
ترك برس
في ظل تسجيل أدنى معدلات هطول منذ أكثر من خمسة عقود، تواجه تركيا تحديا مائيا متصاعدا يضعها على أعتاب مرحلة الإجهاد المائي، مدفوعا بتغيرات مناخية متسارعة وتزايد الطلب على الموارد وتراكم عجز مطري لسنوات متتالية. هذه المؤشرات تفتح باب التساؤل حول الأسباب العميقة للأزمة، ومدى قدرة السياسات الحالية على التكيف مع واقع مناخي جديد أكثر جفافا وتقلبا.
وسجلت تركيا العام الماضي أدنى معدل لهطول الأمطار منذ أكثر من خمسة عقود، في ظل تراجع لافت شمل مختلف مناطق البلاد دون استثناء.
ووفقا لبيانات هيئة الأرصاد الجوية التركية، بلغ معدل الهطول في "سنة المياه 2025" نحو 422.5 ملم، منخفضا بنسبة 26.3% عن المعدل السنوي العام للفترة بين 1991 و2020، وبنحو 29% مقارنة بعام 2024.
وتظهر الأرقام الرسمية أن الجنوب الشرقي كان الأكثر تضررا، بانخفاض تجاوز 53% عن معدلاته الطبيعية، في حين لم يتجاوز الهطول 250 ميليمترا في أجزاء واسعة من وسط الأناضول والمناطق الجنوبية الشرقية.
ورغم تسجيل بعض الزيادات الموضعية على سواحل البحر الأسود، إلا أن الصورة العامة عكست عجزا مطريا حادا على مستوى البلاد، هو الأشد منذ 52 عاما، بحسب تقرير لـ "الجزيرة نت".
أزمة السدود
وسجلت السدود بتركيا في عام 2025 تراجعا حادا في معدلات الامتلاء، بالتوازي مع انخفاض الأمطار، مما أثر مباشرة على المدن الكبرى والمناطق الزراعية.
ففي إسطنبول هبط متوسط امتلاء سدود المياه إلى نحو 24.7% منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي، قبل أن يتراجع إلى 18.5% بنهاية العام، بحسب بيانات إدارة مياه إسطنبول، وهي النسبة الأدنى منذ سنوات، وتقترب من عتبة الإنذار المائي للمدينة.
وفي أنقرة أظهرت بيانات إدارة مياه العاصمة انخفاض مخزون السدود إلى نحو 15% مع أواخر العام، وسط تحذيرات من احتمالات تقنين المياه إذا لم تتحسن معدلات الهطول.
وعلى المستوى الوطني أفادت المديرية العامة للأشغال المائية بأن متوسط نسبة امتلاء السدود في عموم البلاد انخفض إلى أقل من 35% بحلول نهاية 2025. وسجلت نسب تعبئة دون 20% في عدد من السدود بمناطق مرمرة وإيجة، بينما انخفضت غالبية سدود وسط الأناضول إلى ما دون 15% من طاقتها التخزينية.
وبلغت بعض الخزانات مستويات حرجة، مثل سد طهطالي في ولاية إزمير، الذي انخفض منسوب المياه فيه إلى 4.8% فقط من سعته، وهو ما دفع بلديات مثل بورصة إلى إعلان خطط طوارئ شملت تطبيق جداول تقنين دورية للمياه مع اقتراب بعض الخزانات من النفاد.
جفاف ممتد
وأظهرت بيانات مؤشر الهطول القياسي الصادرة عن هيئة الأرصاد الجوية التركية اتساع رقعة الجفاف في البلاد على مدى عامين متتاليين. ووفق خريطة المؤشر لفترة 12 شهرا، المصنفة حتى أغسطس/آب 2025، صنفت نحو 70% من مساحة تركيا ضمن نطاق "الجفاف الشديد" أو "الاستثنائي".
أما خريطة الـ 24 شهرا، التي تغطي عامي 2024 و2025، فأظهرت استمرار الجفاف على المدى الطويل، مع تراكم واضح في العجز المطري، انعكس على انخفاض رطوبة التربة وتراجع المياه الجوفية في مناطق واسعة.
ويظهر المؤشر قيما سالبة مرتفعة (أقل من -2) في عدد من الأقاليم، وهو ما يصنف دوليا ضمن حالات الجفاف الشديد. وتعكس هذه النتائج مؤشرات مناخية متراكمة، تؤكد أن نقص الأمطار في تركيا في العامين الأخيرين تجاوز حدود الظاهرة المؤقتة، مسجلا حالة جفاف ممتد غير مسبوقة في بعض المناطق.
استجابة حكومية
وكثفت الحكومة التركية جهودها للتعامل مع تداعيات الجفاف، عبر إطلاق حزمة واسعة من المشاريع المائية والبنى التحتية وتحديث السياسات ذات الصلة.
وخصصت وزارة الزراعة والغابات ميزانية قدرها 147 مليار ليرة تركية (نحو 3.4 مليار دولار أمريكي) لتنفيذ 321 مشروعا مائيا في عموم البلاد، شملت إنشاء 22 سدا جديدا، و7 بحيرات تجميع، و3 سدود جوفية، إضافة إلى 70 منشأة ري لتعزيز كفاءة توزيع المياه، وفق بيانات المديرية العامة للأشغال المائية.
كما جرى تشغيل عدد من محطات مياه الشرب ومعالجة الصرف الصحي، وتنفيذ 193 مرفقا لمكافحة الفيضانات في مناطق متفرقة.
وعلى مستوى التخطيط، أطلقت الحكومة "الخطة الوطنية للمياه 2023–2033″، التي تضمنت برامج لحماية البحيرات المتقلصة مثل بحيرة مرمرة، ومبادرات لوقف تدهور المياه الجوفية.
وفي مواجهة النقص المزمن، أعلنت السلطات البدء بإنشاء محطات لتحلية مياه البحر في مناطق غرب الأناضول وسواحل المتوسط، بالتوازي مع توسيع استخدام مياه الصرف المعالجة في الري والصناعة.
وفي القطاع الزراعي تعمل الوزارة على تحديث نظم الري وتقليل الهدر، بدعم تمويلي دولي من البنك الدولي بلغ نحو 757 مليون يورو (نحو 17.3 مليون دولار).
إدارة مناخية
في السياق، قال مصطفى شاشماز، أستاذ المناخ في جامعة البحر الأسود، إن تركيا تملك اليوم بنية مؤسسية متعددة المستويات للتعامل مع تغير المناخ وأزمة المياه، تتصدرها وزارة البيئة والتخطيط العمراني والتغير المناخي، التي تتولى تنسيق سياسات المناخ وطنيا، إلى جانب وزارة الزراعة والغابات المسؤولة عن إدارة الموارد المائية عبر مؤسسات متخصصة، وفي مقدمتها إدارة المياه وهيئة الأشغال الهيدروليكية.
وأضاف شاشماز للجزيرة نت أن إقرار قانون المناخ عام 2025 شكل نقلة قانونية مهمة، إذ ألزم المؤسسات العامة بإعداد خطط للتكيف وخفض الانبعاثات، وفرض إعداد خطط عمل مناخية على مستوى المحافظات، مما يعزز اللامركزية في إدارة المخاطر المناخية.
وفي ملف المياه، أشار الباحث إلى إطلاق حملة وطنية لكفاءة المياه وخطة تمتد حتى 2033، تستهدف خفض فاقد الشبكات في المدن إلى 25%، وتوسيع أنظمة الري الحديثة في الزراعة التي تستهلك نحو ثلاثة أرباع الموارد المائية.
كما يجري تنفيذ مشاريع لتحديث شبكات الري، وتطوير أنظمة إنذار مبكر للفيضانات، وتعزيز برامج مكافحة الجفاف والتصحر.
غير أن هذه البنية بحسب شاشماز لا تخلو من تحديات، فضعف التنسيق بين الجهات المعنية، وتأخر إقرار قانون شامل للمياه، ومحدودية التمويل مقارنة بحجم المخاطر، لا تزال عوامل تقيد فعالية التنفيذ.
كما أن التركيز التاريخي على الحلول الهندسية، مثل بناء السدود، لا يترافق دائما مع إدارة صارمة للطلب وترشيد الاستهلاك، فيما يظل إشراك المزارعين والسكان المحليين في صنع القرار بحاجة إلى تعزيز أكبر.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











