
ترك برس
سلط الكاتب والصحفي التركي كمال أوزتورك، الضوء على الحال الذي تعيشه سوريا خلال السنوات الأخيرة، من فقر وجوع وضياع الاستقرار بسبب ممارسات النظام المخلوع وحسابات الخارج.
وقال أوزتورك: أتجول في المدن التي أنهكتها سنوات الدكتاتورية والحرب الأهلية في سوريا. عندما رأيت التركمان في الراعي، والأكراد في الشيخ مقصود، والعرب في الرقة، قلت في نفسي: لم يبقَ شعب في سوريا لم ينل نصيبه من الألم.
وأضاف في مقال له على "الجزيرة نت": الفقر، العوز، الدمار، البؤس… هذا أول ما تقع عليه العين في كل مدينة. كل من تحدثت إليهم من التركمان والأكراد والعرب قصوا عليّ آلامهم، وفقدان أحبتهم، والصدمات التي عاشوها. لم أستطع أن أقرر: أي ألم أعمق؟ وأي مصيبة أشد؟ وأي حكاية أكثر حزنا؟
سوريا ممتلئة بالبشر الذين يحملون قصص الألم على ظهورهم. وفيما يلي تتمة المقال:
مررت بأماكن سالت فيها مياه سامة فرقت بين القوميات، والأديان، والهويات، وجعلتها أعداء لبعضها. كان الفرات، بدلا من أن يروي الأرض السوداء، قد صار خط فصل وانقسام. الجسور التي كانت تصل المدن والطرق والناس ببعضهم فجرت في الهواء.
أراضٍ ممزقة، وجغرافيات مقسمة، وأقارب أشيع العداء بينهم، وإخوة متخاصمون، وتربة حمراء سقيت بالدم.
كل هذا المشهد المؤلم هو نتاج دكتاتورية الأقلية، والأيديولوجيات العمياء، والجشع الإمبريالي، والجهل، والفقر. رسموا هذه اللوحة معا بالدم.
لا تفارق مخيلتي صور الأطفال الذين يمشون في المطر البارد بأقدامهم في نعال خفيفة. أطفال الشيخ مقصود في الأزقة الطينية، وأطفال الرقة قرب الجسر المدمر، وأطفال منبج في الطرق الترابية المليئة بالحفر؛ كانوا جميعا متشابهين: أقدامهم عارية ونعالهم بالية.
فهمت أن سوريا مليئة بالأطفال الذين كبرتهم الآلام.
والآن، هاتوا وفسروا لهذا الطفل الكردي، أيديولوجيا "المجتمع الديمقراطي الاشتراكي"، وفسروا للطفل العربي، نظرية "الخلافة" لدى "تنظيم الدولة"، أو أيديولوجيا البعث، وفسروا للطفل النصيري، نظرية "الهلال الشيعي"؛ ترى بماذا سيجيبكم؟
حاولوا أيضا أن تشرحوا ذلك لأبيه داخل ثيابه الممزقة من شدة الفقر… لن ينجح الأمر، أليس كذلك؟ الطفل الحافي لا يحتاج إلى دعاية أيديولوجية، بل إلى زوج من الأحذية، وإلى معطف، وإلى صحن حساء دافئ.
لكنهم، للأسف، ظلوا يفرضون عليهم أيديولوجيات لا يفهمونها. أولئك الأطفال وقعوا في شراك تلك التنظيمات؛ لأنهم كانوا جياعا، لا لأنهم آمنوا بالأفكار.
سوريا هي بئر لا قرار لها من الأيديولوجيات العمياء- هناك سُنة ونصيريون، وأكراد وعرب، ودروز- كم من شاب ضاع في تلك البئر!
كل روح رحلت تركت وراءها قلب أم محترقا، وكبد أب متفحما، لكن لا أحد يعرف حكاياتهم. في تلك البئر السحيقة ستنحدر كل الحروب، وكل النزاعات، وكل الآلام بصمت إلى ظلمة الذاكرة، ثم تنسى.
وخلاصة الأمر، سألت السؤال الذي يرش الملح على كل الجراح، هناك في الرقة، عند أسفل مبنى قصفته الطائرات الأمريكية: "حسنا، من الذي انتصر في النهاية؟".
أظنني أتجول في أرض يتبدل فيها الخاسر باستمرار، لكن لا وجود فيها لرابح. في الرقة، عام 2014، أعلن "تنظيم الدولة" انتصاره وهو يهتف بشعارات النصر. وعندما انهالت عليه قنابل طائرات التحالف، أدرك أنه الخاسر.
ثم سيطرت العشائر العربية على المدينة، وبعد ذلك جاء الأمريكيون وانتزعوا المدينة من أيديهم وسلموها إلى "وحدات حماية الشعب/قوات سوريا الديمقراطية" (YPG/SDG)، فاندلع نزاع جديد.
ثم إن "وحدات حماية الشعب/قوات سوريا الديمقراطية" التي نصبت التماثيل وباعت الأنفاق في مدينة تهيمن عليها العشائر البدوية، ما لبثت أن جمعت أمتعتها واتجهت نحو الحسكة مع دخول الجيش السوري إلى المدينة؛ أي إنني، باختصار، مررت في سوريا بمدن يتصاعد منها الدخان، شهدت حروبا وصراعات خاسرها معروف، لكن لا رابح فيها.
لكل هوية إثنية في سوريا جاليتها في الخارج، وأظن أن هؤلاء لم يروا أبدا البؤس والعوز الذي رأيته في الشوارع. لذلك كانوا يجلسون في غرفهم الدافئة والمريحة، ويوزعون النصائح على الطفل ذي النعل البالي في الشيخ مقصود قائلين: "يجب أن نقاوم من أجل روجافا".
ينبغي أن نأتي، ولو ليوم واحد، بأولئك الذين يؤججون الصراع الداخلي في سوريا وهم جالسون في تركيا أو أوروبا أو الخليج. لو جعلناهم يتجولون ساعة واحدة فقط في الأزقة الباردة للمدن، لقالوا جميعا، وأنا واثق: كفى قتالا، تصالحوا… على الأقل سيقول هذا من لم تسلّم ضمائرهم نفسها للأيديولوجيات العمياء والجهل.
من يقول لهؤلاء الناس الذين قتل بعضهم بعضا طوال أربعة عشر عاما: "المقاومة، الحرب، القتال، الانقسام، الحكم الذاتي، الاستقلال"، فليعلم أنه ليس صديقهم بل عدوهم. وهؤلاء الذين يطلقون مثل هذه الشعارات سيقطعون دعمهم عند تغير الظروف، كما فعلوا في الرقة، وسيتركونهم وحدهم في برد هذا الشتاء.
عندما دخلت سد تشرين بعد الاشتباكات، رأيت على جدرانه شعارات كثيرة بالكردية. كان أحدها يقول: "لا أستبدل صديق يوم أسود بمئة صديق يوم أبيض".
الأكراد يلومون أمريكا، لكن الأجدر أن يلوموا أنفسهم؛ فصديق الأكراد ليس الولايات المتحدة، كما أن صديق الدروز ليس إسرائيل.
هكذا كان الأمر في التاريخ أيضا؛ لم يكن الروس ولا البريطانيون ولا الفرنسيون يوما أصدقاء لأهل هذه الجغرافيا. كانت لهم مصالح، لكن لم تكن لهم حكاية مشتركة. كانوا يجلسون بعيدا، وعندما يضيق بهم الحال، يركبون طائراتهم ويعودون إلى بيوتهم الآمنة، كما فعلوا في أفغانستان حين غادروا من قاعدة باغرام.
وأثناء مروري بسد تشرين، كان الروس أيضا قد أخلوا آخر قواعدهم العسكرية في القامشلي، وصعدوا إلى طائراتهم العسكرية من طراز "إليوشن" وغادروا.
والآن، بقي العرب والتركمان والأكراد وحدهم، وجها لوجه، في الحسكة من جديد.
لذلك، بدل أن يكتب أهل سوريا تلك العبارة المؤلمة على جدران السد، كان عليهم أن يختاروا صديق يومهم الأسود بعناية.
صديق الأكراد في يومهم الأسود هم الأتراك، وصديق العرب في يومهم الأسود هم الأكراد والتركمان… باختصار، على من يعيشون في سوريا أن يكونوا أصدقاء بعضهم في الأيام السوداء.
وفي الختام، دعوني أكرر السؤال الذي طرحته في بداية المقال: من الذي انتصر في سوريا؟
لقد خمنتم الجواب خطأ. المنتصر في سوريا هو كل من اختار التفاوض، والتصالح، والتفاهم، وقرر أن يكون صديق يوم أسود لغيره.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










