ترك برس

تناول مقال للكاتب والإعلامي التركي عبد الله مراد أوغلو، خطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في منتدى دافوس 2026 بوصفه لحظة اعتراف نادرة من داخل النخبة الليبرالية الأممية بانهيار النظام الدولي «القائم على القواعد».

يجادل الكاتب في مقاله بصحيفة يني شفق بأن ما سُمّي بـ«تأثير ترامب» لم يكن سبب الانهيار، بل الأداة التي كشفت زيف نظام عاش طويلًا على الإنكار، وطبّق القانون الدولي انتقائيًا لمصلحة الأقوى، فيما كان الفلسطينيون ضحاياه الأوضح منذ عقود.

ويربط بين مفهوم «العيش داخل الكذبة» لدى فاتسلاف هافل وبين ممارسة الغرب المعاصر، ليخلص إلى أن النظام لم يمت فجأة، بل كان جثة مُحنّطة، ولم يفعل ترامب سوى وخزها علنًا، فتناثرت أوهامها أمام الجميع. وفيما يلي نص المقال:

ألقى رئيس الوزراء الكندي مارك كارني خطابًا في دافوس، على منصة النقاش العالمية للنظام الاقتصادي الدولي «المنتدى الاقتصادي العالمي»، ترك بصمته الواضحة على جدول الأعمال. وقال كارني إن النظام الدولي الليبرالي، الغربي المركز، القائم على القواعد، قد انهار بسبب ما يمكن تسميته «تأثير ترامب».

وتعبير «تأثير ترامب» هو من إضافتي؛ إذ إن كارني لم يذكر اسم ترامب صراحة في خطابه. غير أن حججه كانت تدور بوضوح حول الارتدادات التي أحدثتها مبادرات ترامب المتعلقة بكندا وغرينلاند.

أما الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل في غزة بدعم غربي، فقد كشفت منذ زمن أن «النظام القائم على القواعد» ليس سوى وهم، ومع ذلك لم يأتِ كارني على ذكر غزة، ولا فنزويلا، ولا غيرها من الهزات الارتدادية المتوقعة.

كارني ليس سياسيًا عاديًا. فهو، بهويته «الليبرالية الأممية»، أحد أبرز ممثلي النظام المالي العالمي؛ شغل مناصب عليا في بنك «غولدمان ساكس» لمدة 13 عامًا، كما تولّى رئاسة البنكين المركزيين في كل من بريطانيا وكندا.

وفي خطابه، استحضر كارني مقالة فاتسلاف هافل المعنونة «قوة الضعفاء»، التي كانت تُتداول سرًا في سبعينيات القرن الماضي. هافل، الذي انتُخب رئيسًا لتشيكوسلوفاكيا ثم لتشيكيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وصف بوصفه مثقفًا معارضًا حالة عجز المجتمع داخل النظام السوفييتي.

وقد قال إن الأفراد يتصرفون كما لو أن كل شيء يسير على ما يرام، وسمّى هذه الحالة «العيش داخل الكذبة». كارني بدوره وصف النظام الذي يمثله بأنه «عيش داخل الكذبة».

ودعا كارني القادة الغربيين، بوصفهم المستفيدين الأوائل من هذا النظام، إلى الاعتراف بأنهم جزء من «نظام كاذب». غير أن الضحايا الحقيقيين لهذا النظام كانوا، قبل غيرهم، الفلسطينيين؛ إذ لم يختبر الفلسطينيون زيف النظام الليبرالي القائم على القواعد والقانون الدولي خلال السنوات القليلة الماضية فحسب، بل عاشوا مرارته على مدى عقود طويلة.

وفي المقابل، دعمت دول غربية كبرى، من بينها كندا، الإبادة الإسرائيلية بكل أشكال الدعم. لكن ما إن وخز ترامب كندا أو غرينلاند، أو على نطاق أوسع أوروبا الغربية، بطرف عصاه، حتى انكشفت الحقائق فجأة. فاستفاق الليبراليون الغربيون كما لو أنهم أرانب سُلّطت عليها الأضواء الكاشفة. وبمعنى ما، كان ترامب مرآةً عكست صورة الغرب لنفسه. غير أن مرآة ترامب لم تكن مرآةً هزلية تشوّه الصور، بل كانت مرآةً صريحة قاسية.

قال كارني إنهم كانوا يعلمون أن القواعد الليبرالية تُطبّق لمصلحة الأقوى، وأن القانون الدولي يُفسَّر بحسب هوية الضحية والجلاد. وأضاف أن القادة الغربيين شاركوا في هذا العرض الزائف وطقوسه، وأنهم «تجاهلوا إلى حد كبير الفجوة بين الخطاب والواقع». أي إن كارني أقرّ بأن النظام الدولي مسرحية تُعرَض أمام أمم العالم.

أما ترامب، فقد تصرّف كموظف في قاعة سينما يلوّح بمصباح يدوي ليري المشاهدين أماكن جلوسهم. فهو ليس مدمّر النظام الليبرالي القائم على القواعد، بل كاشف انهياره على نحو فظ.

لقد كشط، بالمجرفة لا بالإبرة، طبقات الخطاب المزخرف الذي طالما أخفى حقيقة نظام عمل دومًا ضد الدول الضعيفة خارج الغرب. وبمواجهة اللاعبين بما كانوا يعرفونه ولا يقولونه، كأنه يصرخ في وجوههم: «هذه إمبراطورية، وإمبراطوركم هو أنا».

كان النظام الدولي، في ظاهره حيًا، وفي حقيقته جثةً محشوّة بالقش. وقد أقنع كهّانه العالم بأن هذه الجثة حيّة، وأن أعضاءها تؤدي وظائفها على أكمل وجه. وربط كهّان اللعبة استفادة المشاركين فيها بالتزامهم «شروطها». وكان الشرط الأول في تلك الشروط هو عدم كشف أن ما يجري ليس سوى لعبة؛ أي إن «إنكار اللعبة» كان القاعدة الأولى.

وحين قال كارني: «قوة النظام لا تأتي من كونه حقيقيًا، بل من استعداد الجميع للتعامل معه كما لو كان حقيقيًا، وهشاشته تنبع من المصدر ذاته»، كان يعلن أن الإنكار لم يعد مجديًا. أما ترامب، فقد وخز الجثة، فتفككت وخلّفت وراءها سحابة كثيفة من الغبار، لتنكشف زيفها بالكامل.

وأعلن كارني أن النظام القديم، الذي سقط شعره المستعار، وسالت ألوان وجهه، وتناثرت زينته، لن يعود. وباختصار، كان يقول: «نحن على أفق المساء الأخير، وقد فات الأوان كثيرًا». وبعبارة أخرى، كان يعلن وفاة النظام الدولي.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!