
نور أوزكان إرباي - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
لطالما كان تأثير السياسة الخارجية في الانتخابات الرئاسية الأمريكية أكثر وضوحًا، ولا سيما في الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة وخسرتها أو التي لم يكن الرأي العام يرغب أصلًا في خوضها. فمع أن الولايات المتحدة دخلت تلك الحروب، فإن الرؤساء لم يحظوا بالدعم الشعبي الذي كانوا يتطلعون إليه، ما دفعهم إلى العزوف عن الترشح لولاية ثانية. ومن الأمثلة على ذلك: عدم ترشح هنري إس. ترومان لولاية ثانية بعدما تراجعت نسبة تأييده الشعبي إلى حدود 22% عقب الخسائر الفادحة التي تكبدتها الولايات المتحدة في الحرب الكورية، وكذلك امتناع ليندون ب. جونسون، الذي تولى الرئاسة بعد اغتيال جون ف. كينيدي وفاز بأغلبية ساحقة، عن خوض سباق ولاية ثانية بعد حرب فيتنام. أما جورج هـ. دبليو. بوش، الذي كان رئيسًا خلال حرب الخليج، فرغم أنه بدا وكأنه انتصر في الحرب، فإنه خسر الانتخابات الرئاسية التي خاضها لولاية ثانية بسبب الركود الاقتصادي الكبير الذي شهدته الولايات المتحدة بعد الحرب. والاستثناء الوحيد في هذا السياق كان ابنه جورج دبليو. بوش، الذي تمكن من الفوز بولاية ثانية رغم حربَي العراق وأفغانستان. ويُعزى ذلك إلى استمرار الحربين آنذاك، وحالة الغضب والخوف التي كانت تعيشها الولايات المتحدة، إضافة إلى نجاح الخطاب السياسي الذي قدّم ما يجري في البلدين على أنه «تهديد إرهابي عالمي» مباشر للولايات المتحدة، وهو خطاب «اشترى» الرأي العام، وفقًا لتعبير يُستخدم في أدبيات الاتصال السياسي.
وبوجه عام، فإن الرؤساء الذين تولوا السلطة بعد فترات الحروب انشغلوا خلال ولاياتهم بمحاولة معالجة الركود الاقتصادي والدمار الذي خلفته تلك الحروب، كما حدث في عهدي بيل كلينتون وباراك أوباما، حيث ركزت سياساتهما بدرجة أكبر على ترميم صورة الولايات المتحدة في العالم.
وانطلاقًا من هذه الأمثلة، فإن حرب إيران لن تكون استثناءً. فقد دعم جون كيري، وهو أحد قدامى المحاربين في فيتنام، حرب العراق في البداية داخل الكونغرس، ثم عاد خلال حملته الرئاسية ليعلن معارضته لها، وهو ما مثّل تناقضًا واضحًا وأدى إلى خسارته الانتخابات أمام جورج دبليو. بوش. وعلى غرار كيري، فإن دونالد ترامب أيضًا فاز في انتخابات عام 2016 بشعار «الرئيس الذي ينهي الحروب»، وهو ما يجعل موقفه الحالي، وفق التعبير الشائع في السياسة الأمريكية، يمثل «تقلبًا في المواقف» وتناقضًا كبيرًا. إلا أن كون ترامب يجلس اليوم على كرسي الرئاسة للمرة الثانية يمنحه أيضًا قدرًا أكبر من الحرية لاتخاذ قرارات شخصية، مع شعور بالراحة نابع من قدرته على إكمال ولايته الرئاسية دون أن يضطر إلى خوض انتخابات جديدة أو تقديم حساب سياسي عنها.
فمن سيدفع ثمن هذه التقلبات في السياسة الأمريكية؟
إن فرص الجمهوريين في انتخابات الرئاسة لعام 2028 لن تكون كبيرة إلا إذا لم يواجهوا مرشحًا ديمقراطيًا قويًا للغاية. ولا يخفى على أحد الزخم الذي يحظى به زهران ممداني، رئيس بلدية نيويورك، في الآونة الأخيرة. وإلا فإن حرب إيران، وعدم تحقق الانتعاش الاقتصادي المأمول، وتراجع صورة الولايات المتحدة في العالم، واتساع الشروخ في علاقاتها مع حلفائها على الساحة الدولية، فضلًا عن تصاعد الاستقطاب الاجتماعي في الداخل، كلها عوامل تشير إلى أن المرحلة المقبلة ستكون شديدة الصعوبة بالنسبة للجمهوريين.
ورغم أن توجهات الناخبين تشكل عاملًا مهمًا في الانتخابات الأمريكية، فإن الحسم في النهاية يعتمد على مدى قبول المرشح لدى المجتمع، ومصداقيته، وإلى أي مدى استطاعت حملته الانتخابية أن تسير في خط متماسك ومتسق. وحتى الآن، لم يتبلور اسم واضح لمرشح الحزب الديمقراطي في مرحلة ما بعد ترامب. أما داخل الحزب الجمهوري، فيبرز بعد ترامب اسمان باعتبارهما أبرز الخلفاء المحتملين: نائب الرئيس الحالي جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو.
ورغم أن كليهما يظهران في الدائرة الأقرب إلى ترامب، فإن التنافس بين فانس وروبيو على الترشح للرئاسة بات محسوسًا منذ الآن. وقد حظي الاثنان حتى اليوم بدعم واسع من تيار اليمين الشعبوي الأمريكي المعروف بشعار «لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا» أو اختصارًا ماغا. ويتمتع روبيو، على وجه الخصوص، أيضًا بدعم اللوبي الإسرائيلي. بل إن دعم روبرت مردوخ، إمبراطور الإعلام ومؤسس شبكة فوكس وصحيفة وول ستريت جورنال، له معروف وواضح. وفي المقابل، يزداد يومًا بعد يوم الدعم الذي يحظى به فانس داخل أوساط شخصيات إعلامية يتصدرها تاكر كارلسون، وكذلك داخل قاعدة ماغا الشعبية. ولا سيما خلال حرب إيران، وبعد كشفه عن تدخلات إسرائيل، ومع تزايد الأصوات داخل تيار ماغا، واليسار الليبرالي، والوسط، التي ترى أن إسرائيل لا تخدم المصالح الأمريكية، يمكن القول إن فانس أصبح يتمتع بأفضلية نسبية على روبيو. غير أنه لا يمكن الجزم منذ الآن ما إذا كانت هذه الأفضلية تكتيكية أو مرحلية أو مرتبطة بالموقع السياسي، أم أنها تستند فعلًا إلى سياسة حقيقية تقوم على مبدأ «مصلحة أمريكا أولًا».
ويبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أدرك حجم المنافسة بين فانس وروبيو، لذلك صرّح في شهر مايو، خلال مقابلة في بودكاست بود فورس وان، بأنه يرى أن من الأفضل لهما توحيد جهودهما بدلًا من خوض انتخابات تمهيدية شرسة ضد بعضهما البعض في انتخابات عام 2028. وأضاف أنه يعتقد أن ترشح الاثنين كفريق واحد سيجعل من الصعب جدًا هزيمتهما، لكنه اعتبر أن الحديث عن الانتخابات لا يزال مبكرًا. ومع ذلك، ورغم رغبة ترامب في رؤيتهما كـ«فريق»، فإن طبيعة الشخصيتين وطموحهما السياسي الكبير بدأت تتجلى بالفعل من خلال موقفيهما من حرب إيران. فأسلوب كل منهما في مقاربة السياسة الأمريكية والقضايا الدولية، وخلفيته الفكرية، وقاعدته الانتخابية، والجهات التي تدعمه، فضلًا عن خلافاتهما الواضحة في السياسة الخارجية، كلها أمور أصبحت مكشوفة منذ الآن. وإذا أردنا تلخيص الأمر من خلال حرب إيران وحدها، فإن فانس يقف بوضوح إلى جانب التوصل إلى اتفاق، ويؤكد أن إسرائيل تعمل على إفشال أي اتفاق محتمل. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إنه انعزالي حازم، وواقعي حذر، يوازن بين الربح والخسارة، ولا يفضل الدخول في حروب يستحيل كسبها. أما روبيو، فهو يمثل تيار الواقعية المتشددة والهجومية في السياسة الخارجية الأمريكية. ولذلك، فإن ارتباطاته بإسرائيل في الملف الإيراني، وتمسكه بخطاب «التحالف الذي لا يتزعزع»، يجعلان مواقفه تتحرك في هذا الاتجاه. ورغم أن كليهما يدافع عن القيادة العالمية للولايات المتحدة، فإنهما يفترقان بخطوط حادة فيما يتعلق باستخدام القوة، وتعريف المصالح الأمريكية، ومع من ولأي غرض ينبغي تقاسم النفوذ والسلطة. ومن هذه الزاوية أيضًا، ستكون حرب إيران، كما حدث في الأمثلة التاريخية السابقة، بمثابة ورقة عباد الشمس التي ستحدد هوية المرشح الرئاسي المقبل ومن ستكون له الغلبة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس












