
ترك برس
تناول المقال للكاتب والإعلامي التركي توران قشلاقجي، التحول العميق في السياسة الخارجية التركية، موضحًا أنها لم تعد تقتصر على إدارة الأزمات أو الاستجابة للتطورات الدولية، بل أصبحت تطرح رؤية متكاملة لإعادة تشكيل النظام الدولي من خلال مفاهيم استراتيجية جديدة مثل «العالم أكبر من خمسة»، و«الملكية الإقليمية»، و«الاستقلالية الاستراتيجية»، و«التعاونات متعددة الدوائر».
يستعرض قشلاقجي في مقاله بصحيفة القدس العربي الدراسة التي أعدها سنان طاوقجو، والتي ترى أن السياسة الخارجية التركية تستند إلى عقل مؤسسي واستراتيجية طويلة المدى، وتعتمد على تعزيز القدرات الذاتية، ولا سيما في الصناعات الدفاعية، إلى جانب توظيف مشاريع النقل والطاقة والتكامل الإقليمي لترسيخ مكانة تركيا كفاعل محوري يسهم في بناء نظام دولي أكثر عدالة وتعددية، بدلًا من الاكتفاء بالدفاع عن مصالحه الوطنية فقط. وفيما يلي نص المقال:
لم تعد السياسة الخارجية التركية في السنوات الأخيرة تستقطب اهتمام الأوساط الدولية فقط من خلال الخطوات التي تتخذها، بل أيضا عبر المفاهيم الجديدة التي طورتها والرؤية التي تطرحها. وفي بحث شامل تحت عنوان «رموز السياسة الخارجية التركية»، قدم رئيس وقف الفكر والبحوث الاستراتيجية (SDAV) سنان طاوقجو، إطارا مهما للراغبين في فهم العقل الاستراتيجي الكامن وراء هذا التحول. وأبرز ما يخلص إليه البحث هو أن تركيا لم تعد دولة تكتفي بإبداء رد فعل حيال الأزمات، بل تحولت إلى فاعل يطرح تصورا لنظام دولي جديد، وينتج المفاهيم، ويشارك في صياغة قواعد اللعبة.
ومن أبرز النقاط التي يلفت إليها البحث أن دعوات الرئيس رجب طيب أردوغان، التي يرددها منذ سنوات، والمتمثلة في شعار «العالم أكبر من خمسة» و»نحو عالم أكثر عدلا»، إلى جانب توصيف وزير الخارجية هاكان فيدان للنظام الدولي بأنه يعيش حالة «اضطراب جيوسياسي»، تشكل جميعها أجزاء من الرؤية الاستراتيجية ذاتها. فقول هاكان فيدان: «إن العالم يحاول حل أزمات اليوم بأدوات الماضي، وهذا غير ممكن»، يمثل في الواقع تشخيصا قويا يختصر أسباب العجز عن حل الأزمات الممتدة من غزة إلى أوكرانيا. ووفقا لأنقرة، فإن المشكلة لا تكمن في الأزمات وحدها، بل في النظام العالمي نفسه الذي بات ينتج الأزمات. ومن أبرز نقاط القوة في دراسة سنان طاوقجو أنها تقرأ السياسة الخارجية التركية ليس فقط من خلال الأحداث، بل أيضا من خلال المفاهيم التي طورتها. فمفاهيم مثل «رابح – رابح»، و»الملكية الإقليمية»، و»الشمولية الإقليمية»، و»التعاونات متعددة الدوائر»، و»الإقليمية المصغرة»، و»الترابط»، تُظهر أن ردود الفعل الدبلوماسية التركية ليست عشوائية، بل هي نتاج ذهنية استراتيجية بعيدة المدى. ويحتل مبدأ «الملكية الإقليمية»، القائم على فكرة أن «دول المنطقة هي التي ينبغي لها حل مشكلات منطقتها بنفسها»، موقعا محوريا في الرؤية الأمنية الجديدة لأنقرة.
ويتناول البحث أيضا قضية أخرى ذات أهمية خاصة، وهي أن السياسة الخارجية التركية تتمتع بطابع مؤسسي، يجعلها أكبر من أن تُختزل في الأشخاص. ففي مواجهة الوصف الذي تكرر في السنوات الأخيرة تحت مسمى «عقيدة هاكان فيدان»، يقول فيدان «إن السياسة الخارجية التركية لا تتشكل وفق التطورات اليومية»، ليؤكد أن القرارات لا تُتخذ استجابة لانعكاسات آنية، بل تستند إلى عقل الدولة، والذاكرة المؤسسية، والحسابات الاستراتيجية بعيدة المدى. ومن هذا المنطلق، فإن السياسة الخارجية التركية تعكس استمرارية تقاليد الدولة، أكثر مما تعكس أدوار الأفراد.
ومن المفاهيم الأخرى التي يسلط البحث الضوء عليها مفهوم «الاستقلالية الاستراتيجية». فتركيا لم تعد تسعى إلى إيداع أمنها ودفاعها وسياستها الخارجية تحت مظلة أمنية يوفرها الآخرون، بل تعمل على بناء قدرة تمكنها من التحرك بإمكاناتها الذاتية. وفي هذا السياق، أصبح توطين الصناعات الدفاعية رافعة مهمة توسع هامش الحركة الدبلوماسية، في حين تُعد السياسات التي تنتهجها تركيا في رقعة جغرافية واسعة تمتد من قره باغ في أذربيجان إلى ليبيا، ومن الصومال إلى قطر، تجليات ميدانية لهذه الاستقلالية الاستراتيجية. كما يلفت البحث الانتباه إلى أن تركيا لم تعد تقدم نفسها بوصفها مجرد جسر بين الشرق والغرب، بل باتت تتموضع باعتبارها «فاعلا محوريا». ومن هذا المنطلق، فإن مشروع طريق التنمية، والممر الأوسط، وخطوط الطاقة، والبنى التحتية الرقمية، وشبكات النقل الجديدة، لا تُعد مجرد مشاريع اقتصادية، بل يمكن النظر إليها أيضا بوصفها خطوات استراتيجية ستشكل العمود الفقري للنظام الجيوسياسي الجديد. فتركيا لا تطمح إلى أن تكون مجرد ممر عبور، بل تسعى إلى أن تصبح أحد المراكز التي توجه حركة التجارة والطاقة والدبلوماسية.
لا شك في أن النظام الدولي يمر اليوم بمرحلة جديدة من التحولات والانكسارات، ففي الوقت الذي يتفكك فيه النظام أحادي القطبية، لم تتضح بعد ملامح النظام الذي سيحل محله. ويُظهر بحث سنان طاوقجو، أن تركيا تبرز في هذه المرحلة ليس فقط باعتبارها دولة تدافع عن مصالحها، بل أيضا بوصفها فاعلا يسهم في بلورة تصور لنظام دولي أكثر عدالة وشمولا وتعددية في الأقطاب. ومن هذا المنظور، فإن السياسة الخارجية التركية لا تتمثل فقط في تحركات دبلوماسية، بل هي أيضا محاولة لبناء لغة جديدة في العلاقات الدولية.
وخلاصة القول، إن الدراسة التي قدمها سنان طاوقجو توفر منظورا مهما لأولئك الذين يحاولون قراءة السياسة الخارجية التركية من خلال التطورات اليومية وحدها. فهدف أنقرة لا يقتصر على إدارة الأزمات، بل يتمثل في تطوير مفاهيم جديدة، ومؤسسات جديدة، ونماذج جديدة للتعاون، من شأنها إحداث تحول في النظام الدولي الذي ينتج الأزمات. ويبدو أن ما سيحدد التأثير العالمي لتركيا في المرحلة المقبلة لن يكون فقط قدراتها العسكرية أو الاقتصادية، بل أيضا هذا العقل الاستراتيجي الجديد والتصور الجديد للنظام الدولي الذي تطرحه على العالم.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











