
ترك برس
تناول مقال للإعلامي والكاتب التركي توران قشلاقجي، فضيحة إبستين بوصفها لحظة كاشفة لانهيار أخلاقي أعمق في النظام العالمي المعاصر، حيث لا تُقرأ الجريمة كحادثة فردية بل كمرآة لبنية سلطة تُدار عبر الابتزاز والشهوة وتفكيك القيم.
يربط الكاتب في مقاله تحت عنوان "نحن نحارب الشياطين والوحوش"، بين هذه الفضيحة ومسار طويل من تعرية النخب والمؤسسات، ليؤكد أن ما يجري هو أزمة حضارية شاملة تمس معنى الإنسان ذاته، في عالم فقد بوصلته الروحية والأخلاقية.
وفي المقابل، يطرح قشلاقجي فكرة أن كشف الحقيقة وتفعيل القانون والعودة إلى منظومة قيم راسخة هو الطريق الوحيد لمقاومة هذا الانحطاط وإنقاذ الإنسان من السقوط الكامل. وفيما يلي نص المقال الذي نشرته صحيفة القدس العربي:
قدّم القرن الحادي والعشرون نفسه بحكايات «التقدّم» و»الحرية» و»التنوير»، لكن خلف الستار كان يُكتب أحد أحلك صفحات تاريخ الإنسانية. وتمثل ملفات إبستين اللحظة التي تمزّق فيها ذلك الستار. فهي ليست مجرد فضيحة؛ بل وثيقة اعتراف تفضح روح هذا العصر.. إنها ليست جريمة فردية لبضعة منحرفين، بل مرآة لنظام عالمي فقد بوصلته الأخلاقية.
من ويكيليكس إلى إبستين، يمتدّ خطّ واحد يبيّن لنا بوضوح، أن العالم لا يُدار بالفضيلة، بل بالضعف. السلطة لم تعد تُنتج الأخلاق؛ بل تُنظّم اللاأخلاق. السلطة تمسك الإنسان من أضعف مواضعه ـ من شهوته وخوفه وحيائه ـ وهكذا لا يُؤسَر الأفراد فحسب، بل تُؤسَر المجتمعات.
حين يُفعَّل القانون حقاً، ويكفّ عن كونه زينة خطابية، يستطيع أن يُجبر حتى من يبدون فوق المساءلة على تقديم دفاعاتهم
قضية إبستين كشفت قبل أي أيديولوجيا، أو هوية، تسييس الانهيار الأخلاقي. ففي وضعه الطبيعي، حين يكون الإنسان ما يزال موصولاً بالضمير وبالعائلة وبالمقدّسات، لا يمكن لمثل هذه الشبكات أن تتجذّر. إن صعود هذه الكيانات لا يصبح ممكناً إلا عندما تتعرّض النخب والمجتمعات لانحلال طويل الأمد. والملفات تؤكّد ذلك بالضبط. تعود اليوم لتدوّي عبارة الشاعر الفرنسي بودلير الشهيرة: «أعظم حيلة للشيطان هي أن يقنعنا بأنه غير موجود». مرّت قرون، لكن هذه الحقيقة لم تختف. فالشيطان ما يزال يعمل بالطريقة الأقدم: بالإغواء، وبالتخويف، وبالسخرية. يضحك مع من يستهزئون بالإيمان، وينصب الفِخاخ لمن يتمسّكون بالحقيقة.
ما نمرّ به اليوم ليس أزمة تقليدية. وليس «عاصفة جيوسياسية» عابرة. نحن داخل تغيّر مناخي دائم تتزامن فيه الهزّات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والسياسية. القيم تنهار، والمؤسسات تتفكّك، والثقة تتبخّر، لم يكن الإنسان يوماً بهذا القدر من التعرّي، وبهذا القدر من الهشاشة. في السابق كانت للنظام القائم ممتصّات صدمات غير مرئية: القانون، والدبلوماسية، والمؤسسات، والاعتماد المتبادل، اليوم تلك الممتصّات معطّلة.
كل صدمة تضرب الجسد مباشرة. التقلبات الاقتصادية تتحوّل إلى دمار دائم، والتقدّم التكنولوجي إلى تهديد وجودي، والتوترات الجيوسياسية إلى احتمال صراع شامل. لم يعد بيننا وبين الضربات أيّ حاجز مُلطّف. هنا يصبح السؤال بسيطاً لكنه حارق: ماذا ستفعل أنت إزاء هذا الانكشاف الأخلاقي الهائل؟ هل ستقف متفرّجاً على اختطاف الأطفال الصغار والاعتداء عليهم وقتلهم؟ أم ستنهض كي لا تسمح لهذا النظام المتعفّن أن يلوّثك أنت أيضاً؟
أولئك الذين استصغروا كل التحذيرات لسنواتٍ طويلة بحجّة «نظرية المؤامرة»، ترتسم اليوم على وجوههم ابتسامة مُرّة، لأن الحقيقة باتت عارية إلى حدّ لا يمكن إنكاره. جزيرة، شبكة، ملفّ.. كلّها كشفت كيف يتم تأسيس أحلك رغبات الإنسان وأقذر صفقاته. هذا ليس نتاج انحرافات فردية، بل ثمرة أفكار تريد أن تفصل الإنسان عن المقدّس، وتختزله في كائن لا ينتج سوى اللذّة. المسألة مرعبة لأنها تتجاوز الخيال. لكن لهذا السبب بالذات لا يجوز الاستهانة بها. هذه الوقائع يجب أن تُدان لا بوصفها جرائم فقط، بل بوصفها منظومة فكرية تستهدف الأخلاق نفسها.
لا بدّ من مواجهة علنية وقاسية لكل فكرة تنزع عن الإنسان إنسانيته. وربما كان أكثر ما يلفت النظر في فضيحة إبستين هو أنه رغم كل تلك القوة وكل ذلك الظلام، تم التمكن من كشفها. ما يعني أنّ ثمّة أملاً ما يزال قائماً. وأن المساءلة ما تزال ممكنة. فحين يُفعَّل القانون حقاً، ويكفّ عن كونه زينة خطابية، يستطيع أن يُجبر حتى من يبدون فوق المساءلة على تقديم دفاعهم.
وخلاصة القول؛ نحن نحارب الشياطين والوحوش. وهذه الحرب لا تُخاض بالسلاح ولا بالمال، بل بالأخلاق وبأنطولوجيا قوية. الاختباء ليس حلاً. هذه العاصفة لن تمرّ، لذلك نحن بحاجة لا إلى ملاجئ، بل إلى معماريات صلبة: قيم راسخة، وإيمان صادق، وأسرة قوية، وضمير حيّ. كلّما قرأتُ ملفات إبستين ترسّخ لديّ هذا اليقين: أقوى طريق للانتقام من الشيطان، بعد فضح الظلام، هو رواية الحقيقة. والحقيقة هي الطريق الذي يعيد الإنسان إلى الله. والقرآن الكريم يحدّثنا عن ذلك منذ قرون، فيا أيها الإنسان! أفلا تعتبر؟ أفلا تعقل؟
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











