ترك برس

في تقرير بصحيفة يني شفق، تناول الكاتب والسياسي التركي ياسين أقطاي، تفكيك السردية القومية العربية التي تشكّلت بعد الحرب العالمية الأولى، ويبيّن كيف جرى بناء هوية الدول العربية الجديدة على معاداة الدولة العثمانية والأتراك بدل معاداة القوى الاستعمارية التي احتلت المنطقة فعليًا.

ويناقش أقطاي دور سياسات جمعية الاتحاد والترقي وجمال باشا في تعميق القطيعة العربية–التركية، ويعيد طرح سؤال «الخيانة» من زاوية مختلفة، معتبرًا أن تصفية الدولة العثمانية كانت مشروعًا داخليًا نابعًا من النخبة الحاكمة نفسها أكثر مما كانت نتيجة مؤامرة خارجية فقط.

وفيما يلي نص المقال:

بعد الحرب العالمية الأولى، قامت على الأراضي العثمانية التي جرى احتلالها دول عربية «بهيئة عربية»، غير أن جميع هذه الدول أسست هويتها القومية لا على معاداة القوى التي احتلتها فعليًا، بل على معاداة الأتراك. ففي حين لم تُبد أي عداء يُذكر للدول التي كانت تحتلها آنذاك، وتستغلها وتضطهدها، اعتبرت الدولة العثمانية – التي عاشت في ظلها أربعة قرون من الأمن والاستقرار – كيانًا أبعد وأشد عداوة.

وهذا التصور لا ينسجم مع حقائق التاريخ، لكنه كان جوهر المحتوى الأيديولوجي للتعليم القومي الذي فُرض عليها: العثمانيون والأتراك، بحسب هذا السرد، كانوا قوة استعمارية احتلالية استقرت في تلك الأراضي مدة أربعمائة عام، ولم تترك وراءها أي إرث يُذكر بالخير.

بطبيعة الحال، لم يكن هذا الخطاب منسجمًا مع الواقع المعيشي اليومي للشعوب العربية، ولا مع ما يمكن أن يقبله وجدانها الجمعي. ولذلك نشأ تناقض واضح بين ذاكرة الشعوب العربية من جهة، وبين ما كانت تُلقَّنه لأبنائها في المدارس، وما يُضخ إليها يوميًا عبر الصحف ووسائل الإعلام الرسمية من جهة أخرى. ويمكن القول إن مسار «الربيع العربي» مثّل، في أحد أبعاده، عملية تخلّص الشعوب العربية من هذه السرديات المفروضة، وعودةً إلى الالتقاء مع الأتراك خارج الأطر الأيديولوجية المصطنعة.

في سوريا، وبعد الثورة الشعبية، أعلنت الإدارة السورية الجديدة مؤخرًا إلغاء «يوم الشهداء» الذي ظل يُحتفل به رسميًا مدة مئة عام، وعدم إحيائه بعد اليوم. وكان هذا اليوم مخصصًا لإحياء ذكرى المثقفين العرب السوريين واللبنانيين الذين أُعدموا بأمر من جمال باشا في ساحة المرجة بدمشق وساحة البرج في بيروت. ولم يكن هذا الإعلان مجرد إجراء إداري، بل رسالة واضحة بعدم منح أي مشروعية للسردية الكامنة خلف هذا اليوم، وبأن النظرة القومية العربية القديمة تجاه الأتراك لن تكون معتمدة بعد الآن.

إلغاء يوم الشهداء في سوريا: كان هذا هو المتوقع

وسبق أن أُعلن عن تنقية المناهج التعليمية الوطنية السورية من جميع الخطابات والروايات المعادية للأتراك التي كانت سائدة في السابق. ولا شك أن هذا يعكس مقاربة ودية من قبل الإدارة السورية الجديدة تجاه تركيا والأتراك. غير أن امتناع السوريين عن إثارة سياسات جمال باشا أو ممارسات ضباط جمعية الاتحاد والترقي في سوريا ولبنان، تفاديًا لإشعال فتنة جديدة مع الأتراك، ورغم كونه موقفًا نبيلاً وإيجابيًا، فإنه لا يغيّر من حقائق التاريخ.

فالحقيقة التاريخية هي أن خلق مسافات عاطفية ونفسية غير قابلة للتجسير بين العرب والأتراك كان مشروعًا اتحاديا–طورانيًا ذا طابع ماسوني، بدأ قبل الحرب العالمية الأولى بزمن طويل. ومن يعرف لمن تخدم المشاريع في نهاياتها، يدرك حقيقتها من نتائجها.

لقد أسهمت سياسات جمال باشا في سوريا – ولا سيما فرض اللغة التركية قسرًا، واعتماد مركزية صارمة، وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مثقفين وأعيان عرب استنادًا إلى معلومات استخباراتية خاطئة دون تمحيص – في تأجيج النزعة القومية العربية التي كانت تُشعل أصلًا، وبالأدوات ذاتها، كوسيلة لإيقاع الفتنة مع الأتراك.

وبذلك، فإن هذه الممارسات تتحمل النصيب الأكبر من المسؤولية عن نشوء القومية العربية بصيغتها العدائية، وعن أي اتهام بـ«الخيانة العربية». ومع ذلك، فإن العداء للعثمانيين وللأتراك لم يجد قاعدة شعبية واسعة كما يُتصور، بل إن دور الضباط العثمانيين في انهيار الدولة يفوق، من حيث التأثير، كل ما يُنسب إلى تلك «الخيانات».

كيف وصلنا إلى فكرة «الأراضي التي ليست منا»؟

سبق أن أشرنا إلى أن محاولات إحداث قطيعة وجدانية وهوياتية بين العرب والأتراك بدأت قبل سياسات جمال باشا بزمن طويل، بل قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى بسنوات. وربما يكون من الأدق فهم تلك السياسات باعتبارها حلقات متكاملة في مسار واحد، لفهم كيفية انهيار الدولة العثمانية.

وفي اللحظة التي بدأت فيها اكتشافات النفط، لم تكن الدولة العثمانية كيانًا منهارًا، بل دولة قائمة بمؤسساتها، وإن شابها الضعف. فكيف حدث التحول الذهني الذي جعلنا ننظر إلى تلك المناطق بوصفها «أراضي ليست منا»؟ ولماذا وقع هذا التحول في ذلك التوقيت تحديدًا؟ لماذا لم تُعتبر تلك الأراضي «غريبة» حين لم يكن فيها نفط، وحين لم تكن بريطانيا وفرنسا قد وضعتا أعينهما عليها، بل حين كانت إدارتها عبئًا أكثر من كونها مكسبًا؟ أليس في هذا التزامن ما يستدعي التفكير؟

«يجب ألا نترك تصفية الدولة العثمانية للأعداء»… ولكن لماذا؟

في مقالات سابقة، نقلتُ عن فالح رفقي آتاي بعض الشهادات حول النقاشات التي دارت بين الضباط العثمانيين بين عامي 1906 و1908. وفي إحدى تلك الشهادات، وردت إشارة إلى علي فؤاد جَبَسوي، الصديق المقرّب لمصطفى كمال، والذي رافقه في تلك النقاشات. وفي كتابه «زميلي في الصف أتاتورك: ذكريات المدرسة والشباب العسكري» (إنقلاب وآقا، 1967)، يروي بالتفصيل كيف تبلورت آنذاك فكرة «الانسحاب» إلى حدود تشبه ما عُرف لاحقًا بالميثاق الوطني:

«لقد أُلقيت كل أعباء دولة واسعة المساحة، نصف سكانها ليسوا من الأتراك، على كاهل العنصر التركي، في حين لم تكتفِ الأقليات المسيحية بخدمة مصالحها فحسب، بل سعت أيضًا إلى الاتحاد مع الدول المجاورة من نفس العرق. أما الأتراك والعرب الذين سيبقون، فسيُحوَّلون إلى مستعمرات لدول منفصلة، وستقف العناصر غير التركية إلى جانب الدول المعادية. فهل الأفضل أن نُسحق تحت أنقاض دولة منهارة، أم أن ننسحب إلى حدود قومية ذات أغلبية تركية ونحميها؟ أرى النجاة في الخيار الثاني».

ويخلص جبسوي إلى أن المقصود من كلام مصطفى كمال هو أن تصفية الدولة العثمانية يجب ألا تُترك للأعداء، بل ينبغي أن تتولاها سلطة دستورية قادمة بقرار شجاع. فهذا – في نظره – هو طريق الخلاص.

أما كيفية تنفيذ هذه «التصفية»، فيورد جبَسوي تصور مصطفى كمال على النحو التالي: تبقى تراقيا الشرقية والغربية ضمن الدولة، تُعدَّل حدود أدرنة لصالح بلغاريا، تُمنح أقاليم أخرى وفق مبدأ الأغلبية القومية في مؤتمر يُعقد بإسطنبول، تستقل ألبانيا، يُقسَّم البوسنة والهرسك بين صربيا والنمسا–المجر، تبقى الجزر القريبة من الأناضول ضمن الدولة التركية الجديدة، وتُعطى الجزر الأخرى لليونان، وتشمل الحدود الجنوبية هاتاي وحلب والموصل، بينما تُترك بقية المناطق للعرب، دون تغيير في الشرق والشرق الشمالي للأناضول، مع تبادل الأقليات.

قد يبدو هذا الاقتباس طويلًا، لكنه ضروري لإظهار الحدث التاريخي بكل وضوحه. فهل كان «الميثاق الوطني» استجابة اضطرارية، أم ثمرة خطة مدروسة مسبقًا لتصفية الدولة؟ وإذا كانت التصفية لا يجوز تركها للأعداء، فلماذا خيضت حروب دامية ضدهم، وسقط فيها مئات الآلاف من الأتراك؟

كيف نُعيد اليوم قراءة ما كان يُعد خيانة بالأمس؟

كان الضباط الذين ناقشوا تصفية الدولة العثمانية قبل الحرب بسنوات يدركون تمامًا تبعات ما يفعلون. ولم يكن هذا التفكير طبيعيًا آنذاك، كما لا هو طبيعي اليوم. ويواصل جَبَسوي نقله عن مصطفى كمال قائلًا:

«أعلم أن من لا يريدون رؤية المستقبل سيعدّون التنازل عن أراضي الإمبراطورية خيانة، لكن رغم ذلك يجب تحويل هذه الأفكار إلى برنامج يُدافع عنه بقوة».

فكيف نقيّم هذه التصورات اليوم، بمنطق الوطن والواجب والولاء للدولة؟ هل نحن مستعدون لأن ننظر في المرآة، وأن نواجه هيكلنا العظمي كما هو، بلا أقنعة؟

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!