سليمان سيفي أوغون - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

يعتقد كثيرون أن قمة الناتو التي ستُعقد في أنقرة ستُفضي إلى ناتو جديد وحيوي. أما أنا فلا أشاركهم هذا الرأي. فالناتو يعيش أزمة وجودية كبيرة. وأرى أن أكبر نجاح يمكن أن يخرج به من أنقرة هو إحياؤه. لكنني لا أعتقد أن ذلك سيكون بهذه السهولة.

لقد بدأت الأزمة الوجودية للناتو، كما أظن أن الجميع يدرك، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة. وكان يُحتفل بهذا الحدث بوصفه انتصارا مطلقا للناتو. أليس كذلك؟ فقد أسقط الناتو حلف وارسو، وأخضع الاتحاد السوفيتي، ودفنه في صفحات التاريخ. لكن لا ينبغي المبالغة في ذلك. فالناتو كان قائما منذ البداية على أرضية إشكالية.

كان الراحل ماهر كايناق، في تحليلاته التي بدأ يقدمها منذ تسعينيات القرن الماضي، يحطم المسلمات، مشيرا إلى أن هاتين القارتين تمثلان مصالح مختلفة تماما، وأن العلاقة بينهما كانت باستمرار علاقة تنافس. وكان هذا في الحقيقة تحليلا استفزازيا. ففي تلك الأيام كانت تحليلات ماهر كايناق تلفت الانتباه ويستمع إليها الناس، لكن لم يكن يُنظر إليها بكثير من الاعتبار من حيث صحتها. والحال أن ماهر كايناق كان رجل استخبارات لامعا. ولا أظن أنه كان يطلق تحذيراته وتنبيهاته من أجل إثارة الضجة أو اكتساب الشهرة. واليوم يجري التحقق مما قاله، ونرى أن ما كان يقوله آنذاك كان صحيحا.

يتضح أن هناك توترا بين الولايات المتحدة وأوروبا منذ البداية. فلم تستطع القوى الأوروبية أن تتقبل أبدا أن العناصر التي كانت تنظر إليها باعتبارها مجرد رواسب ديموغرافية لها، والتي كانت تحتقرها، ذهبت إلى العالم الجديد وشيدت هناك قوة هائلة. وقد تجلت هذه المرارة بطريقتين. الأولى كانت سائدة في فرنسا وألمانيا، أي في أوروبا القارية. ولنبدأ بالألمان. فمنذ سبعينيات القرن التاسع عشر، كانوا يعتقدون أنهم سيملؤون بقوتهم الحيوية الفراغ الذي خلّفه تراجع المملكة المتحدة، التي كانت القوة المهيمنة على العالم آنذاك. وكان منافسهم هو البريطانيون. وكانت الحرب العالمية الأولى في جوهرها مواجهة بين المملكة المتحدة وألمانيا. وتمكن البريطانيون، بالتحالف مع فرنسا وروسيا، من إيقاف ألمانيا. أما الحرب العالمية الثانية فكانت جولة ثأر للحرب الأولى. وتحالفت المملكة المتحدة مرة أخرى مع فرنسا وروسيا، لكن ذلك لم يكن كافيا. وهنا دخلت الولايات المتحدة، التي كانت قد راكمت قوة كبيرة بعيدا عن الصراعات الأوروبية، إلى الساحة بشكل غير متوقع. فهُزمت ألمانيا. وأدركت المملكة المتحدة أنها لم تعد قادرة على مواصلة هيمنتها بمفردها. ولذلك توصلت، على مضض، إلى تفاهم مع الولايات المتحدة، وبعد أن اطمأنت إلى تأمين بعض مكاسبها الأساسية، نقلت إليها زعامة الهيمنة. وفي النهاية، كان كل من البريطانيين والألمان قد خسروا. وانتقلت حروب الهيمنة من القارة الأوروبية إلى الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي.

وخضعت أوروبا القارية اقتصاديا لهيمنة الولايات المتحدة من خلال نظام اليورودولار، ثم لاحقا نظام البترودولار. وعلى هذه الأرضية افتُتحت قواعد أمريكية لا حصر لها في أوروبا، واستقر فيها عدد كبير من الجنود الأمريكيين. وهذه الإشارة التاريخية الموجزة وحدها تكفي للتفكير في الصدع القائم بين القارتين. وقد بُني الناتو على هذا الصدع، وكان منذ البداية مصدر انزعاج في فرنسا وألمانيا. ولم تكن لدى الألمان فرصة للتعبير عن هذا الانزعاج، ولذلك جاءت الاعتراضات في الغالب من فرنسا. فقد عارض شارل ديغول بشدة هيمنة اليورودولار. وفي عام 1966 انسحبت فرنسا من الناتو. ورغم أنها عادت إليه لاحقا، فإنها بقيت بعيدة عن جناحه العسكري حتى عام 2009. لكن الأهم من ذلك أن ألمانيا وفرنسا وضعتا جانبا عداءهما التاريخي، ودخلتا في إطار من التضامن الاقتصادي. وكان ذلك تطورا قاده كونراد أديناور وشارل ديغول، وشكل النواة التي قامت عليها الاتحاد الأوروبي. وخلال عقود تألق الاتحاد الأوروبي. وكان ذلك ميزة كبيرة وفرتها له الابتعاد عن الإنفاق العسكري. ويبدو أن خطته طويلة الأمد كانت تقوم على تحقيق التكامل الاقتصادي والقانوني أولا، ثم الانتقال إلى التكامل المالي والسياسي. وقد نجح في الأول، لكنه تعثر في الثاني.

أما الانطلاقة الكبرى الأخرى للاتحاد الأوروبي فتمثلت في تقاربه، أولا مع الاتحاد السوفيتي، ثم مع روسيا، ولا سيما في مجال الطاقة، حيث وقع الطرفان اتفاقيات تعاون واسعة النطاق. وباختصار، حتى وإن لم يُعلن ذلك صراحة، فإن الاتحاد الأوروبي كان، في جوهره، بنية مناهضة للناتو.

أما موقع المملكة المتحدة، فيتسم بازدواجية كاملة. فقد وضعت نفسها، لفترة طويلة، في موقع محوري بين هذين الطرفين. ولم يهدأ أبدا شعورها بالمرارة بسبب فقدانها هيمنتها لصالح الولايات المتحدة. لكنها، في الوقت نفسه، لم تكن راضية عن الاتحاد الأوروبي، ولا سيما عن تقاربه مع روسيا. ولذلك انتظرت تعمق الصدع. ثم خرجت من الاتحاد الأوروبي الذي دخلته كـ"عروس مؤقتة". وتحركت مع الولايات المتحدة، فقطعت الصلة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا. ثم أطلقت، عبر روسيا، تحركا آسيويا عميقا ومتعدد الأبعاد. وكان الناتو هو عنوان هذا الالتقاء. غير أن وصول دونالد ترامب أفسد هذه الحسابات. فقد أثارت سياسات ترامب، التي همشت الناتو وأوروبا عموما، ذعر البريطانيين. ومن خلال مناورة جديدة، ضموا إليهم ألمانيا وفرنسا، اللتين وجدتا نفسيهما في فراغ، وتولوا قيادة ناتو أوروبي فعلي. لكن ما الجدوى من ذلك؟

وإذا نظرنا إلى الناتو في وضعه الحالي، يمكن ملاحظة أن اللاعبين الرئيسيين فيه هم، في الأساس، ناتو المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا. لكنه ناتو فارغ من مضمونه. فلا يمكن أن يكون هناك ناتو من دون الولايات المتحدة. والولايات المتحدة، التي تركت الناتو خلفها، وانخرطت مع إسرائيل في مغامرة في الشرق الأوسط، ولا سيما في إيران، لا تتراجع رغم أنها تغوص أكثر فأكثر في الوحل. ولذلك فإن قمة الناتو في أنقرة ستكون، في جوهرها، محاولة للتوصل إلى تفاهم بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.

ولنختصر القول؛ فإما أن يعود الناتو إلى إعداداته الأصلية، وإما أن يزداد فراغا من الداخل. فلننتظر انعقاد القمة، وإذا شاء الله، سنتحقق هنا من صحة ما طرحناه.

عن الكاتب

سليمان سيفي أوغون

كاتب في صحيفة يني شفق


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس