
ترك برس
تناول مقال للكاتب والمفكر التركي سلجوق تورك يلماز، قرار الجامعة الأميركية في بيروت منع المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بفلسطين، فرانشيسكا ألبانيزي، من إلقاء كلمة داخل الحرم الجامعي، مستعرضا الحدث بوصفه لحظة رمزية تكشف أزمة أعمق في بنية «النخبة الليبرالية» والمؤسسات التي ادّعت تمثيل القيم الغربية في الشرق الأوسط.
يربط الكاتب في مقاله بصحيفة يني شفق هذا القرار بالجذور الكولونيالية للجامعة، التي تأسست في القرن التاسع عشر ضمن سياق الإرساليات البروتستانتية والرؤية الاستشراقية للمنطقة، حيث تداخلت فكرة «التمدين» مع المشروع الصهيوني.
ويجادل بأن ما يجري اليوم ليس دفاعًا عن حرية أو قيم، بل تعبير عن ارتباك الغرب أمام انهيار مركزيته وصعود عالم متعدد الأقطاب، خصوصًا بعد صمود غزة وتفكك الإرث الكولونيالي في سوريا. وفيما يلي نص المقال:
انتشر خبر الأسبوع الماضي يفيد بأن الجامعة الأميركية في بيروت منعت فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بفلسطين، من إلقاء كلمة داخل الحرم الجامعي. كان الخبر بالغ الدلالة، ذلك أن هذه الجامعة، إلى جانب مؤسسات شبيهة، لعبت دورًا محوريًا في تحولات شرق المتوسط، بل وفي تشكّل مفهوم «الشرق الأوسط» نفسه.
ستظل الحقبة الكولونيالية موضوعًا للبحث مرارًا في سياقات متعددة، غير أن إغلاق مؤسسة تُعنى بتخريج «النخب» أبوابها في وجه الأفكار المختلفة يظل أمرًا لافتًا. فهذه المؤسسات، حتى وقت قريب، كانت تتباهى بكونها تُنشئ نخبة تمثل «القيم الغربية» وتمنحها موقعًا متفوقًا.
وماهية هذه القيم معروفة للجميع تقريبًا. ولا شك أن ما سُمّي بـ«رسالة التمدين» لم يكن سوى انعكاس لرؤية عالمية محددة، كما أن الدراسات الاستشراقية أُنجزت في إطار هذه النظرة المهيمنة. وبناءً عليه، كان يُنظر إلى الشرق بوصفه «بلا تاريخ وفاقدًا للفاعلية»، ويُفترض أن ينفتح على القيم الغربية، وأن يُنجز لأجل ذلك جملة من «الواجبات».
وقد تبنت النخبة الاعتقاد بأن الخلل يكمن فينا نحن، وأن علينا أن نأسف لعدم امتلاكنا مؤسسات تمثل الحرية، مثل الجامعة الأميركية في بيروت.
في الواقع، بدأت الموجة الصادمة مع الحرب الأوكرانية. فحين أُحرقت أعمال تولستوي ودوستويفسكي في مكتبات أوروبية، كان يمكن توقّع أن تمتد التحوّلات إلى مؤسسات من طراز الجامعة الأميركية في بيروت.
إن مواجهة أنصار فلسطين بالقوة الشرطية في جامعات أوروبا وأميركا وفي ساحاتها العامة كان دليلًا على أن التغيير تحوّل إلى موجة عاتية. بل إن الأمر تجاوز ذلك؛ ففي دولة مركزية مثل بريطانيا، جرى تصنيف المشاركة في تظاهرات مؤيدة للفلسطينيين بوصفها نشاطًا إرهابيًا.
في عالمنا، ولا سيما منذ تسعينيات القرن الماضي، أضفى المتحمسون المتعصبون لليبرالية الأنغلوسكسونية طابعًا شبه ديني على «القيم الغربية». وكان من الطبيعي اليوم أن نسمع صوت أولئك الذين آمنوا بالليبرالية وهم يعلّقون على هذا التحوّل الجديد. فمن الواضح أن المسألة لم تكن لتتوقف عند حظر أعمال أدبية روسية.
ومنذ أن أدركوا أن العالم المتمركز حول أوروبا يتداعى، دخلوا في حالة ارتباك عميق. ولم يتأخر وصول هذه الموجة إلى الجامعة الأميركية في بيروت. ويبدو أنهم باتوا يدركون أنهم لن يكونوا قادرين على إعداد نخبة مستقبلية كما في السابق، فاختاروا إغلاق الأبواب في وجه الأفكار المختلفة. بينما كانت المكتبات الأوروبية تُحرق، فضّلت هذه المؤسسات الانغلاق؛ وهو موقف رمزي بامتياز.
للجامعة الأميركية في بيروت تاريخ طويل؛ فقد تأسست عام 1866 تحت اسم «الكلية البروتستانتية السورية». وليس من قبيل المصادفة أن يقترن ذكر الإرساليات البروتستانتية بالصهيونية؛ إذ إن الصهيونية، كما كررنا مرارًا، نشأت في أوساط بروتستانتية. ومنذ منتصف القرن التاسع عشر، بدأت الإرساليات البروتستانتية تتدفق إلى الجغرافيا العثمانية بوصفها أحد تجليات السياسة البريطانية في شرق المتوسط. وقد امتلأت الأدبيات الاستشراقية بانطباعات هؤلاء المرسلين.
أما فكرة إقامة مستعمرة يهودية في فلسطين، فهي بدورها تعود إلى الخارجية البريطانية في القرن التاسع عشر. وقد ورثت الجامعة الأميركية في بيروت هذه الرؤية. ومن ثم فإن منع جامعة أسسها مرسلون بروتستانت مقررةً أممية تقف ضد الصهيونية وإسرائيل من دخول الحرم الجامعي، يعني عودة صريحة إلى القيم التأسيسية الأولى. وفي القرن العشرين، جرى التعتيم على هذه الأفكار المؤسسة بما يخدم الأغراض الدعائية.
لقد أوصل الصمود الاستثنائي للفلسطينيين في غزة العالم إلى مرحلة جديدة. وخلال العامين الماضيين، جرى تفكيك إرث الاستعمار الفرنسي في سوريا. وقد أدى هذا الإنجاز الكبير إلى موجة جديدة من التحولات في شرق المتوسط ومنطقة الخليج. وقبل سنوات قليلة فقط، كانت منطقتنا تواجه خطر تفكك جديد.
ومن المفيد جدًا اليوم التوقف عند عمق سوريا وتركيا ومجالات تأثيرهما. ولا شك أن هذا الوضع الجديد يُعد نجاحًا كبيرًا من وجهة نظرنا. غير أن هذا النجاح الواضح لا يزال يُقرأ، للأسف، من زاوية أميركية–بريطانية، وهو ما يعكس تغلغل ذهنية النخبة إلى أعماق التفكير. فصورة «الشرق الساكن والسلبي» تنتمي إلى لغة استشراقية كولونيالية، وهذه اللغة تُغيّب إنجازات تركيا وسوريا وتطمسها.
إن الحظر الذي فرضته الجامعة الأميركية في بيروت على المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بفلسطين، فرانشيسكا ألبانيزي، هو حظر رمزي في جوهره. لكنه يؤكد مرة أخرى أن التغيير الجاري ليس سطحيًا، وأن قراءة الأحداث من منظور أميركي أو أوروبي حصري لم تعد كافية لفهم ما يجري في العالم.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











