ترك برس

لم تعد تركيا مجرد وجهة سياحية يقصدها الزوار لاكتشاف طبيعتها ومدنها التاريخية، بل أصبحت في السنوات الأخيرة واحدة من الوجهات البارزة لصناعة السينما والتلفزيون عالميًا. فمن شواطئ بحر إيجه الهادئة إلى غاباتها الغامضة، ومن المواقع التاريخية المعزولة إلى مداخن كابادوكيا الساحرة، وصولًا إلى شوارع إسطنبول الصاخبة، توفر البلاد تنوعًا جغرافيًا وثقافيًا يجعلها أشبه بمسرح تصوير مفتوح لا تنفد خياراته.

وساعدت الإمكانات التقنية المتطورة، والكوادر المتخصصة، والحوافز التي تقدمها تركيا لشركات الإنتاج الأجنبية، إلى جانب تعزيز القطاع بقانون جديد للسينما، في جذب العديد من الإنتاجات العالمية. واستضافت البلاد تصوير أفلام حظيت بشهرة وجوائز، من بينها «أرغو» (2012)، و«جيمس بوند: سقوط السماء» (2012)، و«ملائكة تشارلي» (2019)، و«إنفيرنو» (2016).

ولم تتوقف جاذبية تركيا عند الأفلام السينمائية، إذ أصبحت الدراما التلفزيونية التركية بدورها ظاهرة عالمية، حيث تُعرض المسلسلات التركية في أكثر من 170 دولة وتصل إلى نحو 750 مليون مشاهد حول العالم. ومع انتقال قصص هذه الأعمال من الشاشة إلى الواقع، تحولت مواقع التصوير والاستوديوهات إلى وجهات تجذب محبي السينما والمسلسلات الراغبين في الاقتراب من عالم الإنتاج واكتشاف الجانب الثقافي والتاريخي الذي تقدمه تركيا.

استوديوهات بوزداغ.. رحلة إلى الماضي

وفي قلب صناعة السينما والتلفزيون التركية، تبرز استوديوهات بوزداغ للتصوير، التي تعد من أكبر مواقع التصوير في البلاد، وتمتد على مساحة تصل إلى نحو 140 هكتارًا.

وتتميز الاستوديوهات بإمكاناتها الواسعة في الإنتاج والتصميم، إلى جانب شبكة من المتخصصين والمقاولين الفرعيين الذين يساهمون في تنفيذ الأعمال السينمائية والتلفزيونية. وقد جعلت هذه الإمكانات من بوزداغ أحد الأسماء البارزة في مجال إنتاج الأعمال التي تستعيد فترات مهمة من التاريخ التركي وتعيد تقديمها بصريًا أمام الجمهور.

لكن تجربة استوديوهات بوزداغ لا تتوقف عند حدود صناعة الأفلام والمسلسلات، إذ تفتح أبوابها للزوار طوال العام، مقدمة تجربة تجمع بين إعادة بناء المشاهد التاريخية والخدمات الحديثة، وتمنح الزائر فرصة للانتقال من موقع المتفرج إلى داخل المشهد نفسه.

بين الديكورات والتاريخ.. عندما يصبح الماضي حيًا

ما إن يخطو الزائر إلى استوديوهات بوزداغ حتى يجد نفسه وسط ديكورات صممت بعناية لتعكس العمارة والمشاهد التاريخية التركية. فالأزقة والمباني والتفاصيل المعمارية لا تؤدي وظيفة جمالية فحسب، بل تشكل جزءًا من تجربة تعيد بناء أجواء فترات تاريخية مختلفة.

وفي كل زاوية تقريبًا قصة تستحق الاكتشاف، حيث يمكن للزائر التعرف على مواقع مستوحاة من محطات مهمة في التاريخ التركي، ومشاهدة تفاصيل تعكس عظمة التراث، ولا سيما الإرث العثماني الذي جعل هذه الاستوديوهات نقطة جذب لمحبي التاريخ والأعمال الدرامية التركية من مختلف أنحاء العالم.

وتمنح هذه التجربة الزوار فرصة للتفاعل مع شخصيات تاريخية مستوحاة من الأعمال التي جرى تصويرها، والتعرف على المشاركين في هذه القصص، بما يجعل التاريخ أكثر قربًا وحيوية.

ارتداء الأزياء وممارسة الحرف التقليدية

ولا تقتصر تجربة الزائر على التجول بين الديكورات، إذ يمكنه ارتداء الملابس التركية التقليدية والتفاعل مع الشخصيات الموجودة في الموقع، والتقاط الصور في أجواء تعيد إلى الأذهان الفترات التاريخية التي تتناولها الأعمال.

كما تقدم الاستوديوهات مجموعة متنوعة من الأنشطة التي تسمح بالتعرف عمليًا على جوانب من الحياة التقليدية، بدءًا من الرماية ووصولًا إلى النسيج والحدادة. وتمنح هذه الأنشطة الزائر فرصة لاكتشاف المهارات والحرف التي شكلت جزءًا من الحياة اليومية في تركيا خلال الفترات التاريخية المختلفة.

وبذلك تتحول الزيارة إلى تجربة تفاعلية لا تكتفي بعرض التاريخ، وإنما تسمح للزائر بأن يكون جزءًا منه، ولو لفترة قصيرة.

المذاق التركي.. التاريخ على مائدة الطعام

وتحضر الثقافة الغذائية أيضًا ضمن تجربة بوزداغ، من خلال مطعم سوغوت 1299، حيث يمكن للزوار اكتشاف مجموعة من النكهات المستوحاة من المطبخ التركي التقليدي وتذوق الحلويات التركية.

وتولي التجربة اهتمامًا بالجانب الثقافي للأطباق المقدمة، بحيث لا يكون الطعام مجرد جزء من الرحلة، بل وسيلة أخرى للتعرف على الماضي وأنماط الحياة التي ارتبطت به. وبين الأطباق التقليدية والحلويات، يجد الزائر فرصة لاستكمال رحلته في التاريخ من خلال المذاق.

الترفيه والتعلم لجميع أفراد العائلة

وتوفر استوديوهات بوزداغ كذلك أنشطة ترفيهية تجمع بين المتعة والتعلم، من بينها عروض الفروسية ومسرح الأطفال، الذي يقدم عروضه باللغة التركية.

وتساهم هذه الفعاليات في تقديم التاريخ بصورة ديناميكية ومبسطة، وتجعل التجربة مناسبة لمختلف الأعمار، ولا سيما العائلات والأطفال الذين يستطيعون التعرف على جوانب من التاريخ والثقافة التركية في أجواء ترفيهية.

كما تشكل عروض الفروسية جزءًا من المشهد الذي يضفي على المكان طابعًا تاريخيًا، ويعزز الإحساس بأن الزائر انتقل مؤقتًا من الحياة المعاصرة إلى عالم مختلف استلهمته الدراما التركية.

سوغوت.. استراحة هادئة وسط أجواء تاريخية

وفي زاوية هادئة من المنطقة، يجد الزائر مساحة للاسترخاء والاستمتاع بالمشروبات التقليدية وسط أجواء تجمع بين الطبيعة والهدوء. وتوفر هذه المساحات فرصة لالتقاط الأنفاس بعد جولة بين الديكورات والمواقع التاريخية، والاستمتاع بتجربة أكثر هدوءًا بعيدًا عن صخب المدن.

وهكذا لا تقدم مواقع التصوير في تركيا مجرد أماكن خلفية للأفلام والمسلسلات، بل أصبحت جزءًا من تجربة سياحية وثقافية متكاملة. فمن خلال الاستوديوهات والديكورات التاريخية والأنشطة التفاعلية والطعام التقليدي، يستطيع الزائر الاقتراب من التاريخ التركي بطريقة مختلفة، واكتشاف كيف تتحول القصص التي يشاهدها على الشاشة إلى أماكن وتجارب يمكن عيشها على أرض الواقع.

وتأتي استوديوهات بوزداغ في مقدمة هذه التجارب، باعتبارها مساحة تجمع السينما بالتاريخ والثقافة والترفيه، وتمنح زوارها فرصة لخوض رحلة إلى الماضي والتعرف عن قرب على جانب من التراث التركي الذي جعل الدراما والسينما في البلاد تحظيان بمتابعة واسعة حول العالم.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!