
ترك برس
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتبدل طبيعة التهديدات في الشرق الأوسط، تتجه تركيا إلى إعادة صياغة أولوياتها الأمنية ضمن ما يُعرف بـ"الكتاب الأحمر"، في خطوة تعكس تحولا عميقا في عقيدتها الدفاعية. ويأتي هذا التوجه مدفوعا بتنامي المخاوف من أدوار إقليمية متغيرة وصراعات متشابكة، تفرض على أنقرة إعادة تقييم موقعها وتحالفاتها في بيئة استراتيجية أكثر تعقيدا.
وحدّد خلوك غورغون، رئيس هيئة الصناعات الدفاعية التركية، ملامح الاستراتيجية العسكرية التركية في المرحلة القادمة عبر أربعة محاور: اعتبار المعلومات سلاحا استراتيجيا يدمج الدفاع والاتصالات في منظومة واحدة، وتحوّل حيوية الإمداد وسرعة الإنتاج وعمق المخزون إلى عوامل حسم في الحرب الحديثة، والتركيز على المنصات الصغيرة والسريعة والفعّالة التي كسرت هيمنة القوات التقليدية الثقيلة، فضلا عن ضرورة التواصل المستمر بين الميدان والصناعة الدفاعية.
جاءت هذه التوضيحات خلال القمة الدولية للاتصالات الاستراتيجية، حيث كشفت المعطيات المتداولة عن قفزة نوعية في الصناعة الدفاعية التركية، إذ تجاوزت نسبة المنتجات المصنّعة محليا 80 في المئة خلال العام الماضي، بعد أن كانت لا تتعدى 20 في المئة قبل ربع قرن. وبلغ عدد الشركات التركية العاملة في هذا القطاع أربعة آلاف شركة تُوظّف أكثر من مئة ألف خبير وعامل، وبلغت مبيعاتها العسكرية عشرين مليار دولار، تتجاوز نصفها صادرات موزّعة على 185 دولة، بحسب تقرير على موقع "المجلة".
منذ مطلع العام الماضي، تشهد النقاشات العامة في تركيا تحولا لافتا، إذ انتقل الخطاب من هواجس أمنية داخلية تقليدية- كالقضية الكردية وملف العلويين وجماعة غولن- نحو مخاوف عسكرية خارجية جدية. فقد باتت النخب السياسية والفكرية التركية تتحدث بصراحة عن سيناريوهات إعادة رسم الخرائط وتغيير حدود الدول في المنطقة، وتُحذّر من أن تركيا لن تكون بمنأى عن هذه التحولات.
ويرى المراقبون أن تصريحات المسؤولين الإسرائيليين في أعقاب السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 كانت الشرارة الموضوعية لهذا التحول في الوعي الأمني التركي، إذ وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو، ونظيره السابق نفتالي بينيت، تركيا بوصفها تهديدا محتملا في المستقبل المنظور. وتبنّت مراكز البحث الاستراتيجي الإسرائيلية هذا التوجه، ووضعت تركيا في صدر قائمة التحديات الأمنية المستقبلية لإسرائيل- وهو ما فسّرته أنقرة على أنه تهيئة منهجية للرأي العام الإسرائيلي لمواجهة محتملة.
وقبيل اندلاع الحرب الأخيرة مع إيران، كرّست ثلاثة أحداث ميدانية الهواجس التركية من الأسلوب العسكري الإسرائيلي: أولها الحرب على غزة التي كشفت عن نهج عسكري إسرائيلي مختلف جذريا عن الحروب السابقة، حيث كانت إسرائيل تحرز في الماضي نصرا عسكريا سريعا سرعان ما تُحيله إلى اتفاق سياسي لصالحها، وثانيها توسّع العمليات الإسرائيلية خارج حدودها التقليدية لتشمل مواجهة الحوثيين و"حزب الله" والمساهمة في إسقاط النظام السوري، وثالثها التنافس الاستخباراتي والعسكري الإسرائيلي-التركي على الأراضي السورية بعد سقوط نظام الأسد، الذي بدا لأنقرة نموذجا تجريبيا لما قد يأتي.
وقد شكّلت حرب إسرائيل على إيران خلال العام الماضي علامة فارقة في المشهد التركي. إذ تباينت آراء الساسة وقادة الرأي إزاءها، فالقوميون والمحافظون المقرّبون من "حزب العدالة والتنمية" رأوا فيها تأكيدا على استمرار المخطط الاستراتيجي الإسرائيلي في المنطقة، الذي لن تكون تركيا بمنأى عنه. في حين مال المقرّبون من "حزب الشعب الجمهوري" المعارض إلى قراءة مغايرة، مفادها أن الضبط الأميركي لتلك الحرب، ونوعية الخلاف الأميركي-الإسرائيلي بشأنها، يدلّ على وجود سقف للطموح الإسرائيلي في المنطقة، مما يُعزز أهمية بناء علاقات متينة مع الولايات المتحدة وحلف "الناتو"، والابتعاد عن التنظيمات المتطرفة.
هواجس إسرائيلية مستدامة من تركيا
في حديث خاص، يشرح الباحث المختص في الشؤون الأمنية وليد جليلي من "مركز الفرات للدراسات" ما يعتقد أنها الوقائع الموضوعية التي تصنع تنافرا مستداما بين تركيا وإسرائيل، والتي لا يُستبعد أن تؤدي إلى صدام عسكري مستقبلي يتجاوز ما يحدث راهنا مع إيران.
ويُرجع جليلي ذلك إلى التغييرات التي طالت بنية الهيكل السياسي التركي بعد عام 2002، مع وصول "حزب العدالة والتنمية" إلى سُدة الحكم، موضحا: "كانت العقيدة السياسية والعسكرية الإسرائيلية تستأمن تركيا حتى ذلك التاريخ، وتعتبرها دولة ذات نظام سياسي آمن مُسيطر عليه من قِبل الجيش والعقيدة الأتاتوركية، التي تنبذ التنظيمات والعقائد السياسية المُعادية لإسرائيل. لكن وصول (حزب العدالة والتنمية)، ونجاح أردوغان في إعادة هيكلة مؤسسات الدولة من جيش وقضاء ودستور، فتح الباب أمام شعبوية سياسية ترى في معاداة إسرائيل أداة رابحة في كسب القواعد الاجتماعية المحافظة والقومية- وهو ما أخرج تركيا من منطقة الأمان في العقل الاستراتيجي الإسرائيلي."
ويُضيف جليلي أن تطلعات الرئيس أردوغان وشبكة العلاقات التي نسجتها أجهزة الدولة العميقة في تركيا لصالح تنظيمات الإسلام السياسي في سوريا وليبيا واليمن والصومال وأذربيجان والبلقان، دفعت الإسرائيليين إلى اعتبار تركيا امتدادا لإيران في هذا المنحى. وزاد من حدة هذه الهواجس سعيُ تركيا إلى بناء تحالف سياسي إقليمي ذي طابع سُني، مما جعل تفكيك هذه الهوية السياسية التركية ضرورة ماسّة في الحسابات الأمنية الإسرائيلية.
تحوّل في "الكتاب الأحمر"
يُشير الباحث وليد جليلي من "مركز الفرات للدراسات" إلى أن التحول في العقيدة الأمنية التركية يعكس تراكما موضوعيا لا مجرد ردود فعل آنية. ويُرجع ذلك إلى التغيير الجذري في البنية السياسية التركية منذ وصول "حزب العدالة والتنمية" عام 2002، إذ كانت إسرائيل تعتبر تركيا في السابق دولة ذات نظام "آمن" تحكمه العقيدة الأتاتوركية. غير أن صعود أردوغان وإعادته هيكلة مؤسسات الدولة فتح الباب أمام شعبوية سياسية تجعل من معاداة إسرائيل ورقة رابحة في الكسب الشعبي، مما أخرج تركيا من منطقة الأمان في الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية.
ويرى "الكتاب الأحمر التركي"- وهو وثيقة سرية تصدر عن مجلس الأمن القومي وتعلو من حيث التأثير على الدستور- أن التمدد الإسرائيلي أصبح التهديد الرئيس للأمن القومي التركي. فمنذ عام 2010، وعقب الأزمة الدبلوماسية بشأن أسطول غزة، أُدرج "النشاط الإسرائيلي وسياساته الإقليمية" بندا أساسيا في تلك الوثيقة، وتكشف التسريبات اللاحقة أن هذا البند تعاظم حضوره عاما بعد عام.
ولا تتوقف المخاوف التركية الراهنة عند حدود المواجهة العسكرية المباشرة مع إسرائيل، بل تمتد لتشمل طيفا من السيناريوهات المحتملة، في مقدمتها التعزيزات العسكرية التي راكمتها جمهورية قبرص اليونانية خلال الأشهر الماضية، والتي وصفها رئيس لجنة الدفاع البرلمانية التركية خلوصي أكار بأنها "تشكّل مخاطر جسيمة على الجزيرة بأكملها، وتحوّلها إلى جزء من التوترات الأوسع في الشرق الأوسط". يُضاف إلى ذلك التشكيك في قدرة تركيا على ضمان موقعها داخل حلف "الناتو" دون تقديم توافقات سياسية كبرى لصالح إسرائيل.
اليوم، تتجاوز المخاوف التركية احتمال المواجهة العسكرية المباشرة مع إسرائيل، لتشمل ما قد تُفرزه الحروب الإسرائيلية في الجوار- في سوريا وإيران والعراق- من صراعات عرقية وطائفية متداخلة مع النسيج الداخلي التركي. وهو ما يدفع أنقرة إلى الاستعداد بصورة غير مسبوقة لمرحلة تعيد فيها رسم خريطة تحالفاتها وعقيدتها الدفاعية معا
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










