
إبراهيم قراغول - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
ستستضيف تركيا، ربما، أهم قمة في هذا القرن. وربما يعقد أعضاء حلف شمال الأطلسي أكثر اجتماعات القرن الحادي والعشرين حساسية. ففي مرحلة تشهد فتوراً في العلاقات بين الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، وتصاعداً في الخلافات داخل أوروبا، وتحول تركيا إلى قوة عسكرية هائلة، لن تبقى هذه القمة مجرد قمة للناتو.
فهل سيتمكن التحالف الغربي، الذي انتصر في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وخرج منتصراً من الحرب الباردة، لكنه عجز عن مواصلة هذا التفوق، ويواجه اليوم تحديات كبرى بعدما فقد قدرته على إدارة العالم، من استعادة قوته السابقة، ولو على سبيل اليأس؟
لن تكون هناك بعد اليوم عولمة غربية أو نظام عالمي غربي.
هل بقي اليوم شيء من مفاهيم مثل "العولمة الغربية" أو "النظام العالمي الغربي"؟ ففي وقت تتقلص فيه الجغرافيا التي يهيمن عليها الغرب ومجال نفوذه، وتظهر قوى عظمى جديدة، وتعيش حتى الدول التي كانت مستعمرات قديمة حالة من الصحوة الوطنية، وتتشبث الدول بمواردها وتمنع الغرب من نهبها، لن يكون قيام نظام غربي جديد أمراً ممكناً بعد الآن. وتفتح قمة الناتو في أنقرة الباب أمام مناقشة كل ما يتعلق بتركيا والعالم بلغة جديدة، وصياغة رؤى جديدة. فبدلاً من القوالب الذهنية القديمة، نحن بحاجة إلى قراءة جديدة لموازين القوى، تستند إلى حقائق الحاضر والمستقبل، وإلى عودة الإمبراطوريات الكبرى في التاريخ إلى مسرح الأحداث.
الأمر يتعلق بتحول تركيا إلى قوة عظمى أكثر من تعلقه بإنقاذ الناتو.
لقد فقد التحالف الغربي، الذي دعم وأغذى الإبادة الجماعية في غزة حتى الأمس القريب، أي تأثير أخلاقي على الأسرة الإنسانية. ولم يعد لدى الذين دمروا منطقتنا بأكملها خلال العقود الثلاثة الماضية أي بشرى طيبة يقدمونها لنا أو للأسرة الإنسانية. فالذين لم يبق في أيديهم سوى السلاح والقوة، لم تعد لديهم أهلية قيادة البشرية. ولهذا فإن هذه ستكون، في الحقيقة، قمة لتركيا أكثر منها قمة للناتو. وستكون مؤشراً، أكثر من كونها محاولة لإنقاذ الناتو، على صعود تركيا إلى المسرح الكبير، وعلى قبول التحالف الغربي بذلك أيضاً. والسبب الذي يدفع تركيا إلى إيلاء هذه القمة كل هذه الأهمية لا يتعلق بالناتو بقدر ما يتعلق بإعلان تحول تركيا إلى قوة عظمى.
تركيا تجلس إلى "الطاولة" للمرة الأولى، لا كدولة خط مواجهة، بل كدولة راعية وصاحبة قرار.
بعد مئتي عام، تجلس تركيا للمرة الأولى في تاريخها إلى طاولة المفاوضات من موقع القوة الأكبر. فهي لا تجلس كدولة خط مواجهة، بل كدولة راعية وصاحبة قرار. ولا تجلس كدولة أناضولية فحسب، بل كقوة جغرافية. ولا كدولة قومية خاضعة للوصاية أُقيمت بديلاً عن الدولة العثمانية، بل كقوة عظمى في القرن الحادي والعشرين. وللمرة الأولى في تاريخها الممتد على مدى القرنين الأخيرين، تشارك تركيا في قمة بصفتها قوة كبرى تعيد تشكيل مجال نفوذها، وتصوغ الجغرافيا، وتشرع في إعادة بناء التاريخ، وأصبحت القوى التي كانت توصف في الماضي بأنها "أصحاب القرار" في حاجة إليها. إنها تجلس لا باعتبارها دولة يُحدد لها الدور، بل باعتبارها عقلاً يتخذ القرار.
على مدى أربعين عاماً، جاءت جميع التهديدات من الغرب ومن الناتو.
هناك اليوم تركيا تحولت من دولة كانت، منذ انضمامها إلى الحلف، تحمي الحدود الغربية، وتُعامل في بعض الأحيان كأنها "مرتزقة مأجورون"، وتقاتل في أنحاء العالم دفاعاً عن الحلف، من دون أن تجد داخل الحلف أي تضامن مع التهديدات التي كانت تواجهها، إلى قوة عسكرية قادرة على حماية أوروبا.
وبما أن هذه القمة بهذه الدرجة من الأهمية، فلنتحدث بصراحة: إن جميع التهديدات الأمنية التي تعرضت لها تركيا خلال الأربعين عاماً الماضية جاءت من التحالف الغربي ومن حلف شمال الأطلسي. فحرب حزب العمال الكردستاني والحرب العرقية التي استمرت أربعين عاماً، وكذلك تنظيم غولن والانقلاب الذي وقع في الخامس عشر من يوليو/تموز، كلها جاءت من الغرب ومن الناتو.
تركيا واجهت جميع هذه التهديدات وحدها...
إن مخططات إضعاف تركيا، وفصلها عن محيطها الجغرافي، ومحاصرتها بالانقلابات في الداخل و**"التهديدات القادمة من الجوار"** في الخارج، كلها جاءت من التحالف الغربي ومن الناتو. كما أن الخطط الإقليمية للغرب وللناتو، التي صيغت وفقاً للمصالح الأمنية لإسرائيل، ألحقت أضراراً جسيمة بتركيا، ولا سيما خلال العقود الثلاثة الماضية. وقد ألحقت التدخلات الغربية، التي بدأت باحتلال أفغانستان والعراق وأدت إلى تدمير المنطقة، أضراراً كبيرة بعلاقات تركيا مع محيطها الجغرافي. وخلال كل ذلك، لم تؤخذ حساسيات تركيا في الحسبان ولو بأدنى قدر. وقد دفعت تركيا، دولةً وشعباً، وحدها أثماناً باهظة لهذه السياسات، ومع ذلك واصلت أداء التزاماتها داخل الحلف بحسن نية كبير.
هل تجعلنا تصفيقات اليوم ننسى "الأمس"؟ وهل تعمينا؟
لكن معادلات القوة العالمية تغيرت الآن. ورغم أن التصفيق القادم من دول الناتو ومن الدول الأوروبية يسرنا، فإن تركيا لم تعد تلك الدولة التي تُدفع من جبهة إلى أخرى من دون أن يكون لها أي دور في صناعة القرار. ولنقلها بوضوح: لقد حققت تركيا أكبر انتصاراتها عندما أفشلت التهديدات التي وجهتها إليها دول حلف شمال الأطلسي. ففي الوقت الذي كانت فيه تربطها بهذه الدول علاقات عضوية وتحالف، كانت كثير من دول الحلف تخوض ضدها حرباً خفية. ولن تجعلنا التصفيقات المتصاعدة ننسى "الأمس." ومن الآن فصاعداً، ستُبنى الطاولات وفق ما تفرضه معادلات القوة، ووفق أولويات تركيا باعتبارها قوة جغرافية، بل وقوة عظمى.
إنه إعلان التحول إلى قوة عظمى... والغرب بات يعترف بذلك أيضاً!
إن القمة التي تبدأ اليوم في أنقرة ستكون قمة "إنقاذ الناتو" بالنسبة إلى الحلف، وقمة "تحول تركيا إلى قوة عالمية" بالنسبة إلى تركيا. وبعد هذه القمة، سيكون قد أُعلن عن تركيا جديدة. وسيتغير إلى حد كبير مسار علاقاتها مع محيطها الجغرافي، وكذلك علاقاتها مع الغرب. إن مسيرة الصعود التي بدأت بعد تأسيس الجمهورية قد انطلقت فعلاً منذ زمن. وسيكون هذا المؤتمر هو اللحظة التي تعترف فيها الدول الغربية بذلك أيضاً. لقد أصبحت تركيا اليوم واحدة من أقوى صناع القرار على جميع الطاولات. وسيُلمس الأثر التاريخي والجغرافي لهذا الصعود بوضوح أكبر، سواء في الشرق أو في الغرب. لقد تعاملت تركيا دائماً بإخلاص مع أوروبا والولايات المتحدة، لكن السياسات المزدوجة كانت تأتي دائماً من جانبهما. أما اليوم، فقد انتهى زمن "الابتسام في الوجه والتآمر من الخلف." ولن يجدي هذا الأسلوب نفعاً بعد الآن.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس













