
ترك برس
دخلت المعارضة التركية مرحلة جديدة من إعادة التشكل، بعدما أدى الصراع على قيادة حزب الشعب الجمهوري إلى انقسام تاريخي بين معسكر كمال كليتشدار أوغلو وجناح أوزغور أوزال، الذي انتقل مع عشرات النواب إلى تأسيس حزب جديد أصبح أكبر قوة معارضة داخل البرلمان. وبينما غيّر الانشقاق موازين القوى النيابية، تبرز تساؤلات بشأن قدرة الطرفين على بناء تنظيم انتخابي متماسك، ومصير البلديات الكبرى، وانعكاس تشتت المعارضة على المنافسة مع تحالف «الجمهور» الحاكم في الاستحقاقات المقبلة.
وفي مقال له على موقع "الجزيرة نت"، قال الصحفي أحمد درويش إن الأزمة التي يعيشها حزب الشعب الجمهوري لم تكن مجرد خلاف تنظيمي أو صراع على رئاسة أكبر أحزاب المعارضة في تركيا، بل تحولت خلال أسابيع قليلة إلى واحدة من أكثر المحطات تأثيرا في تاريخ الحياة الحزبية التركية. فالحزب الذي ظل لعقود المظلة الرئيسية للمعارضة، وارتبط اسمه بمؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك، وجد نفسه أمام انقسام غير مسبوق انتهى بخروج رئيسه السابق أوزغور أوزال، وعشرات النواب، ومئات الآلاف من الأعضاء، لتأسيس كيان سياسي جديد، في خطوة أعادت رسم خريطة المعارضة داخل البرلمان، وأثارت تساؤلات واسعة حول مستقبل المنافسة السياسية في البلاد.
وأضاف: ولا تكمن أهمية هذه التطورات في حجم الانشقاق فحسب، وإنما في توقيتها أيضا، إذ تأتي بينما تستعد تركيا لمرحلة سياسية جديدة تسبق الانتخابات المقبلة، وفي ظل نقاشات متزايدة حول قدرة المعارضة على الحفاظ على تماسكها بعد النجاحات التي حققتها في الانتخابات المحلية عام 2024. وبينما يرى مؤيدو الحزب الجديد أنه يمثل بداية مرحلة مختلفة للمعارضة التركية، يحذر آخرون من أن انقسام أكبر كتلة معارضة قد يمنح الأحزاب المنافسة، خاصة الحزب الحاكم، أفضلية سياسية يصعب تعويضها في الاستحقاقات القادمة.
وفيما يلي تتمة المقال:
بدأت الأزمة الحالية عندما دخلت الخلافات الداخلية في حزب الشعب الجمهوري مرحلة القضاء، بعد الطعون المقدمة بشأن المؤتمر العام الذي أوصل أوزغور أوزال إلى رئاسة الحزب. ومع صدور حكم يقضي بالبطلان المطلق لرئاسته، عاد كمال كليتشدار أوغلو إلى قيادة الحزب، لتبدأ مرحلة جديدة من الانقسام بين جناحين؛ أحدهما تمسك بالقيادة الجديدة للحزب التاريخي، والآخر اعتبر أن المسار السياسي الذي مثله أوزال لا يمكن التراجع عنه.
ومع اتساع الخلاف، لم يعد الأمر مقتصرا على نقاشات داخل الأطر التنظيمية، بل تحول إلى صراع على الشرعية السياسية والتنظيمية داخل أكبر أحزاب المعارضة، وهو ما انعكس سريعا على الكتلة البرلمانية والهيكل التنظيمي للحزب في مختلف الولايات التركية.
انشقاقات تمهيدا لتأسيس حزب جديد للمعارضة
لم تمض أيام على عودة كليتشدار أوغلو إلى رئاسة الحزب، حتى بدأت موجة استقالات واسعة شملت قيادات ونوابا وأعضاء من حزب الشعب الجمهوري. وتشير المعطيات إلى أن أكثر من 220 ألف عضو تقدموا باستقالاتهم من الحزب، فيما اتجه أكثر من 90 نائبا إلى مغادرة الكتلة البرلمانية استعدادا لتأسيس كيان سياسي جديد يقوده أوزغور أوزال.
كما اتفق على أن يكون مقر حزب المستقبل، الذي يتزعمه رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو، مقرا مؤقتا لحزب المعارضة الجديد، في خطوة عكست حجم التنسيق بين عدد من قوى المعارضة خلال مرحلة التأسيس.
وفي المقابل، فضل معظم رؤساء البلديات المنتمين إلى حزب الشعب الجمهوري البقاء داخل الحزب في المرحلة الحالية، لأسباب وصفت بأنها إستراتيجية، في ظل انتظار قرارات قضائية مرتقبة من محكمة النقض خلال أكتوبر/تشرين الأول المقبل، وهو ما يعني أن خريطة الولاءات داخل المعارضة لم تستقر بصورة نهائية بعد.
إعلان أوزغور أوزال تأسيس حزبه الجديد
أعلن أوزغور أوزال رسميا استقالته من حزب الشعب الجمهوري، قبل أن يتقدم برفقة 90 نائبا بطلب إلى وزارة الداخلية لتأسيس حزب سياسي جديد يحمل اسم "الحزب الجديد"، ليصبح عدد الأحزاب السياسية في تركيا 190 حزبا، ويرتفع عدد الأحزاب الممثلة داخل البرلمان إلى 16 حزبا.
وأكد أوزال أن الحزب الجديد سيكون حزب المعارضة الرئيسي منذ يومه الأول، مشددا على أن هدفه هو قيادة المعارضة وصولا إلى الانتخابات المقبلة للوصول إلى سدة الحكم، مشيرا إلى أن الشعب هو من سيحدد مستقبله السياسي عبر صناديق الاقتراع.
وحظي الإعلان بترحيب عدد من قادة أحزاب المعارضة، من بينهم رئيس حزب المستقبل أحمد داود أوغلو، ورئيس حزب الرفاه من جديد فاتح أربكان، إلى جانب شخصيات معارضة أخرى اعتبرت أن ظهور الحزب الجديد يمثل تطورا مهما في المشهد السياسي المعارض.
ولم يكن هذا الانشقاق الأول في تاريخ حزب الشعب الجمهوري، حيث شهد الحزب انشقاقات بارزة في السابق، كان أشهرها خروج عدنان مندريس عام 1946 وتأسيسه الحزب الديمقراطي، الذي فاز بالانتخابات بعد أربع سنوات، وكذلك انشقاق بولنت أجاويد عام 1985 وتأسيسه حزب اليسار الديمقراطي، الذي تمكن لاحقا من الوصول إلى السلطة، وهو ما يجعل بعض المراقبين ينظرون إلى التجربة الجديدة باعتبارها امتدادا لتاريخ طويل من الانقسامات داخل الحزب.
الحزب الجديد يصبح أكبر قوى المعارضة في البرلمان
أحدث انتقال الكتلة البرلمانية المؤيدة لأوزغور أوزال تغييرا واضحا في موازين القوى داخل البرلمان التركي، إذ أصبح الحزب الجديد يمتلك 91 نائبا، ليحتل المرتبة الثانية بعد حزب العدالة والتنمية، الذي يملك 277 نائبا، ويتحول عمليا إلى أكبر أحزاب المعارضة داخل البرلمان.
وبحسب التوزيع الجديد للمقاعد، جاء حزب الديمقراطية ومساواة الشعوب (حزب الأكراد) في المرتبة الثالثة بـ56 نائبا، يليه حزب الحركة القومية بـ46 نائبا، ثم حزب الشعب الجمهوري الذي تراجع إلى 44 نائبا فقط، ثم الحزب الجيد بـ29 نائبا، ثم حزب الطريق الجديد، وهو حزب يضم نواب تحالف أحزاب السعادة والمستقبل والديمقراطية والتقدم تحت قبة البرلمان، بـ20 نائبا.
ويمثل هذا التغيير أكبر تحول برلماني تشهده المعارضة التركية منذ سنوات، حيث انتقل مركز الثقل المعارض من الحزب التاريخي إلى كيان سياسي حديث التأسيس، الأمر الذي يفرض واقعا سياسيا جديدا داخل البرلمان وخارجه.
مقارنة مثيرة على هامش التأسيس
لم تقتصر ردود الفعل على الجوانب السياسية، بل امتدت إلى تفاصيل الهوية البصرية للحزب الجديد. فقد أشار كبير مستشاري الرئيس رجب طيب أردوغان، أوكتاي سارال، إلى وجود تشابه بين شعار الحزب الجديد والعلامة التجارية لمشروب الكحول التركي "يني راكي"، متسائلا عما إذا كان هذا التشابه مجرد مصادفة أم أنه يعكس دلالات أخرى.
وأضاف سارال، في تغريدة أثارت تفاعلا واسعا، أن اجتماع أنصار الحزب حول هذا الشعار "لن يكون صعبا على من يجتمعون حول ذلك المشروب"، وهو تصريح أثار جدلا سياسيا وإعلاميا بين مؤيدي الحزب الجديد ومعارضيه، دون أن يصدر تعليق رسمي من قيادة الحزب بشأن هذه المقارنة.
وفي المقابل، حرص أوزغور أوزال وأعضاء المجلس التأسيسي للحزب الجديد على توجيه رسالة مختلفة عبر زيارتهم ضريح مصطفى كمال أتاتورك في العاصمة أنقرة، عقب الإعلان عن تأسيس الحزب، في خطوة أرادوا من خلالها التأكيد على ارتباطهم بالإرث الجمهوري، رغم خروجهم من الحزب الذي أسسه أتاتورك.
كليتشدار أوغلو يعلن مواصلة مسيرة الشعب الجمهوري
في الجهة المقابلة، سعى كمال كليتشدار أوغلو إلى التأكيد أن حزب الشعب الجمهوري سيواصل أداء دوره السياسي رغم الانشقاقات التي تعرض لها.
وقال كليتشدار أوغلو إن مهمته تتمثل في الوصول إلى مختلف الشرائح الاجتماعية التي تعاني من مشكلات اقتصادية ومعيشية، مؤكدا أنه بدأ مسيرته السياسية من أجل الدفاع عن الفئات المهمشة، بدءا من جامعي النفايات، وصولا إلى العمال والمزارعين، وكل من يكسبون قوت يومهم بعرقهم.
وأضاف أن هذا النهج يمثل فهمه الحقيقي للعمل السياسي، في رسالة واضحة مفادها أن الحزب التاريخي لن يتخلى عن حضوره في الساحة السياسية رغم خسارته جزءا كبيرا من كتلته البرلمانية.
نقاط قوة وضعف الحزب الجديد وأبرز التحديات
رغم البداية القوية للحزب الجديد داخل البرلمان، إلا أن مستقبله السياسي لا يرتبط بعدد النواب الذين انتقلوا إليه بقدر ارتباطه بقدرته على بناء تنظيم حزبي واسع يمتد إلى مختلف الولايات التركية.
فالقوة الحقيقية لأي حزب في تركيا لا تقاس فقط بالحضور البرلماني، وإنما أيضا بالشبكات التنظيمية المحلية، ورؤساء البلديات، والكوادر الميدانية، والقدرة على إدارة الحملات الانتخابية. وحتى الآن، لا يزال معظم رؤساء البلديات الكبار، ولا سيما في إسطنبول وأنقرة وإزمير، ضمن حزب الشعب الجمهوري، وهو ما يمنح الحزب القديم أفضلية تنظيمية قد تكون حاسمة في أي انتخابات مقبلة.
ولكن، في المقابل، يملك الحزب الجديد ميزة امتلاكه الكتلة البرلمانية الأكبر داخل المعارضة، إلى جانب شخصيات سياسية لعبت دورا بارزا في النجاحات الانتخابية الأخيرة، وهو ما قد يساعده على استقطاب قواعد جديدة إذا نجح في بناء لجانه التنظيمية بسرعة.
لكن التحدي الأكبر يتمثل في أن انقسام المعارضة إلى حزبين رئيسيين قد يؤدي إلى تشتيت الأصوات الانتخابية، خاصة إذا خاض الطرفان الانتخابات المقبلة بشكل منفصل. فبدلا من توحيد الجهود في مواجهة تحالف "الجمهور" الحاكم، المكون من حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية، قد تجد المعارضة نفسها موزعة بين مشروعين متنافسين، الأمر الذي قد يقلل من فرصها في تحقيق نتائج مماثلة لما حققته في الانتخابات المحلية الأخيرة.
كما سيواجه الحزب الجديد اختبارا آخر يتمثل في قدرته على الحفاظ على وحدته الداخلية، وبناء هوية سياسية مستقلة، وعدم الاكتفاء بالاعتماد على شعبية مؤسسيه أو على الانشقاق الذي أوجد الحزب.
كلمة أخيرة
يفتح تأسيس "الحزب الجديد" فصلا جديدا في تاريخ المعارضة التركية، ويؤكد أن الأزمة داخل حزب الشعب الجمهوري تجاوزت حدود الخلافات التنظيمية لتصبح تحولا سياسيا قد يعيد رسم المشهد الحزبي بأكمله.
وبينما نجح الحزب الجديد في فرض نفسه بسرعة داخل البرلمان، لا تزال قدرته على التحول إلى قوة انتخابية واسعة مرهونة ببناء تنظيم قوي، والحفاظ على تماسكه، واستقطاب القواعد الشعبية.
وفي المقابل، يواجه حزب الشعب الجمهوري تحدي استعادة حضوره التاريخي بعد خسارة جزء كبير من قياداته ونوابه. وبين هذين المسارين، تبدو المعارضة التركية أمام اختبار صعب؛ فإما أن تنجح في إدارة هذا الانقسام بما يحافظ على قدرتها التنافسية، وإما أن يؤدي تشتت أصواتها إلى إضعاف فرصها في أي انتخابات مقبلة، وهو السيناريو الذي قد تكون له انعكاسات مباشرة على موازين القوى السياسية في تركيا خلال الأشهر القادمة، مع قرب الانتخابات البرلمانية والرئاسية.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











