
ترك برس
تناول مقال للكاتب والأكاديمي التركي أحمد أويصال، تطور العلاقات السورية الإسرائيلية منذ تأسيس إسرائيل عام 1948 وحتى المرحلة التي أعقبت سقوط نظام الأسد، مسلطًا الضوء على طبيعة الصراع التاريخي بين الطرفين وقضية الجولان المحتل باعتبارها محورًا دائمًا للخلاف.
يناقش أويصال السياسات الإسرائيلية تجاه سوريا خلال الحرب الأهلية وما بعدها، ومحاولات تل أبيب منع قيام دولة سورية قوية وموحدة عبر استثمار الانقسامات الداخلية ودعم المشاريع الانفصالية. ويتوقف عند مسارات التفاوض غير المباشر والمباشر التي جرت بوساطات إقليمية ودولية، والعوامل التي تحد من فرص التطبيع بين الجانبين.
ويربط ذلك بالتحولات الجيوسياسية الجديدة في المنطقة، وبالموقع الاستراتيجي المتزايد لسوريا في مشاريع النقل والطاقة والتوازنات الإقليمية، ليخلص إلى أن الصراع بين دمشق وتل أبيب مرشح للاستمرار في المدى المنظور ما دامت قضايا الاحتلال والتدخل الإسرائيلي قائمة. وفيما يلي نص المقال الذي نشرته صحيفة الشرق القطرية:
اتسمت علاقات سوريا مع إسرائيل بطابع صراعي منذ تأسيس إسرائيل عام 1948. فقد خاض البلدان عدة حروب في أعوام 1948 و1967 و1973. وبعد حرب عام 1967 المدمّرة، حين احتلت إسرائيل هضبة الجولان السورية، نشأت قضية خلافية مهمة ودائمة في العلاقات بين الطرفين. غير أن نظام الأسد لم يُبرز هذه القضية كثيرًا. وخلال مسار الربيع العربي، فضّلت إسرائيل بقاء سوريا ضعيفة تحت سيطرة الأسد بدلًا من قيام سوريا ديمقراطية. وحتى المرحلة الأخيرة من حكم الأسد، لم تكن قوات الحكومة قادرة على منع إسرائيل من استهداف القوات الإيرانية والقوى الموالية لإيران المنتشرة في البلاد متى شاءت.
منذ حصول الدولة السورية على استقلالها عام 1946، كانت تقريبًا منذ أيامها الأولى في حالة صراع مع إسرائيل، ولم تقم بين الطرفين علاقات دبلوماسية رسمية. وقد فشلت محادثات السلام التي جرت بين البلدين، ولا سيما في تسعينيات القرن العشرين وبدايات الألفية الجديدة. وبعد سقوط نظام الأسد، تعاملت إسرائيل مع الإدارة السورية الجديدة بمزيد من العداء، فدمرت إلى حد كبير الأسلحة الاستراتيجية في البلاد، واحتلت المناطق العازلة التي حددها اتفاق فصل القوات لعام 1974، كما سعت إلى التوسع عبر احتلال بعض المناطق في القنيطرة وجبل الشيخ وريف درعا.
لأن إسرائيل لا تريد سوريا قوية وموحدة اقتصاديًا وسياسيًا، فقد سعت إلى إضعاف البلاد وتقسيمها إلى كيانات هشة على أسس إثنية ومذهبية. وقد دعمت تمرد الدروز في السويداء ومساعيهم للانفصال. ورغم أن الدروز حصلوا بعد هذا الدعم على نوع من الحكم الذاتي الجزئي، فإنهم لم ينفصلوا عن سوريا. ولا يشكّل الدروز، الذين يبلغ عددهم نحو 750 ألف نسمة، كتلة ديمغرافية كبيرة. وبالمثل، يبدو أن إسرائيل كانت سعيدة بتمرد العلويين/النصيريين في الساحل، وربما دعمتهم. بل إن أحد ممثلي العلويين صرّح بأنهم سيطلبون المساعدة من إسرائيل في حال تصاعدت حدة المواجهات.
قامت إدارة أوباما بتسليح وتمويل حزب العمال الكردستاني وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) ومنحتهم السيطرة على شمال وشرق سوريا. بعد سقوط الأسد، دعمت إسرائيل مشروع حزب العمال الكردستاني وقسد الانفصالي. وبفضل الدعم التركي الواضح، تغلبت إدارة أحمد الشرع على هذه المشكلة وضمنت وحدة البلاد. علاوة على ذلك، كانت إسرائيل قلقة بشأن الاعتراف الدولي بالإدارة الجديدة ورفع العقوبات الاقتصادية. وتحت ضغط من الولايات المتحدة، أجرت الإدارة السورية الجديدة أيضًا محادثات سلام غير مباشرة مع إسرائيل. وهدفت محادثات مايو 2025 في باريس إلى تخفيف التوترات في جنوب سوريا ومنع التدخل الإسرائيلي.
عُقدت محادثات مباشرة في أذربيجان بوساطة تركيا وقطر والإمارات العربية المتحدة، تلتها محادثات في باريس برعاية الولايات المتحدة. تناولت هذه المحادثات قضايا مثل تصعيد إسرائيل وتدخلها في جنوب سوريا، وقضية السويداء، وشروط التطبيع، والعودة إلى اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، وانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة حديثًا. ويُقال إن هذه المحادثات عُقدت لتهدئة الولايات المتحدة بشأن رفع العقوبات، إذ ليس من السهل على سوريا قبول الأمر الواقع الجديد وتطبيع العلاقات مع إسرائيل في ظل العدوان والاحتلال الإسرائيليين.
في ظل حرب إيران، أصبحت سوريا مفترقًا استراتيجيًا أكثر أهمية. فقد كانت إسرائيل تأمل سابقًا أن يمر ممر التجارة الهندي–الشرق أوسطي (IMEC) عبر أراضيها، كما تعززت آمالها في أن تصبح ممرا محوريا بعد إغلاق مضيق هرمز المحتمل. غير أن سوريا تقدم في هذا المجال بديلًا أكثر أفضلية وأمنًا؛ إذ يمكنها، عبر سكة حديد الحجاز والطرق البرية وخطوط النفط والغاز، أن تربط الدول العربية بالبحر المتوسط، ومنه إلى أوروبا عبر الأناضول. ومن جهة أخرى، تنزعج إسرائيل في الآونة الأخيرة من تصاعد قوة المحور السني، ومن انضمام سوريا إلى هذا المحور.
بعد فشل ترامب في تحقيق مبتغاه من الحرب مع إيران، أصبح يسعى إلى كتابة قصة نجاح في مجال التطبيع مع إسرائيل. ولهذا الغرض، يمارس ضغوطًا على دول الخليج وسوريا على حد سواء، ولكن سوريا تسير في الاتجاه المعاكس. وقد حظرت حكومة أحمد الشرع، استناداً إلى عدوانية إسرائيل، دخول البضائع الإسرائيلية إلى سوريا الشهر الماضي. وهذه رسالة واضحة مفادها أن سوريا لن تنضم إلى اتفاقيات إبراهيم ولن يكون هناك تطبيع. لا ينبغي توقع تحسن العلاقات بين إسرائيل وسوريا في المدى القصير والمتوسط في ظل الاحتلال والعدوان والتنافس الاقليمي.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











