أحمد شوقي عفيفي - خاص ترك برس

إذا نظر إلى العلاقات بين بنغلاديش وتركيا من زاوية الدبلوماسية التقليدية وحدها، غابت كثير من أبعادها الحقيقية. فهذه العلاقة لم تقم على المصالح السياسية فحسب، بل تشكلت عبر تاريخ طويل من التقارب الروحي والوجداني والشعور المشترك بالانتماء إلى الأمة الإسلامية.

ورغم البعد الجغرافي واختلاف اللغة والثقافة، ظلت بين الشعبين روابط من المودة والتعاطف امتدت لأكثر من قرن. فقد وجدت أحداث تركيا الكبرى صدى واسعا في وجدان مسلمي البنغال كما أصبحت بنغلاديش في العقود الأخيرة تحظى باهتمام متزايد في تركيا بوصفها إحدى أكبر الدول الإسلامية وأكثرها حيوية في جنوب آسيا. ومن ثم فإن هذه العلاقة تتجاوز حدود التعاون الرسمي لتجسد نموذجا فريدا من الروابط التاريخية والإنسانية بين شعبين مسلمين.

الخلافة العثمانية في وجدان البنغال:

ولعل الطريق الأمثل لفهم هذه العلاقة هو العودة إلى أواخر العهد العثماني حين كانت الدولة العثمانية تواجه واحدة من أشد مراحلها صعوبة واضطرابا. ففي أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وبينما كانت القوى الأوروبية تتكالب على ممتلكات الدولة العثمانية، وتتوالى عليها الأزمات السياسية والعسكرية، كان المسلمون في البنغال يتابعون تلك التطورات بقلوب يعتصرها القلق والأسى. ولم يكن معظم أهل البنغال يومئذ قد وطئت أقدامهم أرض الأناضول، ولا عرفوا اللغة التركية، ولا أحاطوا بتفاصيل الحياة في الدولة العثمانية غير أن رابطة العقيدة كانت أقوى من حدود الجغرافيا، وأرسخ من حواجز اللغة. فقد كانت الخلافة العثمانية في نظرهم عنوانا لوحدة الأمة الإسلامية، ورمزا لعزتها وكرامتها، ومظلة جامعة لآمال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.

ومن هنا لم تكن المحن التي تتعرض لها الدولة العثمانية تستقبل في البنغال بوصفها أحداثا بعيدة تجري في أرض نائية، بل كانت تشعر المسلمين هناك وكأنها تمسهم بصورة مباشرة. فكانت أخبار إسطنبول تتداول في المجالس، وتتابع في الصحف، وتذكر في الخطب والدروس، ويتناقلها الناس بشغف واهتمام.

البنغال وتركيا في زمن المحنة:

وحين اندلعت حروب البلقان تجلت هذه المشاعر بأبهى صورها. فقد هب المسلمون في البنغال لنصرة إخوانهم في الدولة العثمانية، ونظمت حملات واسعة لجمع التبرعات، وأقيمت الاجتماعات العامة، وارتفعت الأكف بالدعاء في المساجد والزوايا والمدارس الدينية.

وكان مشهدا مؤثرا أن يتسابق الفلاح البسيط، والعامل الكادح، والتاجر، والعالم، والطالب إلى تقديم ما يستطيع من مال أو جهد دعما لتركيا. ولم تكن تلك التبرعات تعبيرا عن موقف سياسي فحسب، بل كانت انعكاسا لمشاعر صادقة نابعة من الإحساس بوحدة المصير والانتماء المشترك. وتحفظ صفحات التاريخ صورا مشرقة من تلك المرحلة، إذ لم يتردد كثير من أبناء البنغال على الرغم من ضيق ذات اليد وقسوة الظروف الاقتصادية في اقتطاع جزء من أقواتهم ومدخراتهم المحدودة من أجل مؤازرة الدولة العثمانية. لقد كانوا يرون في نصرة تركيا نصرة لأنفسهم، وفي الدفاع عن كرامتها دفاعا عن كرامة الأمة الإسلامية جمعاء.

الحركة الخلافية: صفحة مضيئة في سجل الوجدان المشترك

بلغت العلاقة الوجدانية بين البنغال وتركيا أوج تجلياتها خلال حقبة الحركة الخلافية، التي شكلت واحدة من أكثر المحطات تأثيرا في تاريخ التفاعل بين الشعبين. فحين وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، وأخذت سحب الغموض تتلبد في أفق الخلافة العثمانية، هبت مشاعر المسلمين في أرجاء شبه القارة الهندية دفاعا عن رمز ظل لعقود طويلة عنوانا لوحدة الأمة الإسلامية وكرامتها. وكانت البنغال يومئذ من أكثر الأقاليم حماسا وتفاعلا مع هذه القضية. ولم تقتصر أصداء الحركة على النخب السياسية أو الأوساط العلمية، بل امتدت إلى مختلف شرائح المجتمع من القرى النائية إلى المدن الكبرى، ومن الكتاتيب والمدارس الدينية إلى الجامعات والمؤسسات الفكرية. فقد اجتمع العلماء والمفكرون والسياسيون والعامة على الشعور بأن قضية الخلافة ليست شأنا سياسيا عابرا، بل قضية تمس تاريخ الأمة الإسلامية وكرامتها ومصيرها الحضاري. وقد رسخت تلك المرحلة في وجدان المسلمين في البنغال مشاعر عميقة من المحبة والتعاطف تجاه تركيا حتى غدت أخبارها وأحوالها جزءا من الاهتمامات اليومية للناس. ولم تكن تلك المشاعر وليدة ظرف عابر، بل تحولت إلى إرث وجداني تناقلته الأجيال، وظلت آثاره حاضرة في الذاكرة الجماعية لعقود طويلة. وما تزال قصص الحركة الخلافية ومواقف التضامن مع تركيا حية في ذاكرة كثير من الأسر البنغلاديشية شاهدة على عمق تلك الروابط التي تجاوزت حدود السياسة والجغرافيا.

تركيا الجديدة في عيون البنغال:

ومع بزوغ فجر الجمهورية التركية الحديثة بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، وجد مسلمو البنغال أنفسهم أمام مشهد تاريخي معقد تتداخل فيه مشاعر الأسى والإعجاب. فقد أحزنهم سقوط الخلافة التي رأوا فيها رمزا لوحدة الأمة الإسلامية غير أنهم لم يخفوا إعجابهم بالإرادة التي أظهرها الشعب التركي في معركة التحرر الوطني، وبالروح التي مكنته من الوقوف في وجه مشاريع الهيمنة والتقسيم. لقد نظر كثير من مفكري البنغال ومثقفيها إلى التجربة التركية باعتبارها نموذجا ملهما لنهضة أمة استطاعت أن تنتشل نفسها من ركام الهزيمة، وأن تعيد بناء دولتها ومؤسساتها بثقة وإصرار. وكان نجاح الأتراك في صون استقلالهم واستعادة حضورهم بين الأمم موضع تقدير واسع في الأوساط الفكرية والسياسية البنغالية.

عهد أردوغان وبزوغ وجدان جديد:

ومع إشراقة القرن الحادي والعشرين، دخلت العلاقات التركية البنغلاديشية مرحلة جديدة اكتسبت فيها أبعادا وجدانية واجتماعية غير مسبوقة، وكان للرئيس رجب طيب أردوغان دور بارز في تشكيل ملامحها وتعميق أثرها. فقد تجاوز حضور الرجل حدود السياسة والدبلوماسية ليغدو في نظر قطاعات واسعة من المسلمين في بنغلاديش رمزا لمعان أعمق تتصل بالعزة والكرامة والثقة بالذات واستعادة الحضور الإسلامي في الساحة الدولية.

ولم يكن هذا التقدير وليد مواقف عابرة أو أحداث طارئة، بل جاء نتيجة مسار طويل من التفاعل مع مواقف تركيا في القضايا التي تشغل وجدان المسلمين. فقد وجد كثير من البنغلاديشيين في خطاب أردوغان الداعم لفلسطين، وفي مواقفه المناهضة لمظاهر الإسلاموفوبيا، وفي حضوره الفاعل في أزمات العالم الإسلامي ما يعكس تطلعاتهم وآمالهم ويمنحهم شعورا بأن ثمة صوتا لا يزال يعبر عن هموم الأمة وقضاياها. وزاد من هذا الحضور الرمزي ما شهدته تركيا خلال العقود الأخيرة من نهضة اقتصادية وعمرانية وصناعية لافتة، جعلت منها نموذجا ملهما في نظر كثير من الشعوب الإسلامية. وهكذا اقترن اسم أردوغان في المخيال الشعبي البنغلاديشي بصورة القائد الذي استطاع أن يجمع بين التقدم المادي والاعتزاز بالهوية الحضارية، وأن يمنح بلاده مكانة مؤثرة في المعادلات الإقليمية والدولية.

ولم يبق هذا التأثير حبيس النخب الفكرية أو الأوساط السياسية، بل امتد إلى القرى النائية والأحياء الشعبية حيث أصبح اسم أردوغان مألوفا لدى عامة الناس. وكثيرا ما يذكر في المجالس والخطب والندوات بوصفه أحد أبرز الشخصيات السياسية في العالم الإسلامي المعاصر. ولعل ما يحظى به من محبة وتقدير في بنغلاديش يمثل ظاهرة فريدة قل أن نظر إلى مثيلها تجاه زعيم أجنبي في العصر الحديث.

الاقتصاد والتعليم وآفاق المستقبل:

غير أن العلاقات بين بنغلاديش وتركيا لم تعد تستند إلى التاريخ والمشاعر وحدهما، بل أخذت ترتكز بصورة متزايدة على أسس عملية واستراتيجية تفتح أمام البلدين آفاقا رحبة من التعاون المشترك. فبنغلاديش اليوم تعد من الاقتصادات الصاعدة في آسيا، وقد حققت خلال العقود الأخيرة معدلات نمو لافتة جعلتها محط أنظار المستثمرين والباحثين عن الفرص الواعدة. وفي المقابل، رسخت تركيا مكانتها بوصفها قوة صناعية واقتصادية مهمة، تمتلك خبرات متقدمة في مجالات التكنولوجيا والبنية التحتية والصناعات الدفاعية والهندسية.

ومن ثم تبدو فرص التعاون بين البلدين واسعة ومتعددة، تمتد من التجارة والاستثمار إلى الصناعة والطاقة والتكنولوجيا والتبادل المعرفي. كما يشهد المجال التعليمي حراكا متناميا مع ازدياد أعداد الطلبة البنغلاديشيين الذين يقصدون الجامعات التركية طلبا للعلم والمعرفة مستفيدين مما توفره من بيئة أكاديمية متطورة وفرص تعليمية متنوعة.

وفي الوقت ذاته، بدأت بنغلاديش تستقطب اهتمام رجال الأعمال والمستثمرين الأتراك بوصفها سوقا واعدة تتمتع بإمكانات كبيرة وموارد بشرية شابة وموقع استراتيجي مهم في جنوب آسيا. تمثل العلاقات بين بنغلاديش وتركيا أكثر من مجرد تعاون سياسي أو اقتصادي، فهي ثمرة تاريخ مشترك من التعاطف والتقدير والروابط الحضارية. وقد حافظ الشعبان على هذه المودة عبر الأجيال مستندين إلى إرث من القيم المشتركة والانتماء الإسلامي.

ومن ثم تظل هذه العلاقة نموذجا متميزا في العالم الإسلامي، يجمع بين المصالح المتبادلة والروابط الإنسانية العميقة، ويفتح آفاقا واسعة لمزيد من التعاون والتقارب في المستقبل.

المراجع:

1. محمد نعيم قريشي، الحركة الخلافية.

2. إريك زوركر، تاريخ تركيا الحديث.

3. كمال هـ كربات، من الإمبراطورية إلى الجمهورية.

4. إم. هاكان يافوز، أردوغان: صناعة قائد.

5. جريدة الإتفاق.

عن الكاتب

أحمد شوقي عفيفي

داعية إسلامي وكاتب بنغلاديشي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس