
أرطغرل جينغيل - خبر7 - ترجمة وتحرير ترك برس
مرّ مئة يوم بالكامل على توقيع اتفاق "مجلس السلام في غزة" الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من دافوس في شهر كانون الثاني/يناير.
وفي هذا الحدث الاستعراضي الذي قدّمه ترامب قائلاً: "نحن في أكبر وأهم مجلس تم تأسيسه"، وقّعت 59 دولة من أجل "السلام" في غزة.
كما مرّ القرار المزعوم لمجلس السلام، الذي يتضمن آليات مختلفة لأمن غزة وإعادة إعمارها، عبر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
لكن، وعلى الرغم من كل التوقعات التي صُنعت والوعود التي أُطلقت، بقي كل شيء حبراً على ورق، فيما لم تتوقف الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة، حتى وإن تراجعت حدتها.
المجازر المستمرة تحت ظل "السلام"
تستمر ظروف الحياة القاسية بأشد صورها في غزة، حيث لا تزال الانتهاكات والقتل متواصلين.
ومنذ الإعلان عن اتفاق السلام المزعوم المليء بالغموض، قتلت إسرائيل أكثر من 800 مدني بريء إضافي.
وبينما يقترب عدد المدنيين الأبرياء الذين فقدوا حياتهم في غزة من 73 ألفاً، يشكل الأطفال أكثر من 20 ألفاً منهم.
وفي غزة التي تحولت، بفعل هجمات إسرائيل، إلى أكبر مقبرة للأطفال في العالم، فقد أكثر من 40 ألف طفل بريء أحد والديهم على الأقل.
ووفقاً لخطة السلام المزعومة، كان يفترض أن تدخل إلى غزة أكثر من 600 شاحنة مساعدات إنسانية يومياً، إلا أن العوائق الإسرائيلية جعلت عدد الشاحنات التي تدخل لا يتجاوز نحو 130 شاحنة، فيما لا يزال الجوع أكبر مشكلة تواجه القطاع.
وفي غزة، التي شهدت حتى اليوم نحو 500 حالة وفاة بسبب الجوع، يواجه أكثر من 65 ألف طفل سوء تغذية حاداً.
وإلى جانب الجوع، تحاول أكثر من 300 ألف عائلة مواجهة البرد والأمطار، وهي تعيش في خيام بدائية تحت ظلال الأنقاض وفي ظروف كارثية.
وفي غزة التي تعاني من نقص شديد في إمكانيات الإيواء، بلغ عدد الوفيات بسبب البرد 24 شخصاً، 21 منهم من أطفال غزة.
وفي حين تعرض 97 بالمئة من المدارس للضرر أو التدمير الكامل، يمضي مئات آلاف الأطفال نحو التحول إلى "جيل ضائع" بعيداً عن فرص التعليم.
وبحسب تقرير مشترك بين الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، فإن غزة التي دُمّر فيها نحو 372 ألف منزل تحتاج إلى 71 مليار دولار خلال عشر سنوات لإعادة إعمارها.
وفي غزة التي دمّرت فيها إسرائيل، مرتكبة المجازر، أكثر من 1800 منشأة صحية، يحتاج النظام الصحي إلى 10 مليارات دولار ليستعيد عافيته، وفق بيانات منظمة الصحة العالمية.
ويشير التقرير إلى أن الإبادة الإسرائيلية أعادت التنمية البشرية في غزة إلى الوراء 77 عاماً، كما يوضح أن الاقتصاد تقلص بنسبة 84 بالمئة.
إعمار غزة الذي بقي على الورق
أما الخطط المظلمة التي أعدها جاريد كوشنر، صهر ترامب، ومبعوثه إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، من أجل إعادة إعمار غزة المزعومة، فلم تعد ظاهرة إلى العلن.
مع أن ترامب حاول تسويق مشاريعه المظلمة الخاصة، التي لا مكان للفلسطينيين فيها، على أنها حلم للبشرية جمعاء، بدءاً من مشروع "ريفييرا" و"غريت تراست" وصولاً إلى مشروع "صن رايز" الذي أُعلن عنه مؤخراً.
ورغم مرور مئة يوم، لا يزال من الغامض حجم الأموال التي جُمعت لإعمار غزة، وما القرارات التي اتُّخذت، وما خريطة الطريق التي ستُعتمد، تماماً كما هو الحال بالنسبة إلى القوة التي يُفترض تشكيلها لأمن غزة.
ووفقاً لخطة "السلام" المزعومة، كان ينبغي لإسرائيل، المرتكبة للمجازر، أن تتراجع خلف الخط الأصفر، لكنها واصلت التوسع داخل غزة، لترفع نسبة الأراضي التي تسيطر عليها من 53 بالمئة إلى نحو 60 بالمئة.
وكما تُظهر كل هذه الأرقام بوضوح، فإن الحياة في غزة تستمر بكل قسوتها رغم مسرحية السلام التي يقدمها ترامب.
فالوفيات مستمرة، والبنية التحتية غير قابلة للاستخدام، والنظام الصحي في حالة انهيار، والجوع منتشر، والوصول إلى المياه النظيفة محدود، وأزمة الإيواء والتعليم تتفاقم.
وهم "السلام" خلال مئة يوم
لقد بقيت آليات "السلام" المتعلقة بالغذاء، والمساعدات الإنسانية، والإعمار، والأمن، كلها حبراً على ورق رغم مرور مئة يوم. أي إن "عملية السلام" التي جرى توظيفها كأداة لا تتقدم؛ بل يجري الحديث عنها فقط.
وفوق ذلك، لا تواصل إسرائيل مجازرها واحتلالها غير القانوني وإرهاب المستوطنين في غزة وحدها، بل تمارس ذلك بشكل ممنهج أيضاً في الضفة الغربية.
كما أن إسرائيل المتهورة، التي تغلق أحياناً المسجد الأقصى أمام المصلين وتفرض قيوداً عليه، مرّرت أيضاً في برلمانها قراراً غير قانوني يقضي بإعدام الأسرى الفلسطينيين الموجودين في السجون.
وفي وقت تكشف فيه الحقائق المؤلمة لغزة زيف ما يسوقه ترامب للعالم تحت عنوان "السلام"، لا تزال الولايات المتحدة عاجزة عن الخروج من المستنقع الذي غرقت فيه بعد الحرب التي بدأت مع إيران بتحريض من إسرائيل المرتكبة للإبادة.
وإدارة ترامب، التي حصدت مع إسرائيل المتعطشة للمجازر أرواح آلاف الأشخاص في إيران، تحاول الآن التعويل على الحصار الذي بدأته في مضيق هرمز بعد مشاهد الدمار التي خلّفتها في المدن.
أما ثنائي ترامب وبنيامين نتنياهو، اللذان يدفعان العالم إلى فوضى اقتصادية هائلة بخطاباتهما المتناقضة وحروبهما المظلمة المليئة بالغموض، فلا يزالان عاجزين عن تحقيق النصر الذي يبحثان عنه.
ونتنياهو، الذي أصبحت سياساته العدوانية غير فعالة أمام صمود إيران، يسعى الآن، بعد غزة، إلى توسيع مجازره في لبنان.
إن مسار الحرب الذي يتأرجح بين الصراع والتفاوض في إيران ولبنان، وبين الحصار والسلام، يؤدي وظيفة غطاء مظلم لإبعاد ما يجري في غزة عن أجندة العالم.
أي إن نتنياهو يواصل، ولو بوتيرة منخفضة، عدوانه على غزة تحت غطاء وهم السلام الذي يقدمه ترامب، وفي ظل الحرب على إيران.
بل إن الصحافة الإسرائيلية، وفي مقدمتها صحيفة هآرتس، تتحدث عن احتمال شن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو هجوماً عسكرياً واسعاً على غزة قبل الانتخابات في بلاده.
أما الوزراء اليمينيون المتطرفون في حكومة نتنياهو، الذين يقتاتون على المجازر، فيطلقون باستمرار هذيانات مظلمة مثل احتلال غزة بالكامل وتهجير الفلسطينيين منها.
الأمل الصاعد بالصمود
وفي ظل هذا المناخ الكئيب، يذكّر أبطال "أسطول الصمود العالمي" البشرية كلها بغزة، ويهتفون بالقيم الإنسانية.
وفي وقت يُعمل فيه على تغيير الأجندة، وطمس الإبادة الإسرائيلية، وجعل المعاناة غير مرئية، يواصل سفراء الخير في أسطول الصمود تقدمهم نحو غزة بإصرار.
وقد تدخلت قوات الاحتلال الإسرائيلية مجدداً بشكل غير قانوني ضد الأسطول، الذي يضم 345 متطوعاً من 39 دولة ويحمل مساعدات إنسانية فقط، وذلك في المياه الدولية.
وشنت إسرائيل هجوماً باستخدام سفن حربية وطائرات مسيّرة، ثم احتجزت بشكل غير قانوني 22 سفينة ونحو 175 متطوعاً كانوا على متنها، ونقلتهم إلى جزيرة كريت.
أما 20 ناشطاً تركياً كانوا بين المحتجزين، فقد أُعيدوا إلى تركيا بجهود من وزارة الخارجية.
وفي حين لم تُفرج إسرائيل، التي لا تعترف بالقانون، عن ناشطَين اثنين، تواصل بقية سفن أسطول الصمود طريقها بإصرار.
إن "الصمود" الذي لا يستسلم رغم كل العوائق، ليس مجرد اسم لأسطول؛ بل اسم للمقاومة ضد النسيان، واسم للأمل.
وفي وقت تصمت فيه المؤسسات الدولية، وتنشغل الدول بحساباتها، وتُمحى الدبلوماسية، ويُدمَّر القانون، يصرخ هذا الأسطول، الممتلئ شراعه بالأمل، مجدداً في وجه العالم بالمسؤولية الأخلاقية للإنسانية.
هذا الأسطول الذي كُتب على راياته اسم الإنسانية، يتحول اليوم كما في الماضي إلى هدف لجيش إسرائيل المظلم، وتُبذل الجهود لإعادته عن طريقه.
لكن هناك الآن إرادة لا تتراجع رغم كل هجمات إسرائيل المرتكبة للإبادة؛ إرادة تكبر موجة بعد موجة، ولا تعود إلى الوراء أبداً.
وفوق ذلك، ترتفع من شعوب العالم اعتراضات أقوى على الإبادة الإسرائيلية في غزة، وعلى سياساتها العدوانية الممتدة من إيران إلى لبنان وسائر المنطقة.
حتى داخل الولايات المتحدة، بلد ترامب الذي يتحرك بالشراكة مع نتنياهو، وصلت نسبة المعترضين على الدعم غير المحدود لإسرائيل إلى نحو 60 بالمئة.
وفي أوروبا، تترافق ردود الفعل المتصاعدة بقيادة إسبانيا وإيرلندا مع انتقادات قادمة من دول أخرى.
وفي مقدمة الدول التي يرتفع فيها صوت الشعوب ضد إسرائيل وتُنظم فيها الاحتجاجات، تأتي تركيا التي أصبحت الصوت القوي لفلسطين في كل المنصات، من رئيس الجمهورية إلى وزير الخارجية.
ورغم التطورات المفرحة باسم الإنسانية، وفي مقدمتها رياح الأمل التي يثيرها أسطول الصمود، فإن السلام الحقيقي في غزة لا يمكن الوصول إليه عبر عروض ترامب الوهمية، بل عبر محاسبة نتنياهو وإدارته المرتكبة للإبادة على ما ارتكبوه.
فالحل الحقيقي يمكن أن يتحقق عبر تحميل إسرائيل كلفة الدمار في غزة، وتمكين الفلسطينيين من العيش بحرية على أرضهم.
وما لم تعاقب الدول والمؤسسات الدولية إسرائيل على مجازرها، وما لم تتحقق العدالة، فإن البشرية ستظل، حتى لو مرت مئات الأيام الأخرى، منشغلة بحكايات السلام الوهمية.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











