
سليمان سيفي أوغون - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
إنّ التقديرات التي تُبنى على تحليلات سياسية/استراتيجية/عسكرية تُجرى خارج إطار فهمٍ تاريخيٍّ متكامل، محكومٌ عليها بأن تبقى معلّقة في الفراغ. وما يجري اليوم هو عين ذلك. فالأحداث التي وقعت في عطلة نهاية الأسبوع وانعكاساتها تشير تماماً إلى هذا الأمر. كان الخبر الأول الوارد هو أنّ ترامب وضع كوادره الأمنية في حالة إنذار، وعقد اجتماعات رفيعة المستوى حتى على حساب عدم ذهابه إلى حفل زفاف ابنه. وقد اعتبر الاستراتيجيون الذين يفكرون بمنطق يوميٍّ ضيق أنّ ذلك علامة حرب، وكتبوا تعليقات في هذا الاتجاه. غير أنّ تصريحات ترامب كشفت صورة معاكسة تماماً. فقد أعلن ترامب أنّ الاتصالات الجارية بوساطة باكستان بدأت تؤتي نتائجها، وأنهم باتوا قريبين جداً من التوصل إلى اتفاق مع إيران. وخلال ساعات تحوّل كثير من المحللين إلى حراس مرمى تلقّوا أهدافاً مباغتة من الزاوية المعاكسة. والآن ينتظر هؤلاء المحللون أنفسهم سلاماً من هنا. وهذه أيضاً غرابة أخرى. نعم، يمكن إرجاع هذا التخبّط إلى تناقضات ترامب في الأقوال والأفعال. لكن هذا لا يكفي. بل ينبغي وضع الأدوات الضعيفة والناقصة المستخدمة في متابعة الأحداث الجارية في مركز النقد والمساءلة. وأود هنا أن أذكّر بشيء: يُرجى تقييم التحليل الآتي على أساس علاقات الجغرافيا المعنية بالغرب بصورة رئيسية. (وبالطبع أنا لا أنسى الصين وروسيا).
إنّ الجغرافيا التي تُسمّى بالشرق الأوسط لم تعرف السلام قطّ ضمن التاريخ الحديث. ومن الضروري تسجيل أنّ هذا لم يكن أمراً عرضياً، بل كان نتاج تصميم واعٍ، وألا يُغفل هذا أبداً. لقد جرى اقتلاع العثمانيين، الحكّام التاريخيين القدماء لهذه الجغرافيا، منها، عقب صراع امتدّ على فترة زمنية طويلة بين رعاة تقسيم العمل العالمي، وذلك نتيجة الحرب العالمية الأولى. وكانت المملكة المتحدة التي لا تغيب عنها الشمس هي المنتصر في تلك الحرب. وقد جعلت منافستها الأقرب، فرنسا، تقاتل إلى جانبها في الحرب، لكنها أبعدتها عن التقاسم عبر مختلف الحيل والمناورات. كما استغلّت الثورة التي وقعت في روسيا، وهي الدولة الأخرى التي كانت تطمع في الجغرافيا، لصالحها. وخلاصة القول إنها أقامت هيمنة حاسمة على جغرافيا الشرق الأوسط. وبين عامي 1918 و1945 بدأ الشرق الأوسط يعيش، عبر “السلام البريطاني” Pax Britanica الذي حلّ محل “السلام العثماني” Pax Ottomana، أكثر فتراته هدوءاً نسبياً في تاريخه.
وكان لدى المملكة المتحدة سببان رئيسيان للاهتمام بالشرق الأوسط. أولهما أنّ ضمان السيطرة على قناة السويس عبر شرق البحر المتوسط كان يؤدي بالنسبة إليها دوراً حيوياً للغاية. أما السبب الثاني فكان الثروة النفطية التي تتمتع بها هذه الجغرافيا.
لكن الحرب العالمية الثانية قلبت كل شيء رأساً على عقب. فقدت المملكة المتحدة صفة القوة المهيمنة على العالم، وكانت الولايات المتحدة تحلّ محلها. واضطرت المملكة المتحدة إلى قبول ذلك على مضض. كما أنّ الحرب العالمية الثانية أطلقت في الوقت نفسه عملية تصفية الاستعمار. كانت القوميات تستيقظ في المنطقة وتجد لنفسها قاعدة معتبرة. وكانت الكوادر القومية تظهر مراراً بقرارات التأميم. فقد قام محمد مصدق بتأميم النفط في إيران، ثم أُطيح به بعد بضع سنوات عبر عملية مشتركة أمريكية/بريطانية. أما في مصر فنواجه مشهداً معاكساً. إذ إن قرار جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس عام 1956 دفع المملكة المتحدة، بالاشتراك مع فرنسا، بل ومن دون الحصول على موافقة الولايات المتحدة، إلى التدخل. وقد أثار ذلك غضب الولايات المتحدة، القوة المهيمنة الجديدة، بشدة. فقامت الولايات المتحدة، عبر توجيه تهديد شديد اللهجة، بردع المملكة المتحدة وإجبارها على التراجع. وقد سجّل هذا التاريخ تثبيت هيمنة الولايات المتحدة على جغرافيا الشرق الأوسط.
لقد استمر العصر الذي حلّ محل Pax Britanica، والذي تسمّيه كثير من السلطات بـ Pax Americana، حتى يومنا هذا. لكن ليس من السهل إطلاق صفة “السلام” عليه. ومن أبرز أسباب ذلك إقامة إسرائيل بالقوة. وهذا ما سيدخل الجغرافيا في مسار من عدم الاستقرار لا يُعرف أين وكيف سينتهي. إن “الأمة” الإسرائيلية هي بنية مريضة منذ تأسيسها. فهي محاطة بكثافة سكانية مسلمة كبيرة. وإن خطر ابتلاعها أو خنقها من قِبل المسلمين ينهش هذه “الأمة”. وكان من الواضح منذ البداية أنّ الصهيونية ستتجاوز كونها أيديولوجيا تأسيسية لتكتسب بُعداً توسعياً عبر حقن تيوبوليتيكية. وقد ساهم خطٌّ بدأ عبر رأس المال العالمي باتجاه الولايات المتحدة في تعميم مناخ هذا المرض على كامل الجغرافيا. (لا أستطيع الجزم بذلك، لكنني أعترف أنّني أفكر أحياناً في أنّ المملكة المتحدة، التي لعبت الدور الرئيسي في تأسيس إسرائيل، ربما صاغت ذلك أيضاً ضمن حسابات انتقامية طويلة الأمد ضد الولايات المتحدة). وكانت الهيمنة الأمريكية تقوم على آليتين مزدوجتين. الأولى بالطبع مرتبطة بالطاقة، والثانية ذات أساس عسكري. فقد كانت تتحكم بالأولى عبر البترودولار. أما الثانية فينبغي النظر إليها أيضاً بوصفها مرتبطة جزئياً بالأولى. إذ كانت تقوم ببيع الأسلحة من أجل امتصاص الفائض الناتج عن تجارة النفط. وكان هذا هو الجانب الخطير. فحركة التداول المذكورة كانت تعني تدفقاً دائماً للأسلحة إلى الجغرافيا. ولكي تضمن هذه المبيعات كان ينبغي إبقاء العداوات في المنطقة حيّة. ولهذا السبب أجد أنّ إلصاق صفة “السلام” بالبنية القائمة في المنطقة منذ 1945 وحتى اليوم أمر إشكالي.
لقد استخدموا كل أنواع الأدوات، بما فيها الأدوات الأيديولوجية/الدينية/المذهبية، من دون تردد. ففي زمن الحرب الباردة كانت الأداة المستخدمة أيديولوجية بالدرجة الأولى. لكن بعد انتهاء الحرب الباردة جرى بسرعة إدخال الأدوات الأخرى إلى الخدمة. فالأداة الأولى (الأيديولوجية) ذات نهاية مغلقة، أما الأداتان الأخريان (الدينية/المذهبية) فلهما طبيعة مفتوحة النهاية. فالبُنى الأيديولوجية بُنى حديثة، ويتطلب ترسيخها بين الجماهير ومنحها قاعدة اجتماعية جهداً خاصاً. أما المتغيرات الدينية/المذهبية فتقابل قواعد وتجارب تاريخية عميقة. وقواعدها جاهزة أصلاً. وبناءً على ذلك، فإن التحكم بالأولى سهل نسبياً، بينما السيطرة على الثانية صعبة للغاية. والتحالفات التي تُقام حول هذه المتغيرات سريعة التبخر. فالاستثمار في أحدها يؤدي حتماً إلى إثارة الأخرى ودفعها خارج نطاق السيطرة. ناهيك عن أنّ الورقة التي يُستثمر فيها قد تعمل بعد مدة، لسبب أو لآخر، ضد المستثمر نفسه.
إن النظام الذي أقامته الولايات المتحدة في جغرافيا الشرق الأوسط (?) كان يقوم، باسم استقرار التدفقات الاقتصادية، على خلق لا استقرار سياسي/عسكري. وقد واصلوا ذلك لفترة طويلة. لكن بعد دخول التيوبوليتيك على الخط اختلت التوازنات. كما أنّ كون العملية التي أوصلت ترامب إلى السلطة عملية تيوبوليتيكية جعل الأمور أكثر تعقيداً. إلى درجة أنّ هذا الاختلال بلغ ذروته في الحرب الإيرانية، وانتهى دخول الولايات المتحدة في الحرب، مدفوعة بتحفيز تيوبوليتيكي وبجسدها الكامل، إلى تعطيل التدفقات الاقتصادية نفسها. (فما يحدث اليوم في هرمز قد يحدث غداً أيضاً في باب المندب).
إن هذه القصة التي حاولت تقديمها بإيجاز ضمن مسار تاريخي لا تحمل في داخلها ما يمكنه حلّها. والنظرة التي تتابع الصعود والهبوط اليومي لا ترى ذلك. فطريق الخروج الوحيد لديهم هو، في المرحلة الأولى، توسيع الحرب أكثر فأكثر وجعل جميع الفاعلين يقتتلون فيما بينهم. أما المرحلة الثانية فتقوم على ترقّب الفرصة لإعادة تثبيت هيمنتهم من جديد. وهنا تتركّز مخاوفي.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس













