
يحيى بُستان - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
بينما تقرأون هذه السطور، ستكون قمة حلف شمال الأطلسي قد بدأت. نحن نعيش 48 ساعة ستدخل تاريخ العلاقات الدولية. واللقاء الذي يترقبه جميع المشاركين في القمة بلا شك هو الاجتماع بين الرئيس رجب طيب أردوغان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وذلك للأسباب التالية:
أولاً: يأتي ترامب إلى أنقرة في إطار "زيارة رسمية". وكنا قد كتبنا سابقاً أن هذا يعني: "أنا قادم للقاء أردوغان، وما دمت قد جئت فسأشارك أيضاً في قمة حلف شمال الأطلسي."
ثانياً: تنتظر الدول الأعضاء من أردوغان أن يقنع ترامب بألا يندفع نحو المواقف المتطرفة.
ثالثاً: سيكرس هذا اللقاء مسار العلاقات التركية-الأمريكية التي دخلت مرحلة جديدة. فالبلدان يتفقان إلى حد كبير على "الصورة الكبرى" (وقد وصفناها بإيجاز في المقال السابق). وليس من قبيل المصادفة أن يرغب ترامب في لقاء أحمد الشرع. ولكن... من غزة إلى إيران، ومن سوريا إلى العراق، ومن القوقاز إلى البلقان وآسيا الوسطى وأفريقيا، من غير الطبيعي أن يظل البلدان، اللذان يجريان هذا القدر من الاتصالات بشأن القضايا الاستراتيجية، يناقشان حتى الآن ملف العقوبات. فالكرة الآن في ملعب الولايات المتحدة فيما يتعلق بعقوبات كاتسا وملف إف-35. وإذا كان بعض الأسماء المؤثرة داخل فريقه يبطئون هذه العملية، فعلى ترامب أن يهتم بذلك.
قزل إلما... تايفون... إرين...
يشكل منتدى الصناعات الدفاعية في قمة حلف شمال الأطلسي حدثاً قائماً بذاته. فهو يمثل أرضية مهمة لانتقال أعضاء الحلف من الدفاع المشترك، وربما إلى الإنتاج المشترك. كما ستُطرح خلال القمة العديد من مذكرات التفاهم التي ستوقع عليها أنقرة أيضاً.
فتركيا تمتلك اليوم منظومة دفاعية عملاقة. إذ يعمل في هذا القطاع نحو أربعة آلاف شركة، ويضم ما يقارب 130 ألف شخص. ولا شك في أن المنتجات التركية تحظى باهتمام كبير في الخارج. من قزل إلما، ومشروع قان، والطائرات المسيّرة المسلحة، والطائرات الانتحارية المسيّرة، والصاروخ الباليستي تايفون بلوك 3 الذي أصاب هدفاً متحركاً قبل أيام، وتطوير قدرة إطلاق صواريخ جو-جو من الطائرات المسيّرة المسلحة (إرين)، وأنظمة الحرب الإلكترونية، وصناعة السفن القوية، وقدرات إنتاج ذخائر المدفعية، وغيرها.
وبالمناسبة... كان وزير الدفاع الوطني يشار غولر قد قال قبل أيام: "إننا نقيّم جميع الخيارات، بما في ذلك شراء منظومتي سامب-تي وباتريوت لتعزيز الدفاع الجوي." ولا أتوقع شراء منظومة باتريوت، لكن لدي توقع بأن تُتخذ خطوة على المدى القريب بشأن شراء منظومة سامب-تي.
الأهمية الاستراتيجية لقبرص ازدادت
لنغلق الحديث عن القمة، ولننتقل إلى موضوع آخر: قبرص.
في نهاية المطاف، يُعاد تسخين هذا الملف خلال الأسابيع القليلة الماضية. لماذا؟ لأن لكل طرف أسبابه المختلفة.
أولاً: بينما تغلق تركيا ملفاتها واحداً تلو الآخر، من سوريا إلى مشروع تركيا الخالية من الإرهاب، ومن العراق إلى أرمينيا، فإنها ستوجه طاقتها بعد ذلك إلى بحر إيجة (مثل مشروع قانون مناطق الصلاحيات البحرية على سبيل المثال) وإلى قبرص.
ثانياً: يرى الثنائي الرومي-اليوناني "الموجة القادمة"، ولذلك يريد استباقها، وإن أمكن تسميم العلاقات التركية-الغربية التي بدأت تتشكل من جديد عبر بوابة قبرص.
ثالثاً: يسعى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى تحقيق نتيجة في هذا الملف قبل انتهاء ولايته.
رابعاً: لدى الولايات المتحدة مقاربة تقوم على أن "تركيا وليبيا واليونان ومصر ينبغي أن تتحاور بشأن شرق البحر المتوسط."
خامساً: تمثل قبرص عبئاً بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، لأنها تعرقل اتخاذ قرارات تتعلق بالقضايا الاستراتيجية التي تخص تركيا.
سادساً: بسبب الحرب مع إيران وقضايا الطاقة، ازدادت الأهمية الاستراتيجية لقبرص بالنسبة إلى الجميع. وهناك محاولات لتغيير الوضع القائم.
ذلك المشروع لم يُطرح في الاجتماعات الثنائية
في ظل هذه الظروف، يريد الأمين العام للأمم المتحدة إعادة اختبار الظروف اللازمة لاستئناف المفاوضات في الجزيرة. وتورد الصحافة الرومية بعض الادعاءات تحت عنوان "تفاصيل من مشروع اتفاق الأمم المتحدة."
وبحسب الرواية الرومية، يُقترح في قبرص نظام رئاسة دورية، ومجلس مشترك لاتخاذ القرارات في السياسة الخارجية، وغيرها من الآليات. وإذا تم اعتماد المشروع، فسيبدو من وجهة نظر الجانب التركي اتحاداً كونفدرالياً، بينما سيبدو من وجهة نظر الجانب الرومي اتحاداً فيدرالياً. كما ستُنقل مسؤولية أمن قبرص إلى حلف شمال الأطلسي، وبالتالي لن تبقى هناك حاجة إلى الضمانة التركية، وسيُسحب جزء من القوات التركية من قبرص، وستُسلَّم بعض المناطق في الشمال إلى الشطر الرومي، وغير ذلك.
وقد ورد في البيان التركي-الأوروبي المشترك، الذي صدر عقب الزيارة الثلاثية رفيعة المستوى التي قام بها مسؤولون من الاتحاد الأوروبي إلى أنقرة قبل أيام، تأكيد على "دعم جهود الأمين العام للأمم المتحدة بشأن القضية القبرصية." وقد دفعني ذلك إلى البحث في خلفيات الموضوع. وأنقل إليكم ما سمعته:
أولاً: إن الادعاءات الواردة في وسائل الإعلام الرومية لم تُطرح في الاجتماعات الثنائية التي كانت تركيا طرفاً فيها. وإذاً، فإن الثنائي الرومي-اليوناني يحاول جس نبضنا. وأقرب الحلول إلى الواقعية في القضية القبرصية هو تعايش الدولتين في الجزيرة جنباً إلى جنب. أما المقاربات التي تتجاهل المساواة السيادية للقبارصة الأتراك ومكانتهم الدولية المتساوية فلن تؤدي إلى أي نتيجة. وفي المقابل، يعمل الجانب الرومي على تغيير الوضع القائم من خلال توقيع اتفاقيات مع إسرائيل وفرنسا. وفي ظل هذه الظروف، فإن أي مبادرة قد تطلقها الأمم المتحدة ستكون فرص نجاحها محدودة.
تحذير فرنسي داخل الأمم المتحدة
ثانياً: تسبب الاتفاق الذي أبرمه الشطر الرومي مع فرنسا بشأن "الوجود العسكري في قبرص" في انزعاج كبير داخل أنقرة. ويُصنف هذا التطور على أنه "تهديد عسكري." وكانت هذه المخاوف قد أُبلغت بالفعل إلى فرنسا. وسمعت أنه خلال الاجتماعات التي جرت مع الأمم المتحدة بشأن قبرص، جرى توجيه الرسالة التالية: "إما أن تثيروا أنتم هذه القضية، أو سنبدأ نحن بطرحها."
ثالثاً: إذا كان هناك من يعتقد أن تركيا ستتراجع عن صفة الدولة الضامنة، فهو مخطئ. ولا يمكن أن يكون هناك أي حديث عن انسحاب القوات التركية من الجزيرة. كما أن مقترحات الفيدرالية أو الكونفدرالية لم تعد مقبولة بعد كل ما جرى خلال العقود الماضية. فلا تراجع بالنسبة إلى القبارصة الأتراك عن مبدأ التمثيل المتساوي، والمساواة السيادية، ونهج الدولتين المنفصلتين. أما التعديلات الإقليمية التي يُقال إنها واردة في المشروع الحالي، فقد كانت موجودة أيضاً في خطة عنان، لكن الجانب الرومي رفض تلك الخطة. لقد جرت مياه كثيرة تحت الجسر في قبرص.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس












