يوسف كابلان - يني شفق - ترجمة و تحرير ترك برس

أدلى وزير داخليتنا السيد مصطفى تشيفتشي بتصريح تاريخي للغاية خلال اجتماع الجمعية العمومية لمؤسسة توغفا، فقال: «أدعو ربي أن يجعلني والياً على القدس ولو ليوم واحد فقط».

وهنا بالضبط اندلعت العاصفة.

لقد تعرض لهجوم هائل إلى درجة أن من يراه يظن أن البلاد واقعة تحت الاحتلال!

نعم، البلاد ليست محتلة فعلياً، لكنها محتلة ذهنياً!

فالوزير ليس لديه همّ إطلاق الشعارات الحماسية، ولا يمكن أن يكون لديه ذلك أصلاً. إنه مسلم جميل صادق للغاية، مثقف ومؤهل، قوي الإرادة، صاحب سلطة، لكنه في الوقت نفسه شديد الشفقة والرحمة. إنه تماماً النموذج المنشود لوزير داخلية: ابن الدولة العثمانية.

حلم القدس ودعاؤها

أرجوكم انظروا عن كثب إلى الأرضية الإقليمية والعالمية التي أدلى فيها الوزير بهذا التصريح...

اليونان تُسلَّح بسرعة. فهي تُزوَّد بالسلاح من كل جانب، من تراقيا إلى الجزر، من قبل الولايات المتحدة في المقام الأول، إضافة إلى إسرائيل وفرنسا وبعض دول الاتحاد الأوروبي الأخرى.

كما تتولى الإدارة الرومية رئاسة الاتحاد الأوروبي الدورية، وسرعان ما تُفتتح سفارات متبادلة مع كازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان، بل ومع ما يقرب من جميع الجمهوريات التركية، ليصبح بذلك الادعاء بأن تركيا دولة احتلال أمراً معترفاً به حتى من قبل الجمهوريات التركية نفسها!

إنه أمر لا يكاد يُصدَّق!

ولكن مقابل ماذا؟

في الظاهر مقابل 12 مليار دولار، أما في الحقيقة فمقابل الدخول تحت ما يُسمى «الأجنحة الآمنة» لإسرائيل، التي بات واضحاً كوضوح النهار أنها تهيمن على النظام العالمي، وهو أمر يدركه الجميع.

إنها حالة كاملة من فقدان العزة!

ومن يقف وراء كل ذلك داعماً من الخلف هي الإدارة الإسرائيلية المحتلة، الشريرة، المثيرة للفتن، ومرتكبة الإبادة الجماعية. فهي تطبق في القسم الرومي من الجزيرة استراتيجية شراء الأراضي بشكل مستمر، وهي الاستراتيجية ذاتها التي طبقتها في فلسطين، أي السيطرة على الأرض ثم الاستيلاء على البلاد تدريجياً.

كما تعارض إسرائيل بشدة تقنين تركيا لخريطة «الوطن الأزرق». ولذلك فهي تريد تطويق تركيا في المشرق (شرق المتوسط) براً وبحراً ومن خلال الجزر، وتسعى إلى دفع حتى الجمهوريات التركية ضد تركيا وإغرائها بذلك، لإدانتها بالعزلة وخنقها بحرمانها من أي متنفس.

ولا يمكن الصمت على ذلك.

وأجمل رد على عملية التطويق هذه يأتي عبر وزير داخليتنا!

ففي مرحلة تُحاصر فيها تركيا من كل الجهات، يعلن وزير داخليتنا «دعاءه بأن يصبح والياً على القدس»!

وهذا في الحقيقة تحرك استراتيجي بالغ الأهمية. إنه خطوة ستجعل الجميع يعيش الكابوس الذي يستحقه. إنه تذكير للأعداء بالروح العثمانية والأفق العثماني.

ولكن ما هي الروح العثمانية والأفق العثماني؟

الروح العثمانية والأفق العثماني

قدمت الدولة العثمانية للبشرية جمعاء حضارة قامت على ثلاثة أعمدة. إنها قارة لم تُكتشف بعد: «تيرا إنكوغنيتا». إنها تجربة حضارية من الحجم والمستوى والسمات التي إذا اكتُشفت يوماً فستوقظ البشرية وتهزها من سباتها.

والأعمدة الثلاثة التي يحتاج إليها البشر كما يحتاجون إلى الخبز والماء، والمبادئ الثلاثة الرائدة في كل واحد منها، هي كالتالي:

• في عمود دار الإسلام (مرحلة مكة / وطن الإسلام): مبدأ العدالة.

• في عمود دار السلام (مرحلة المدينة / وطن السلام): مبدأ الإنصاف.

• في عمود دار الإنسان (مرحلة الحضارة / وطن الإنسانية): مبدأ الرحمة.

إنها ثلاثة مبادئ أساسية قادرة على تحويل العالم إلى مكان صالح للعيش. إنها كنز عظيم نجلس فوقه من دون أن ندركه.

فالعثمانيون لم يقضوا على الأديان والثقافات الأخرى كما فعل الغربيون، بل عملوا على إحيائها جميعاً.

ولم يرتكبوا الإبادة الجماعية أو الاغتصاب أو المجازر كما فعل الغربيون.

لقد منحوا حق الحياة لكل من راعى المبادئ الوجودية الخمسة الأساسية التي أراد الإسلام الحفاظ عليها (والمتمثلة في ضمان أمن العقل والدين والنسل والنفس والمال، والمعروفة بمقاصد الشريعة).

ولا تزال المساجد والكنائس والمعابد اليهودية قائمة جنباً إلى جنب في جميع المدن التي فتحها العثمانيون في الأناضول والبلقان وشمال أفريقيا والمشرق (شرق المتوسط). أما في المدن الغربية التي أُبيد فيها المسلمون، فقد دُمرت المساجد ومُحيت آثار الإسلام.

إن أبناء العثمانيين يظنون أن العيش كمهرجين للغربيين في عالم الغرب هو التحرر!

إنه انتصار التمنكرت!

انتصار التمنكرت!

نعم، القضية هي هذه بالضبط.

ومع ذلك، فإن كتّاباً غربيين يرون مدى حاجة العالم إلى التجربة الحضارية العثمانية المنفتحة والشاملة التي تمنح الجميع حق الحياة، ولذلك ينشرون مقالات وكتباً بعنوان: «تعالِ أيها العثماني!».

ولهذا أقول باختصار:

لم يتم تجاوز العثمانيين.

ولم يتم فهم العثمانيين.

ولأن العثمانيين لم يُفهموا، لم يُفهم أيضاً أنهم لم يُتجاوزوا.

أما الذين يرون العثمانيين إمبرياليين، ويخيفون حتى أبناء العثمانيين بوصمهم بـ«العثمانية الجديدة»، فهم بائسون وصلوا إلى درجة من الشلل الذهني تمنعهم من رؤية أنهم أبناء الإمبريالية نفسها.

وأما الذين يفهمون الفيدرالية كلما ذُكر العثمانيون، أو الذين يتهمون الآخرين بأنهم رجال السفير الأميركي توم باراك، فهم غرباء تماماً عن الدولة العثمانية وروحها وأفقها الحضاري، أو أنهم عملاء للشبكات العالمية.

لقد طرحت هذا الموضوع على حسابي في وسائل التواصل الاجتماعي. ورأيت تحت المنشور أشخاصاً يهاجمون العثمانيين بشراسة، من القوميين الأتراك وأولئك الذين يرتدون زي الكماليين وهم في الحقيقة أبناء بيزنطة. فالحضارة اليونانية التي أهدت العالم أرسطو وأفلاطون لا تزال حية وتُبعث بعد مرور 2400 عام على انسحابها من التاريخ، أما الدولة العثمانية، آخر ممثل للحضارة الإسلامية التي أنجبت ابن خلدون وابن عربي وابن سينا وسنان وإتري وعلي قوشجي ومولانا ويونس، فتُهان في هذا البلد!

إنها مأساة تركيا التي تحولت إلى كوميديا سوداء!

وأقولها بوضوح وصراحة:

لقد زالت الدولة العثمانية فعلياً (جسدياً) لأنها قاومت الرأسمالية؛ لكنها لا تزال حية بالقوة (روحياً) لأنها قاومت الرأسمالية.

أما الذين يهاجمون الروح المحيية والأفق الحضاري للعثمانية، المستمدَّين غذاءهما من المدينة المنورة واللذين يمنحان الجميع حق الحياة، فهم حمقى مقلوبو الفطرة وقعوا في عشق جلاديهم إلى درجة أنهم لم يعودوا يرون ما حلّ بهم!

وليُعلم أن كل من يهاجم العثمانيين هو شخص بعيد كل البعد عن روح الحضارة العثمانية وأفقها، وقد تحول إلى عبد معرفي عاجز عن فهم التصريح الذكي الذي أطلقه الوزير والذي سيبقى درساً تاريخياً؛ فهو إما نوع من السذج، أو من الحالمين ببيزنطة، أو من الممنكرتين والمجندين الذين يُظهرون عداءهم للإسلام بهذه الطريقة، أو طفيلي يعشق جلاده كجرادة مقيدة بسلسلة.

والسلام.

عن الكاتب

يوسف كابلان

كاتب في صحيفة يني شفق


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس