ترك برس

قدم مقال للكاتب والإعلامي التركي إحسان أقطاش، نقدًا تحليليًا عميقًا لنهج حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية، في قراءة القضايا السياسية، ولا سيما السياسة الخارجية والملف السوري، من منظور ديني وأيديولوجي رغم ادعائه العلمانية.

يركز الكاتب على كيفية توظيف الحزب للخطاب الديني تاريخيًا في مقاربة الدولة العثمانية، والحركات السياسية المحافظة، والحكومات المتعاقبة، وصولًا إلى موقفه من التطورات في سوريا. كما يستعرض جذور هذا النهج في الذاكرة السياسية التركية.

ويجادل بأن حزب الشعب الجمهوري ظل، عبر العقود، أسير هواجس الهوية والدين، ما جعله يعجز عن التعامل مع الدولة بوصفها كيانًا سياسيًا عقلانيًا، ويقدّم قراءة إقصائية تتناقض مع الواقع الاجتماعي والتاريخي لتركيا. وفيما يلي نص المقال الذي نشرته صحيفة يني شفق:

في مستهل هذا المقال، أود أن أوضح منذ البداية أنني لا أناقش قضايا الأفراد المتعلقة بالدين والإيمان. فشعب هذا البلد مسلم في جذوره. وتُفرض على كل جماعة أيديولوجيات وافدة من الخارج؛ قد تطفو هذه القشور أحيانًا ثم تزول، فيما يبقى الجذر راسخًا. وعليه، فإننا في هذا المقال لا نصوغ أحكامًا أو عبارات عبر أفراد ينتمون إلى حزب الشعب الجمهوري.

تُبنى السياسة الخارجية لأي دولة على أسس عقلانية. أما في السياسة الداخلية، وبحكم التنافس السياسي، فلا بد من وجود تناقضات وصراعات؛ غير أن السياسة الخارجية تُدار من أجل مصالح جميع مواطني الدولة. وبالطبع، قد تظهر تباينات دقيقة في هذا المجال، وهو ما ينعكس في اختلاف مقاربات الأحزاب للسياسة الخارجية.

إن تفضيل رئيس حزب الشعب الجمهوري، أوزغور أوزال، استخدام تعبير «هيئة تحرير الشام ذات التوجه الشرعي» —وهو المصطلح الذي يستخدمه تنظيم واي بي جي/بي كا كا— بدلًا من عبارة «الدولة السورية» عند تقييمه لما يجري في سوريا، يوحي بأنه ينظر إلى القضايا من زاوية دينية. وقد عزز هذا الموقف لديّ مرة أخرى القناعة بأن حزب الشعب الجمهوري، منذ تأسيسه وحتى اليوم، يقرأ القضايا عبر منظار ديني.

لقد رفض تنظيم بي واي دي، بوصفه تنظيمًا إرهابيًا، الاعتراف بالدولة السورية الجديدة لفترة طويلة. ومع ذلك، يبدو أن «تنظيم قسد/واي بي جي»، وبعد إبرامه اتفاقين، قد أنجز حتى اليوم تسويةً مع الدولة السورية. وفي لحظةٍ يعترف فيها حتى تنظيم إرهابي بسوريا بوصفها دولة، فإن استمرار حزب الشعب الجمهوري في استخدام خطاب من قبيل «هيئة تحرير الشام ذات التوجه الشرعي» و«هيئة تحرير الشام الداعشية» يثير الكثير من التساؤلات.

إن تاريخ حزب الشعب الجمهوري جزء مهم من تاريخ تركيا. وإذا ما قيّمنا السياسة من خلال تاريخنا، فإن هذه الأمة خاضت حرب الاستقلال ضد الإمبرياليين، ولا سيما ضد اليونان. وفي اجتماع أُقيم إحياءً لذكرى اليوم الذي أُلقي فيه اليونانيون في البحر في إزمير، كان من المنتظر أن تُتلى اللعنات على فينيزيلوس، غير أن الاكتفاء من قبل رئيس بلدية ينتمي إلى حزب الشعب الجمهوري بوصف السلطان العثماني بـ«الخائن» كان أمرًا لافتًا.

بعد انتهاء حرب الاستقلال، جرى خلق انطباع وكأن الحرب قد كُسبت ضد الدولة العثمانية. والحال أن ممثلي الدولة العثمانية انسحبوا بهدوء ومن دون ضجيج. ولم تقع في البلاد ثورة بالمعنى الحقيقي؛ بل قامت حكومة أنقرة مقام حكومة إسطنبول. لقد استمرت الدولة ولم تنقطع.

ولن أناقش قراءة حزب الشعب الجمهوري للقضايا من منظور ديني عبر عناوين مثل إغلاق المساجد، وحظر الأذان، وسجن من يقرأون القرآن.

في كتب المدارس، كانت هناك صورة تُستخدم لوصف «القديم» و«الجديد»: ففي الصورة التي تمثل القديم، يظهر رجل بدين، ملتحٍ، قبيح الملامح، وإلى جانبه امرأة أكثر بدانة ترتدي السواد الكامل. أما الصورة التي ترمز إلى الجديد، فكانت تُجسد بامرأة سافرة، أنيقة بزي تنورة وبدلة، أشبه بعارضة أزياء خرجت لتوّها من منصة عرض، كما اعتدنا أن نراها في الأفلام الأمريكية.

ولم تقتصر قراءة حزب الشعب الجمهوري للحياة من خلال الدين على العداء للدولة العثمانية. فبينما جرى ربط العثمانيين بالشريعة، لم يُقدم توصيف لدولة أسست واحدة من أعظم الإمبراطوريات في العالم وحولتها إلى حضارة، بل جرى تصوير تلك الإمبراطورية العظيمة، استنادًا إلى إيحاءات بريطانية، كما لو كانت توصيفًا لتنظيم داعش في يومنا هذا.

وعندما وصل عدنان مندريس إلى السلطة، لم يتغير هذا النهج. فالمرحوم مندريس، الذي سعى إلى توسيع القميص الضيق المفروض على تركيا، وأعاد الأذان المحمدي إلى صيغته الأصلية، دفع ثمن انتزاع البلاد من قبضة النظام المؤسسي لحزب الشعب الجمهوري بحياته.

وبعد انقلاب 12 أيلول/سبتمبر، وعندما وصل تورغوت أوزال إلى الحكم، كان فكر حزب الشعب الجمهوري في حالة تشتت، غير أن وسائل الإعلام، والقوى النافذة، والمحافل الخارجية ظلت في قبضته. وُصف أوزال حينها بـ«صاحب القبقاب»، فيما عرّفه الشعب بأنه «رئيس الجمهورية الذي يصلي». وقد عكست جنازة الرئيس تورغوت أوزال بوضوح اتجاه موقف هذا الشعب.

ومع بدء صعود حزب الرفاه، جرى فجأة —ولا يُعرف من أين— إنتاج فزاعة «الشريعة» و«السعودية». وهنا أيضًا تشكل أسلوب العمل السياسي لدى ذهنية حزب الشعب الجمهوري عبر الدين. إن هوس حزب الشعب الجمهوري بالحداثة يشبه إلى حد كبير هوس تنظيم بي كا كا بالحداثة. فالتنظيم بدوره يقول: «نحن بنية علمانية، معادون للدين، والعنصر النسائي لدينا في غاية الأهمية؛ ولذلك يجب على الغرب أن يكون إلى جانبنا، لأن في مواجهتنا داعش والشريعة».

وأثناء انشغال أستاذنا الراحل نجم الدين أربكان، أحد أعظم عباقرة الهندسة والرياضيات العقلانية في العالم، بالتخطيط لإنشاء مصانع للصناعات الثقيلة في جميع مدن تركيا —وهي المرحلة التي وُضعت فيها أسس صناعتنا الحالية التي نمت اليوم أضعافًا مضاعفة— استهدفت وسائل الإعلام التي تشكل حزب الشعب الجمهوري، بالتعاون مع الولايات المتحدة والجنرالات الانقلابيين في 28 شباط/فبراير الخاضعين لنفوذ الحزب، أبناء الفقراء، والشباب المحجبات، ومئات المؤسسات التي كانت تربي أفرادًا نافعين للبلاد، فسدّوا الطريق أمام المسلمين الحقيقيين في هذا البلد، ومهّدوا الأرضية لظهور بنى شبيهة بتنظيم «غولن» الإرهابي. وفي هذا السياق، التقت أهداف جنرالات غولن مع جنرالات 28 شباط في الخندق ذاته.

وعندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، استمرت حالة قراءة شؤون البلاد من خلال الدين. فعلى الرغم من الخطوات العقلانية التي اتخذها، والاستثمارات التي أنجزها، وسعيه إلى ترسيخ الديمقراطية؛ ورغم كونه الحزب الذي ديمقراطَنَ الجمهورية، واصل حزب الشعب الجمهوري قراءة هذا الحزب، الذي حصل على 50 في المئة من الأصوات، من زاوية دينية.

في عام 2012، كنت أتبادل أطراف الحديث مع مجموعة من الأشخاص على متن عبّارة في بحر إيجه. سألتهم عن حزب العدالة والتنمية، فقالوا: «يا بني، الحكومة تقوم بأعمال رائعة، لكننا لا نريد ارتداء العباءة السوداء». قلت لهم: «يا أختي، الحكومة تتجه للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي». حتى من لم يصوت، سواء كان يمينيًا أو يساريًا، كان يقول: «والله أحسنتم، السيد أردوغان يقوم بأعمال جيدة». فمن أين خرجت إذن مسألة العباءة السوداء؟

قالوا: «يا بني، لقد تربينا على هذا الخوف، ونربي أبناءنا بالوعي نفسه».

إن قيام الحزب الثاني في تركيا بقراءة التطورات العالمية، والسياسة الخارجية، ومسألة سوريا من خلال الدين، ليس أمرًا جديدًا على حزب الشعب الجمهوري.

وفي هذا السياق، يصبح حزب الشعب الجمهوري الحزب الأكثر توظيفًا للدين في تركيا

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!