نور أوزكان إرباي - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

انعقدت الدورة العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام في أجواء شهدت نقاشات حول أسباب وجود المنظمة، وقدرتها على إيجاد حلول للمشكلات التي يواجهها العالم، ومدى تأثيرها في تنفيذ تلك الحلول. وأطلق أنطونيو غوتيريش، الذي خاطب الجمعية العامة من على منبرها للمرة الأخيرة بصفته أمينًا عامًا للأمم المتحدة، رسائل مؤثرة قبل وداعه. وبينما أشار إلى أن النظام العالمي لم يعد بالإمكان إدارته من قبل قوة واحدة أو تكتل عسكري واحد، شدد على ضرورة أن تقر القوى العظمى بأن قوتها لم تعد بتلك العظمة، وأن تدرك حدودها، لافتًا إلى أن القوة العسكرية وحدها لا يمكنها تحقيق السلام، والقوة الاقتصادية وحدها لا يمكنها ضمان الاستقرار، والقوة التكنولوجية وحدها لا يمكنها توفير الأمن. وفيما أكد ضرورة الدفاع عن النظام الدولي القائم على القواعد «من دون تطبيق معايير مزدوجة»، شدد، بشكل يكاد يكون صريحًا، على أن هيمنة «حق النقض» على المنظمة تشكل السبب الرئيسي لتزايد عجز الأمم المتحدة عن أداء وظائفها. وفي الوقت الذي كان فيه غوتيريش يتحدث تحديدًا عن المعايير المزدوجة، شكّل عدم تمكن الرئيس الفلسطيني محمود عباس من المشاركة في الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام، بسبب عدم منح الولايات المتحدة إياه تأشيرة دخول، مثالًا بالغ الدلالة على ذلك.

ورغم أن الموضوع المشترك الوحيد، وربما الأبرز، للاجتماعات كان الإبادة الجماعية المتمحورة حول غزة، وحل الدولتين الذي يعترف بفلسطين دولة ذات سيادة وحرة، فإن رئيس الدولة التي تشكل المحور الرئيسي لهذه القضية غاب مجددًا عن قاعة الجمعية العامة. ومع أن الغالبية الساحقة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وعددها 157 دولة من أصل 193، وجميع الدول الخمس الأعضاء في مجلس الأمن الدولي باستثناء الولايات المتحدة، فضلًا عن الغالبية العظمى من دول مجموعة العشرين، التي تعد تركيا من بينها، تعترف رسميًا بدولة فلسطين، فإن عباس لم يُمنح التأشيرة مرة أخرى.

وكان لافتًا للغاية، في هذا السياق، أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استهل خطابه أمام الجمعية العامة بالإعراب عن أسفه إزاء هذا الوضع. وعند النظر في مبررات عدم منح عباس التأشيرة، يتضح أن هذا الوضع، رغم انتهاكه القانون الدولي ومبدأ التعددية الذي تقوم عليه الأمم المتحدة، أظهر أن واشنطن لا تزال عاجزة عن التحرر من هيمنة إسرائيل. وفيما ألقى مسؤولون في الأمم المتحدة بالمسؤولية على الولايات المتحدة، بصفتها الدولة المضيفة، تمثلت المبررات التي ساقتها واشنطن في ادعاءات مفادها أن فلسطين تلجأ إلى المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية لطرح خلافاتها مع إسرائيل بدلًا من إجراء مفاوضات مباشرة، وتسعى إلى الحصول على اعتراف أحادي الجانب، ولم تفِ بالتعهدات المطلوبة بشأن الإصلاح والأمن.

من جهة أخرى، أدرك العالم أجمع أن هذه المبررات والادعاءات لا تستند إلى أساس «شرعي» أو مقنع، في ظل تعرض الشعب الفلسطيني لإبادة جماعية ممنهجة، وأراضيه لاحتلال غير قانوني متدرج، وسعي إسرائيل إلى القضاء على وجوده برمته.

وبالطبع، فإن الطرف المعني الوحيد هنا ليس الرئيس الفلسطيني محمود عباس، بل الشعب الفلسطيني نفسه؛ ذلك الشعب النبيل الذي يتعرض لأبشع الهجمات وجرائم الإبادة الجماعية التي يمكن للبشرية أن تشهدها في القرن الحادي والعشرين، والذي قدم عشرات الآلاف من الشهداء في سبيل الحرية والاستقلال، ولا يزال يواصل نضاله بعزيمة. وكما أشار الرئيس أردوغان في خطابه من على منبر الجمعية العامة، فقد بات الوضع الإنساني في غزة، والاعتراف بالدولة الفلسطينية، وضرورة استمرار الضغط العالمي على إسرائيل، من أبرز القضايا المطروحة على جدول أعمال الضمير المشترك للرأي العام الدولي. وقد بلغ هذا الضغط على إسرائيل من القوة حدًا دفع ممثلها لدى الأمم المتحدة إلى مغادرة القاعة، بعدما قوطعت رسائل الرئيس أردوغان بشأن فلسطين مرارًا بالتصفيق. وهذه الرياح الفلسطينية التي تهب بقوة متزايدة كل يوم في أنحاء العالم، تصفع إسرائيل في كل المحافل الدولية، حتى وإن كانت قادرة على استغلال نفوذها لدى الولايات المتحدة لفرض قيود على منح التأشيرات. وفي وقت تتجه فيه جميع دول العالم تقريبًا إلى الاعتراف بفلسطين، بات من الأصعب بكثير مما كان عليه سابقًا أن تواصل الولايات المتحدة سياسة «عدم الاعتراف» المستمدة من نفوذ إسرائيل، وأن تستمر في إبداء المقاومة ذاتها رغم مواقف شعوب دول مثل ألمانيا وإيطاليا واليابان ورأيها العام. أما إصرار دول مثل فنلندا وسويسرا، التي تطمح إلى لعب دور بارز في عمليات السلام والحياد والوساطة في العالم، على الوقوف في الجانب الخاطئ من التاريخ، فهو موضوع آخر يستحق النقاش.

وبينما قال الأمين العام للأمم المتحدة غوتيريش، من على منبر المنظمة، إن دعم حل الدولتين يجب ألا يظل مجرد أقوال، أعلن العديد من القادة، خلال كلماتهم أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، دعمهم لحل الدولتين، وفرضوا تباعًا عقوبات على المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية، ومن بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام، ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني.

وكما يتضح، فإن القضية الفلسطينية تجاوزت منذ وقت طويل إطار الاعتراف بفلسطين فحسب. فالعالم بأسره بات يبعث برسائل قوية مفادها ضرورة إقامة دولة فلسطينية حرة ومستقلة، وأن إسرائيل ستواجه عقوبات إذا لم توقف سياسات الإبادة الجماعية والاحتلال، وأنها ستُعزل في نهاية المطاف عن العالم.

وفي هذا الصدد، فإن المقترح الذي أشار إليه الرئيس أردوغان في مقاله المنشور في بلومبرغ، والقاضي بإلغاء امتياز حق النقض الذي تتمتع به الدول الخمس الأعضاء في مجلس الأمن الدولي، يمثل مبادرة دبلوماسية ملموسة وفاعلة للغاية، من شأنها تعزيز بيان «العالم أكبر من خمسة»، وضمان انتقال الإصلاحات المنشودة في الأمم المتحدة من حيز القوة إلى حيز التنفيذ. ووفقًا لهذا النموذج، الذي يعزز صلاحيات الجمعية العامة للأمم المتحدة وتأثيرها في آليات اتخاذ القرار، في مقابل الصلاحيات المطلقة لمجلس الأمن، يُقترح أيضًا انتخاب أعضاء مجلس الأمن بالتناوب لفترات محددة. ويكون على هؤلاء الأعضاء المنتخبين بالتناوب استعادة ثقة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة حتى يتمكنوا من تولي عضوية المجلس مجددًا. وبهذه الطريقة، لا تُترك حلول المشكلات التي يواجهها العالم حكرًا على عدد قليل من الدول وإرادتها.

وبحسب تعبير الرئيس أردوغان، لا يزال الهيكل الحالي لمجلس الأمن الدولي يعكس موازين القوى التي سادت عقب الحرب العالمية الثانية. وقد جاء أهم دعم لأردوغان في هذا الشأن من غوتيريش، الذي يشغل أعلى منصب في الأمم المتحدة منذ نحو عشر سنوات، وذلك بعدما وجه أردوغان رسالة مفادها أنه «لا يمكننا بناء المستقبل وفقًا لتراتب الماضي». وأكد غوتيريش ضرورة إعادة هيكلة مجلس الأمن بما يضمن امتلاكه الشرعية والفاعلية اللتين تقتضيهما تحديات العصر الراهن، وقال: «نحن بحاجة إلى أمم متحدة قوية بما يكفي لمواجهة المشكلات القائمة، وملتزمة ببناء العالم على النحو الذي ينبغي أن يكون عليه»، معلنًا، بصفته الشخص الأكثر أهلية في هذا الشأن، مدى إلحاح الإصلاحات الواجب تنفيذها في المنظمة.

 

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس