
مرسل غوندوغدو - خبر7 - ترجمة وتحرير ترك برس
رأينا مرة أخرى خلال مداولات الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، أن الجميع يريد العدالة، والجميع يقف إلى جانب السلام والحق والقانون، لكن العدالة والحق والقانون والسلام لا يسودون العالم بطريقة أو بأخرى.
فلماذا؟
بادئ ذي بدء، تختلف مفاهيم العدالة بين الدول اختلافًا كبيرًا. فما تعتبره دولة ما حقًا، يتحول بالنسبة إلى دولة أخرى إلى ظلم كامل. وللأسف، فإن ما يُقصد بالقانون والسلام قد تطور أيضًا إلى معانٍ مختلفة تمامًا عن بعضها البعض.
هل يمكن أن نطلق على جماعات لا تتفق حتى في الكلمات والمفاهيم اسم أمم؟
إذن، عن أي أمم متحدة يمكننا أن نتحدث؟ تُرى، أي جمعية عامة تُعقد؟ وما طبيعة هذه المداولات، مثلًا؟
ففي مداولات الجمعية العامة للأمم المتحدة، لا يوجد أصلًا أي اتحاد، ولا إمكانية لتطوير موقف مشترك، ولا حتى مقاربة ترى العالم باعتباره أرضًا مشتركة للبشرية جمعاء. والشيء الوحيد الموجود في الواقع ليس سوى تسليم مصير البشرية جمعاء إلى شفاه خمس دول الشهوانية.
وفي بيئة يرى فيها أحدهم ما يعتبره الآخر أبيض أسودَ لمجرد أنه يتعارض مع مصالحه، فماذا سنقول عن أي أمة، وعن أي اتحاد، وعن أي إنسانية؟
إن صرخة بزشكيان بالأمس تلخص هذا الأمر بشكل جيد للغاية:
«لقد استهدفوا جامعاتنا ومستشفياتنا ومدارسنا، وكل ذلك حدث في انتهاك للقانون الدولي. لقد اغتيل إسماعيل هنية في اليوم الذي بدأت فيه مهامي. لقد قتلوا بوحشية أكثر من 70 ألف شخص في غزة. وارتكبوا إبادة جماعية باستخدام أحدث التقنيات التي بحوزتهم. فهل أصبحنا نحن الإرهابيين؟ هم يرتكبون الإبادة الجماعية، ونحن نصبح إرهابيين...»
العدالة، السلام، القانون، الإرهابي، البطل...
أصبح لكل واحدة من هذه الكلمات معانٍ مختلفة في نظر الجميع هذه الأيام. فعلى سبيل المثال، بينما يرى البعض مرتكب الإبادة الجماعية مقاتلًا من أجل الحرية وبطلًا، يستطيع آخرون حتى وصف الأطفال بأنهم إرهابيون. وفي الأيام التي تعقد فيها الأمم المتحدة مداولات الدورة الـ81 لجمعيتها العامة، تحاول البشرية أن تتنفس وسط هذه الفوضى العارمة. إذن، ما طبيعة هذه المداولات؟
هل يُرجى خير من فجر ليلة كهذه؟
ومع ذلك كله، لا ينبغي أن نفقد أملنا. وهذا ينطبق علينا حتى وإن كنا نعيش في فترة يُنظر فيها إلى المسلمين على أنهم إرهابيون، وتبلغ فيها ظاهرة الإسلاموفوبيا ذروتها. لأن لا جماعة في العالم، سوانا، قادرة على أن تشرح ماهية السلام الحقيقي. تمامًا كما لا توجد جماعة قادرة على أن تُظهر بوضوح من هو الإرهابي الحقيقي ومن هو مرتكب الإبادة الجماعية.
نحن المسلمين بحاجة إلى قلوب شجاعة تحمل كلماتنا ومفاهيمنا التي تسحر السكينة الفردية والاجتماعية، إلى المجال العالمي، وتصوغها وتفسرها على المستوى الكوني، وتضعها في صدارة أجندة البشرية في كل مجال.
لدينا من الرصيد الحضاري الغني في هذا المجال ما يجعل المرء يتساءل: كيف استطاع العالم أن يصبح فقيرًا إلى هذا الحد؟ لا يمكن فهم ذلك.
لنأخذ العدالة مثلًا.
فعلى سبيل المثال، تضع الآية الـ135 من سورة النساء تعريفًا للعدالة على نحو يجعل المستمعين إليها، في عالم اليوم الذي يشهد كل هذا الاضطراب بشأن العدالة، يدركون على الفور ماهية العدالة الحقيقية. وقد أدرك ذلك مسؤولو جامعة هارفارد، إحدى الجامعات القليلة في العالم، فلم يكتفوا بوصف هذه الآية بأنها واحدة من أعظم ما قيل عن العدالة في التاريخ، بل علقوها أيضًا في صورة لوحة عند مدخل مكتبة كلية الحقوق.
وجاء في معنى هذه الآية:
«يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين، إن يكن غنيًا أو فقيرًا فالله أولى بهما، فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا، وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرًا».
وفي عالم يستنير بنور هذه الآية، هل يمكن أن يحدث أي التباس بشأن العدالة أو أن يسود أي ظلم؟ هل يمكن عبادة الظلم باسم الحق؟ هل يمكن ارتكاب أشد أشكال انعدام القانون باسم القانون؟ وهل يمكن فتح أبواب حروب لا داعي لها تحت شعار السلام؟
نحن أغنياء جدًا بالكلمات والمفاهيم، لكن لأننا لم نتمكن من تحويلها إلى واقع ملموس، فإننا نشاهد العالم وهو يزداد فقرًا.
ولا مخرج أمامنا سوى أن نكون أصحاب كلمة في جميع مجالات الثقافة والفن والتكنولوجيا والقوة. إننا بحاجة ماسة إلى أصوات قوية تصرخ أمام البشرية بمبادئ ثقافتنا وحضارتنا التي تأمر بتسخير كل ذلك من أجل راحة الإنسان وسعادته. وفي هذه اللحظات تحديدًا، بطلها الحقيقي هو رئيسنا رجب طيب أردوغان.
كان أردوغان مرة أخرى في الأمم المتحدة صوت البشرية والجغرافيا المظلومة والمقهورين.
ووجه أردوغان خطابه إلى البشرية بأبيات الراحل سيزاي كاراكوتش التي تبعث على القشعريرة، ووجه تحذيرًا تاريخيًا إلى أولئك الذين يغرقون العالم في الدماء:
«إنهم يظنون أنه إذا سكتنا فلن تبقى القضية قائمة. لكن إذا سكتنا، فلن يصمت التاريخ. وإذا صمت التاريخ، فلن تصمت الحقيقة. إنهم يظنون أنه إذا تخلصوا منا فلن تبقى القضية قائمة. لكن إذا تخلصوا منا، فلن يتمكنوا من التخلص من عذاب الضمير. وإذا تخلصوا من عذاب الضمير، فلن يتمكنوا من التخلص من عذاب التاريخ. وإذا تخلصوا من عذاب التاريخ، فلن يتمكنوا من التخلص من غضب الله».
لعل الحصيلة الوحيدة لمنابر الأمم المتحدة هي أن توفر أرضية لمثل هذه الصرخات الشجاعة...
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










