ترك برس

تتجه الأنظار إلى مشروع الممر البري بين السعودية وتركيا بوصفه خطوة استراتيجية قد تعيد تشكيل خريطة التجارة في الشرق الأوسط، في ظل تزايد التحديات التي تواجه طرق النقل البحرية. ويعكس المشروع تحولا نحو تعزيز الربط الإقليمي عبر مسارات آمنة وأقصر، بما يفتح آفاقا جديدة لحركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.

وفي مقال له على موقع "تلفزيون سوريا"، قال الباحث محمود سمير الرنتيسي إنه خلال السنوات الأخيرة وقبل اندلاع الحروب في أوكرانيا والمنطقة، عاد الزخم للممرات البرية بشكل عام لعدة أسباب مرتبطة بالاقتصاد العالمي والتحولات التكنولوجية فالعولمة راكمت اعتمادا ضخما على النقل البحري الرخيص ثم اصطدمت بسلاسل توريد معقدة وحساسة لأي تعطيل، وقد أطلقت الصين مبادرة الحزام والطريق مما دفع القوى الأخرى للتفكير في ممراتها الخاصة.

وأضاف: ومع أزمة مضيق هرمز والتهديدات بإغلاق باب المندب وتأثر قناة السويس تضاعفت أهمية الممرات البرية، وتضاعفت رغبة الدول في البحث عن ممرات آمنة، وفيما يتعلق بمنطقتنا كان هناك سؤال مطروح دوما كيف يمكن وصل الهند والخليج مع أوروبا من خلال منطقتنا بطرق توفر الوقت والمسافة والمال وبدون المرور من المضائق البحرية التي قد تضيق لتمنع هذا المرور.

وفيما يلي تتمة المقال:

وفي هذا السياق برزت عدة أفكار لمشاريع طموحة وكان منها الخط البري السعودي التركي مرورا بالأردن وسوريا كخط يعيد رسم خارطة التجارة والطاقة في منطقة الشرق الأوسط ويتنافس هذا الخط مع خط آخر هو الممر الاقتصادي بين الهند واسرائيل وأوروبا مرورا بالخليج والأردن ويجمع بين البحر والسكك الحديدية لربط الهند بالخليج ثم بأوروبا وتم إعلانه في قمة مجموعة العشرين في الهند في 2023 وهو أيضا خط أكبر من إقليمي إذ ينافس مبادرة الحزام والطريق الصينية. ولعل مشكلته السياسية هو إسرائيل لأنه صُمم ليخدم فكرة دمج إسرائيل في المصالح الاقتصادية مع السعودية والخليج وقد طرحه نتنياهو بوصفه مشروعا يعيد تشكيل الشرق الأوسط.

وحسب التطورات الأخيرة فقد وقع وزيرا النقل السعودي والتركي مذكرتي تفاهم ثم تم عقد اجتماع ثلاثي في عمان ضم وزراء النقل السوري والأردني والتركي وهذه التطورات تشير إلى أن الأطراف تولي البعد الفني جدية كبيرة وقد تجاوزت موضوع التصريحات التي تنظر للفكرة إلى الحديث عن جداول زمنية للتنفيذ.

وتشير المعلومات الأولية إلى أن التنفيذ قد يحتاج إلى 3 سنوات وأن المشروع سيبنى بطريقة قابلة للتوسع لاحقا لتشمل خطوط طاقة وانابيب وليس مجرد مسار شاحنات وقطارات فحسب وبالتالي يقدم الممر بديلا آمنا نسبيا لحركة التجارة والطاقة العالمية.

ويملك الخط السعودي التركي عبر سوريا مزايا نوعية تجعله بديلا مهما لدول الخليج وتركيا وسببا لقلق اسرائيلي كبير فهو أولا يتجاوز إسرائيل ولا يمر بأي ميناء أو خط داخلها وبالتالي لا يجعل خيارات دول الخليج أحادية ولا يجعلها مرتبطة فقط ببنية إسرائيلية تحتية وهو ما يوسع هامش مناورتها أمام الضغوط عليها للدخول في عملية تطبيع مع إسرائيل.

ويعتقد أن الممر السعودي التركي عبر سوريا يقلل زمن النقل بين آسيا وأوروبا بنحو الثلث ويختصر آلاف الكليومترات مقارنة بالمسارات البحرية الطويلة عبر قناة السويس، كما أن عدم وجود مضائق وموانئ في طريق الممر يخفف من الكلفة إذ لا حاجة لدفع كلفة عبور في ظل وجود كلفة عالية لأجور الموانئ والتأمين.

من زاوية أخرى يحول الخط السعودي التركي عبر سوريا والأردن كلاً من سوريا والأردن إلى عقد عبور مهمة لا يمكن الاستغناء عنها في الوقت الذي كان يتم التعامل معها سابقا كممرات مهمشة لعقود، وهذا سيجعلها تجني دخول جديدة من الرسوم واستثمارات في البنى التحتية وفرص عمل وستزيد مكانتها ووزنها في الحسبة الإقليمية بسبب هذه الممرات.

بالنسبة لسوريا تحديدا التي تعتبر قلب المشرق فإنه بعد سنوات طويلة من الحروب والأزمات والعقوبات يعود المشرق ليظهر كمركز لوجستي ويضع نفسه في قلب ممرات الطاقة وبالتالي سيزيد من تأثير سوريا كما ذكرنا.

ويضاف لما سبق فكرة مشروع البحار الأربعة الذي يهدف لربط الخليج والبحر المتوسط وبحر قزوين والبحر الأسود وتقوم الفكرة على أن تتحول الأراضي السورية لمنصة عبور بين هذه الأحواض البحرية عبر تطوير سكك الحديد والطرق وخطوط الطاقة، وهذا يحول سوريا لعقدة تربط مناطق عدة في العالم.

إن هذا الخط هو خط إقليمي صمم من دول في المنطقة ولم يفرض بإرادة خارجية ولذلك فإن قدرة دول المنطقة على الاستفادة منه ستكون أكبر وستكون القرارات بشأنه أقرب إلى أيدي دول المنطقة منها إلى العواصم الغربية.

أما النقطة الأخرى في مزايا هذا الممر فإن هذا العمل المشترك بين الرياض وأنقرة ودمشق سيكسب العلاقة بين هذه العواصم بعدا جديدا يخدم التموضع الجيوسياسي والتحالفات الناشئة التي كان الحديث عنها خجولا ومبكرا. وبالتالي تعد هذه خطوة عملية للربط بين عواصم سياسية متقاربة فيما بينها.

إن التحاق الهند بهذا الممر سيضعف من ابتزاز إسرائيل لها ولذلك من المتوقع أن هذا المشروع يسبب ذعرا لإسرائيل ولعل جزءا من الهجوم على الرئيس التركي من قبل مسؤولين إسرائيليين هو المضي في هذا المشروع، وفي هذا السياق كتبت صحيفة يديعوت أحرونوت مقالا يتناول التنافس بين هذا الممر والرؤية الإسرائيلية وكان عنوان المقال هو : " أردوغان والشرع يدوسان إسرائيل". وإن إشراك سوريا ولبنان لاحقا سيعزز من ربط هذه الدول بمعادلة شرق المتوسط أيضا وهو ما يضرب الخطط الإسرائيلية التي كانت تعتمد على إقصاء دول المنطقة والعمل مع كل من اليونان وقبرص الرومية.

يعتقد أن عملية إعادة رسم خرائط التجارة من خلال هذه الممرات يعني إعادة توزيع الأوزان في النظام الإقليمي وهذا سيؤثر على وضع المنطقة في النظام الدولي وسيشكل حماية لسوريا من الاعتداءات الإسرائيلية وفي الوقت نفسه لا يتوقع أن تتراجع إسرائيل عن فكرة الممر الذي يمر من خلالها ولكنها أيضا ستسعى لإفشال أي مشاريع أخرى ومن هنا يبرز التحدي أمام هذا المشروع الطموح وتبرز إسرائيل مرة أخرى كتهديد للمنطقة ومشاريعها المستقبلية.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!