
عبدالله مراد أوغلو - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
في مقالي السابق، كنت قد أشرت إلى أن جزءاً مهماً من الشباب اليهود المتعلمين والعلمانيين في إسرائيل يهاجر إلى أوروبا. هؤلاء لا يرون لأنفسهم مستقبلاً آمناً في إسرائيل. كما أن هناك بين الشباب اليهود الذين يعيشون خارج إسرائيل حالة ابتعاد متزايدة عن الصهيونية. ومن أهم أسباب هذا “الطلاق” من الصهيونية هو ما يتعرض له الفلسطينيون من إبادة جماعية. وهناك عدد كبير من اليهود في الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، لا يرغبون في أن يتم ربطهم بإسرائيل.
تطور مشابه يحدث أيضاً في الولايات المتحدة، الحامية الرئيسية لإسرائيل. فالصورة العالمية للولايات المتحدة، مثل إسرائيل، تتراجع إلى مستويات متدنية. وفي مقال نشره في 31 مايو رئيس تحرير موقع “Salon” الإخباري المؤثر في الولايات المتحدة، أندرو أوههير، حمل عنوان: “هل يدرك الأميركيون حقاً مدى كراهية العالم لنا؟”. وبحسب المعلومات التي قدّمها أوههير، شهدت الولايات المتحدة خلال السنوات القليلة الماضية ارتفاعاً كبيراً في طلبات الحصول على جنسيات أجنبية. ويشير إلى أنه نفسه يحمل جواز سفر أيرلندياً، وأن نحو 20 ألف أميركي تقدموا في عام 2025 بطلب للحصول على الجنسية الأيرلندية. كما تقدّم آلاف الأميركيين بطلبات للحصول على الجنسية البريطانية.
وبالمثل، يختار آلاف الأميركيين كندا أيضاً. وكثير من الأميركيين من أصول أوروبية يسعون لبناء حياة جديدة في بلدان أجدادهم. ويلفت أوههير الانتباه إلى أن عالمة الاجتماع كريستين سوراك وصفت الأميركيين الراغبين في الهروب من الولايات المتحدة بأنهم “Armageddon Americans (أميركيّو يوم القيامة)”، ويقول:
“بالنسبة لمن يقرأ هذا المقال، لم يعد سراً أن الانقسام الداخلي الهائل في أميركا، الذي لا يظهر أي علامة على التحسن طوال حياتنا، يدفع عدداً متزايداً من الأشخاص الذين يملكون إمكانات كافية وأنماط حياة مرنة إلى إعادة تقييم خياراتهم. خلال السنوات القليلة الماضية، غادر ما لا يقل عن ثلاثة من زملائي السابقين البلاد مع عائلاتهم بعد تغيير وظائفهم. والأهم من ذلك أنني لا أعرف أي شخص لم يفكر في هذا الموضوع على الإطلاق.”
ويشير المقال إلى أنه من المتوقع أن يرتفع عدد السياح القادمين إلى الولايات المتحدة في عام 2025 من 72 مليوناً إلى 77 مليوناً، إلا أن الرقم الفعلي بقي عند 68 مليوناً. وقد سُجلت تراجعات حادة خاصة في أعداد الزوار القادمين من كندا وفرنسا وألمانيا. وعلى الرغم من أن جزءاً كبيراً من مباريات “كأس العالم لكرة القدم FIFA” سيقام في الولايات المتحدة هذا الصيف، فإن توقعات عدد الزوار جاءت أيضاً أقل من المتوقع. وفي شهر أبريل، انخفض عدد الزوار بنسبة 14% مقارنة بالعام الماضي.
ويلفت أوههير إلى تقرير “مؤشر إدراك الديمقراطية” الذي أعدته مؤسسة “تحالف الديمقراطيات” التي أسسها الأمين العام السابق لحلف الناتو أندرس فوغ راسموسن في الدنمارك، والذي شمل 98 دولة. ووفقاً للمؤشر، تراجع التصور العالمي الصافي للولايات المتحدة بمقدار 38 نقطة. ويشير أوههير إلى أن هذا الاستطلاع، الذي نُشر الشهر الماضي، تم تجاهله إلى حد كبير من قبل وسائل الإعلام الأميركية.
أما الرئيس التنفيذي لشركة “Nira Data” التي أجرت هذا الاستطلاع لصالح “تحالف الديمقراطيات”، الدكتور نيكو ياسبرز، فقد علّق على النتائج قائلاً:
“إن تراجع صورة الولايات المتحدة وازدياد اعتبارها التهديد الأكبر في العالم — إلى جانب التشاؤم السائد في بعض أنحاء أوروبا — أمر مثير للقلق الشديد.”
وبحسب الاستطلاع، تحتل الولايات المتحدة موقعاً بين أكثر خمس دول يُنظر إليها سلباً في العالم، بينما تأتي “إسرائيل” في المرتبة الأولى. كما يشير الاستطلاع إلى تحسن الصورة العالمية للصين منذ عام 2022. ومن بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، تمتلك الصين وحدها صورة عالمية إيجابية صافية. وفي أوروبا، من بين 23 دولة شملها الاستطلاع، ترى 20 دولة أن الصين أكثر إيجابية من الولايات المتحدة، ولا تفضل الولايات المتحدة سوى فرنسا وبولندا وأوكرانيا. والأكثر إثارة أن الولايات المتحدة، ولأول مرة في هذا النوع من الاستطلاعات المنتظمة، أصبحت تُنظر إليها بشكل أكثر سلبية من روسيا.
ومن النقاط اللافتة في الاستطلاع أيضاً قضية القواعد العسكرية الأميركية في الخارج. إذ تمتلك الولايات المتحدة نحو 800 قاعدة عسكرية في مختلف أنحاء العالم. وقد سُئل المشاركون في الاستطلاع عما إذا كانوا يؤيدون وجود قواعد عسكرية أميركية في بلدانهم. ومن بين 97 دولة شملها الاستطلاع، لم تؤيد وجود القواعد الأميركية سوى بورتوريكو وبولندا وإسرائيل وكوريا الجنوبية. أما في جمهورية الدومينيكان ورومانيا واليابان والفلبين فقد انقسمت الآراء بالتساوي. وفي بقية 86 دولة، لم يكن هناك ترحيب بالأغلبية بوجود القواعد الأميركية.
ويؤكد كاتب “Salon” أندرو أوههير في مقاله أن “الحلم الأميركي” يتلاشى، مشيراً إلى أن الإعجاب العالمي بالولايات المتحدة بدأ يتدهور منذ سنوات، وأن العالم بات اليوم مستعداً لـ“الطلاق” من أميركا. ولا شك أن الدعم غير المشروط الذي تقدمه الولايات المتحدة لإسرائيل يلعب دوراً مهماً في وصول صورتها العالمية إلى هذا القاع.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس














