
تورغاي يرلي قايا - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
بعد انتخابات 24 مايو/أيار 2023، أُحيل الانقسام الفعلي الذي ظهر داخل حزب الشعب الجمهوري إلى القضاء إثر الاعتراضات، واستمرت النقاشات الداخلية حتى اليوم رغم تغيّر حدّتها من وقت إلى آخر. أما الصورة التي برزت بعد القرار فتشير إلى أن حزب الشعب الجمهوري لن يكون قادراً على إدارة هذه الأزمة ككل، وأنه قد يتم الاستمرار في المسيرة من خلال حزب جديد. وعلى الرغم من إعطاء الضوء الأخضر لفكرة تأسيس حزب جديد، فإن هناك أيضاً مسعى للبقاء ضمن الهوية المؤسسية لحزب الشعب الجمهوري وإدارة هذه العملية عبر السبل السياسية أو القانونية، ومن ثم إعادة بسط السيطرة على الحزب. وأرى أن شروط النضال الداخلي داخل الحزب، وهو الخيار الثاني، ستستمر لبعض الوقت، وإذا تعذّر تحقيق نتيجة من خلالها، فسيتم مواصلة الطريق عبر حزب جديد.
تمتلك الحياة السياسية التركية رصيداً غنياً للغاية من الحالات التي انتهت فيها الانقسامات داخل الأحزاب إما بصراع داخلي (يفوز فيه أحد الأطراف) أو بتأسيس حزب جديد. فمن ظهور الحزب الديمقراطي نتيجة الاعتراض على سياسات الحزب الواحد التي انتهجها حزب الشعب الجمهوري، إلى تجربتي حزب الأمة وحزب الحرية اللذين نشآ بعد فشل المعارضة داخل الحزب الديمقراطي في تحقيق النجاح داخله، إلى تأسيس الحزب الديمقراطي من قبل المنشقين عن حزب العدالة، وصولاً إلى مثال حديث نسبياً تمثل في مواصلة المنشقين عن حزب اليسار الديمقراطي طريقهم عبر حزب تركيا الجديدة. ومن بين أكثر الأمثلة تجسيداً لهذه التجارب التي أصبح فيها النفاذ إلى الحزب عبر الصراع الداخلي أمراً مستحيلاً، وأصبح البحث عن حزب جديد أمراً لا مفر منه، يأتي حزب العدالة والتنمية بلا شك.
أما التوجّه الآخر، وهو نموذج الصراع الداخلي داخل الحزب، فيتمثل في التغيير السياسي والفاعلي الذي يحدث عبر المؤتمرات الحزبية. فالانقسام الذي بدأ يتبلور بين أجاويد وإينونو في أواخر ستينيات القرن الماضي، والذي تشكّل إطاره الأيديولوجي عبر مفهوم «يسار الوسط»، انتهى بانتصار أجاويد عام 1972، ما أدى إلى تغيّر مهم على مستوى الفاعلين وكذلك على مستوى الإطار الأيديولوجي داخل الحزب. وشهدت أحزاب أخرى تقع في مواقع مختلفة من الطيف السياسي، من اليمين إلى اليسار، صراعات داخلية مشابهة أدت إلى تغييرات داخلية عبر مؤتمرات حزبية اتسمت بقدر كبير من الاحتدام. غير أن وضع حزب الشعب الجمهوري اليوم، عند النظر إليه من خلال أبعاده القانونية والسياسية، يكشف عن مسار يصعب مقارنته بهذه النماذج التاريخية. فالقضية التي وصلت إلى المحاكم من جهة، وعدم استناد الخطابات التي يستخدمها الطرفان للتمييز بين بعضهما البعض إلى إطار أيديولوجي واضح من جهة أخرى، يجعلان حالة الحزب الحالية مختلفة. فكيف يمكن أن تنتهي هذه المناقشات الجارية بين الأطراف في المستقبل القريب؟ وفي أي ظروف يمكن تأسيس حزب جديد؟
أعتقد أن الصراع بين كليجدار أوغلو ودعاة التغيير سيستمر لفترة أخرى داخل الحزب، وأن هذا المسار سيتشكل من خلال مدى حضور خطاب «التطهير» وتأثيره داخل التنظيم الحزبي وفي المجال العام. فإذا جرى تقديم خطاب التطهير بشكل ناجح وواضح الأهداف، وتم تشغيل الآليات الحزبية الداخلية بما يؤدي إلى نتيجة حاسمة ومقنعة، فقد تزداد قوة الإدارة الحالية. ومن هذه الزاوية، فإن أكبر تحدٍّ يواجه كليجدار أوغلو وفريقه يتمثل في توحيد النخب الحزبية والتنظيم الحزبي حول خطاب التطهير، والأهم من ذلك القدرة على شرح هذه العملية لناخبي حزب الشعب الجمهوري. ومن الحتمي أن تمتد هذه الخطة ذات المرحلتين إلى المدى المتوسط والطويل. كما أن مسار الجدل الذي سيدور حول تأثير خطاب التطهير سيكون العامل الأساسي في تحديد ما إذا كان الصراع الداخلي سيستمر أو ما إذا كان سيتم تأسيس حزب جديد.
أما موقف دعاة التغيير خلال هذه الفترة، فيتمثل في السعي إلى موازنة أو الضغط على الإدارة الحالية لحزب الشعب الجمهوري من خلال كل من السياسة الحزبية وحضورهم في الشارع. وتقوم طريقتهم هنا على فتح نقاش حول مضمون خطاب التطهير وشكله، ونقل القضية إلى المجال السياسي البحت، وتفسير العملية برمتها باعتبارها نوعاً من الهندسة السياسية. ويتمثل وجه آخر لهذا التفسير في توصيف أطراف الأزمة داخل الحزب على أنهم «رجال السلطة»، بهدف إدانتهم على مستوى النخب والرأي العام. وإذا نظرنا إلى مجموعة المفاهيم التي جرى تداولها بكثرة في وسائل الإعلام، وإلى حد ما في النقاشات الأكاديمية، بشأن كليجدار أوغلو خلال الأيام الأخيرة، فسيتضح بسهولة أن للقضية أيضاً بُعداً نفسياً.
أما إذا لم تُثمر الجهود التي يبذلها دعاة التغيير لإبطال مفعول خطاب التطهير، ولم يبقَ لهم أي مجال للمناورة القانونية أو السياسية داخل الحزب، فإن اللجوء إلى أسلوب جديد سيصبح أمراً لا مفر منه. ولن يكون ذلك إلا من خلال تأسيس حزب جديد أو الالتحاق بحزب قائم. غير أن تأسيس حزب جديد يبدو خياراً يرغب دعاة التغيير في تأجيله لبعض الوقت بسبب تحديات التنظيم والتمويل وغيرها من الصعوبات. وفي مسار هذه الأزمة لن يكون الصراع سياسياً وقانونياً فحسب، بل ستكون هناك أيضاً مواجهة نفسية شديدة الأهمية. والطرف الذي سينتصر في هذه المواجهة متعددة الأبعاد وعلى المدى المتوسط والطويل سيكون قادراً على الاحتفاظ إلى جانبه بكل من المكاسب التي أوجدتها الهوية المؤسسية لحزب الشعب الجمهوري وقاعدته الانتخابية.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










