء على الأطفال في منشآت غير قانونية تابعة لبلدية إسطنبول الكبرى تحت مسمى "دور الحضانة"، وقد وُضع على رأس هذه المنشآت أشخاص مرتبطون بتنظيمات شاذة من مجتمع الميم.
لا أحد ينطق بكلمة. الفنانون المزعومون، والكتّاب، والصحفيون، والجمعيات، والنقابات، والهيئات المهنية، والمنظمات النسوية، وحزب الشعب الجمهوري، وحزب DEM، وغيرهم، جميعهم يطبقون سياسة الصمت المطبق. أولئك الذين كانوا في الماضي يربطون قسرًا قضايا الاعتداء على الأطفال بالمؤسسات الإسلامية، ويشنّون هجمات خسيسة على المتدينين، يلوذون اليوم بالصمت. فما الذي يتبيّن لنا؟ يتضح أن حساسيتهم مصنوعة من البلاستيك. لم تكن قضيتهم الأطفال. حتى ضمائرهم أصبحت مستقطَبة. واتضح أنهم لم يكونوا بشرًا أصلًا.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











