ترك برس

تعيش المعارضة التركية واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً منذ سنوات، بعدما فجر قرار قضائي بإلغاء نتائج انتخابات قيادة حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة أزمة سياسية داخلية تهدد بإعادة رسم خريطة السياسة التركية، وسط تصاعد التحذيرات من انشقاقات محتملة وظهور كيانات سياسية جديدة قبل الانتخابات المقبلة.

وبحسب تقرير لـ" بي بي سي" أدخل قرار المحكمة حزب الشعب الجمهوري في حالة من الارتباك التنظيمي، بعدما أبطلت انتخابات تشرين الثاني / نوفمبر 2023 التي أوصلت أوزغور أوزيل إلى رئاسة الحزب، وأعادت تنصيب الزعيم السابق كمال كيليتشدار أوغلو رئيساً للحزب استناداً إلى مبدأ قانوني يعرف بـ"البطلان المطلق".

وأضاف التقرير أنه القرار أدى إلى انقسام واضح داخل الحزب، حيث عقدت الأجنحة المتنافسة اجتماعات منفصلة وأصدرت بيانات متعارضة، فيما باتت كل جهة تؤكد أحقيتها القانونية في إدارة الحزب، الأمر الذي تسبب بشلل داخلي غير مسبوق، بحسب موقع "عربي21".

وبحسب تقرير هيئة الإذاعة البريطانية فإن الأزمة الحالية دفعت بعض المراقبين إلى التحذير من احتمال تفكك الحزب أو خروج تيار جديد من داخله، في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن مستقبل المعارضة التركية برمتها.

ووصفت أستاذة العلوم السياسية في جامعة إشيك التركية سيدا ديميرالب القرار القضائي بأنه محطة جديدة في مسار التراجع الديمقراطي الذي تشهده البلاد، معتبرة أن ما جرى غير مسبوق في تاريخ الحياة السياسية التركية.

من جهتها، رأت المحللة السياسية والمديرة المشاركة لمعهد إسطنبول سيرين سيلفين كوركماز أن تركيا تشهد انتقالاً من مرحلة "السلطوية التنافسية" إلى "السلطوية القائمة على الهيمنة"، في ظل تراجع قدرة المعارضة على المنافسة الفعلية على السلطة.

اتهامات متبادلة بين المعارضة والحكومة

واستندت المحكمة في قرارها إلى وجود مخالفات منهجية وشبهات تتعلق بشراء الأصوات خلال الانتخابات الداخلية للحزب، وهي الاتهامات التي رفضها أوزغور أوزيل بشدة.

ووصف أوزيل الحكم بأنه "انقلاب قضائي"، متهماً الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالوقوف وراء محاولة السيطرة على المعارضة عبر أدوات القضاء.

في المقابل، شدد أردوغان على أن حكومته ليست طرفاً في الأزمة الداخلية التي يعيشها حزب الشعب الجمهوري، معتبراً أن ما يحدث شأن داخلي يخص الحزب المعارض.

وتتزامن الأزمة مع استمرار الضغوط التي يواجهها رئيس بلدية إسطنبول المعتقل أكرم إمام أوغلو، الذي أعلن الحزب ترشيحه رسمياً لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة عقب انتخابات تمهيدية جرت العام الماضي.

ويواجه إمام أوغلو سلسلة اتهامات تشمل الفساد والرشوة والتزوير وقيادة تنظيم إجرامي، وهي اتهامات ينفيها بالكامل، بينما يتوقع أن تستمر محاكمته سنوات عدة بسبب تشعب القضية.

كما يواجه عقبة إضافية تتمثل في سحب شهادته الجامعية، في وقت يشترط فيه القانون التركي امتلاك شهادة جامعية سارية للترشح إلى منصب الرئاسة.

صراع على مستقبل الحزب

ويصر أوزغور أوزيل على عقد مؤتمر حزبي طارئ الشهر المقبل بهدف الحفاظ على أهلية الحزب القانونية للمشاركة في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، محذراً من الانزلاق إلى معركة قيادة طويلة الأمد.

في المقابل، يتمسك كمال كيليتشدار أوغلو بموقفه الرافض لعقد مؤتمر قريب، مؤكداً عزمه على "تطهير الحزب" وإعادة ترتيب أوضاعه الداخلية.

وتزايدت خلال الأسابيع الأخيرة التكهنات بشأن احتمال خروج محور أوزيل وإمام أوغلو من الحزب وتأسيس مشروع سياسي جديد، يستلهم تجارب سياسية مشابهة في أوروبا.

وأشار الـ"بي بي سي" استطلاعات رأي حديثة إلى أن غالبية أنصار المعارضة لا تزال تميل إلى دعم أوزغور أوزيل، ما يعزز احتمالات انتقال جزء كبير من القاعدة الشعبية معه في حال وقوع انشقاق رسمي.

حسابات أردوغان والانتخابات المقبلة

ولفت التقرير إلى أن هذه التطورات تأتي في وقت يواجه فيه أردوغان تحدياً دستورياً يتعلق بإمكانية الترشح مجدداً للرئاسة بعد انتهاء ولايته الثانية والأخيرة وفق الدستور الحالي.

ويملك الرئيس التركي خيارين رئيسيين للبقاء في المشهد الرئاسي؛ الأول يتمثل في الدعوة إلى انتخابات مبكرة عبر موافقة البرلمان بأغلبية ثلاثة أخماس الأعضاء، بينما يقوم الخيار الثاني على تعديل الدستور عبر البرلمان أو طرحه للاستفتاء الشعبي.

لكن الائتلاف الحاكم لا يمتلك بمفرده العدد الكافي من المقاعد لتحقيق أي من المسارين، ما يجعله بحاجة إلى دعم من قوى معارضة مختلفة.

وتخلص بي بي سي إلى أن تركيا تتجه نحو صيف سياسي مضطرب، عنوانه الرئيسي أزمة المعارضة واحتمالات إعادة تشكيل المشهد الحزبي، بالتزامن مع تصاعد التوقعات بإجراء انتخابات مبكرة قبل الموعد المقرر في عام 2028.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!