ترك برس

يتجه الاتحاد الأوروبي إلى دراسة منح الدول المرشحة للعضوية، بينها تركيا، حزمة مزايا اقتصادية مسبقة، في إطار مساعيه لتسريع اندماجها التدريجي مع السوق الأوروبية قبل استكمال مسار الانضمام الرسمي.

وتعكف المفوضية الأوروبية على صياغة خطة للاندماج الاقتصادي التدريجي للدول المرشحة لعضوية الاتحاد، تقوم على منحها مزايا اقتصادية متصاعدة كلما أحرزت تقدما في مسار الإصلاحات المطلوبة.

ونقلت صحيفة "بوليتيكو" عن مسؤولين مطلعين قولهم إن دول الاتحاد تسعى إلى إيجاد آلية تعجل بمسار التوسع دون التساهل في معايير الانضمام، وتشمل المزايا الاقتصادية المطروحة: الوصول إلى بعض برامج التمويل الأوروبية، وآليات التجارة التفضيلية، فضلا عن اندماج جزئي في السوق الموحدة، على أن تصمم حزمة المزايا لكل دولة وفق مستوى تقدمها.

وأضافت أن الهدف من هذه المبادرة هو دعم الدول المرشحة خلال مسار انضمامها، عبر توفير حوافز تساعدها على تنفيذ إصلاحات سياسية صعبة، حتى وإن كان حصولها على العضوية الكاملة لا يزال يستغرق سنوات، بحسب موقع "نوفوستي".

وأشارت الصحيفة إلى أن هذه المبادرة تحظى بدعم أوسع مقارنة بالمقترحات السابقة، إذ يأمل المسؤولون في أن تنال مباركة قادة الدول الأعضاء خلال اجتماع المجلس الأوروبي في أكتوبر أو ديسمبر المقبل.

وكانت وسائل إعلام غربية، في مقدمتها "فاينانشال تايمز" و"بوليتيكو"، قد كشفت سابقا أن بروكسل تدرس نموذج توسع "تدريجي" يظل بموجبه الأعضاء الجدد محرومين لفترة مطوّلة من حقوقهم السياسية كاملة ومن الدعم المالي بكامل حجمه.

وتستهدف المبادرة أيضا الإبقاء على زخم الدول المرشحة كأوكرانيا، التي قد يمتد مسار انضمامها سنوات طويلة دون ضمان موعد محدد للعضوية.

وكانت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين قد أعلنت في 12 يونيو أن جميع دول الاتحاد أقرت فتح الحزمة التفاوضية الأولى بشأن انضمام أوكرانيا.

وتجدر الإشارة إلى أن بعض الدول المرشحة تنتظر العضوية منذ عقود، إذ تحمل تركيا صفة المرشح منذ عام 1999، وشمال مقدونيا منذ 2005، والجبل الأسود منذ 2010، وصربيا منذ 2012، وكانت كرواتيا آخر دولة انتسبت إلى الاتحاد عام 2013 بعد مسيرة امتدت عشر سنوات.

يمتد مسار تركيا نحو الاتحاد الأوروبي لأكثر من ستة عقود، إذ بدأت العلاقة المؤسسية بين الجانبين باتفاقية أنقرة عام 1963، التي وضعت إطارا للشراكة بين تركيا والجماعة الاقتصادية الأوروبية آنذاك، قبل أن تدخل اتفاقية الاتحاد الجمركي حيز التنفيذ عام 1996، لتجعل تركيا مندمجة اقتصاديا مع السوق الأوروبية في قطاعات واسعة، خصوصا السلع الصناعية.

تقدمت تركيا بطلب رسمي للانضمام إلى الجماعة الأوروبية عام 1987، ثم حصلت على صفة دولة مرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي في قمة هلسنكي عام 1999، في خطوة اعتُبرت حينها تحولا مهما في علاقاتها مع أوروبا. وبعد سنوات من الإصلاحات السياسية والاقتصادية، قرر الاتحاد الأوروبي فتح مفاوضات العضوية مع أنقرة في 3 أكتوبر/ تشرين الأول 2005.

لكن مسار التفاوض لم يتقدم بالوتيرة التي كانت تأملها تركيا، إذ اصطدم بعدة عقبات سياسية وقانونية، في مقدمتها ملف قبرص، والخلافات بشأن تطبيق البروتوكول الإضافي لاتفاقية أنقرة، إضافة إلى انتقادات أوروبية متكررة تتعلق بسيادة القانون وحقوق الإنسان واستقلال القضاء. ونتيجة لذلك، قرر الاتحاد الأوروبي عام 2006 عدم فتح 8 فصول تفاوضية مرتبطة بقبرص، وعدم إغلاق أي فصل مؤقتا إلى حين تنفيذ تركيا التزاماتها في هذا الملف.

ومنذ بدء المفاوضات، فُتح 16 فصلا تفاوضيا فقط من أصل 35، وأُغلق فصل واحد مؤقتا، هو فصل "العلوم والبحث". وكان آخر فصل فُتح للتفاوض هو الفصل 33 المتعلق بالأحكام المالية والميزانية في 30 يونيو/ حزيران 2016، قبل أن تدخل مفاوضات العضوية في حالة جمود فعلي.

في عام 2018، خلص مجلس الاتحاد الأوروبي إلى أن مفاوضات انضمام تركيا وصلت فعليا إلى طريق مسدود، بسبب ما وصفه بتراجع الإصلاحات في مجالات الديمقراطية والحقوق الأساسية واستقلال القضاء. ومنذ ذلك الحين، لم تُفتح فصول تفاوضية جديدة، وباتت العلاقة بين الجانبين تتحرك غالبا خارج إطار العضوية الكاملة، عبر ملفات أكثر عملية مثل الهجرة والطاقة والتجارة والأمن والتعاون في قضايا إقليمية.

ورغم جمود مسار العضوية، لا تزال تركيا تؤكد أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي هدف استراتيجي، وتطالب بإحياء المفاوضات وتحديث الاتحاد الجمركي وتسهيل التأشيرات لمواطنيها. وفي المقابل، يربط الاتحاد الأوروبي أي تقدم جوهري بإصلاحات سياسية وقانونية وبمعالجة الخلافات مع قبرص واليونان، مع الإبقاء على التعاون مع أنقرة في ملفات ذات أولوية، خصوصا الهجرة والتجارة والأمن الإقليمي.

وعليه، يمكن وصف مسار تركيا الأوروبي اليوم بأنه مسار معلق: فالعضوية الكاملة لم تُسحب رسميا من الطاولة، لكن مفاوضاتها شبه مجمدة، بينما تحولت العلاقة بين أنقرة وبروكسل إلى شراكة انتقائية تقوم على المصالح المتبادلة أكثر من تقدم فعلي نحو الانضمام.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!