ترك برس

في مدينة طرابزون، الواقعة على ساحل البحر الأسود شمال شرقي تركيا، تتجاور الطبيعة الساحرة مع طبقات متراكمة من التاريخ تركتها الحضارات التي تعاقبت على المنطقة عبر آلاف السنين. وبين الأزقة القديمة والمباني التي ما زالت تحمل ملامح العهد العثماني، يبرز متحف طرابزون داخل قصر كوستاكي، أحد أجمل نماذج العمارة المدنية في أواخر العهد العثماني، ليقدم للزائر رحلة تجمع بين الفن والتاريخ والحياة اليومية والتراث الشعبي.

ولا تقتصر أهمية المتحف على مقتنياته الأثرية، بل إن المبنى نفسه يمثل قطعة فنية وتاريخية تستحق التوقف عندها. فقد شُيد قصر كوستاكي في مطلع القرن العشرين على يد المصرفي اليوناني من طرابزون قسطنطين ثيوفيلاكتوس، وفقا للطراز المعماري الذي كان سائدا آنذاك، وتحول مع مرور الزمن إلى أحد أبرز معالم العمارة المدنية في المدينة.

وبعد أعمال ترميم دقيقة وإعادة تنظيم قاعات العرض استمرت بين عامي 2018 و2024، أعيد افتتاح متحف طرابزون أمام الزوار في 30 مايو/أيار 2025، ليعود القصر إلى استقبال الجمهور بحلة جديدة تجمع بين الحفاظ على طابعه التاريخي وتقديم محتوياته بأساليب عرض حديثة.

قصر كوستاكي.. تحفة من أواخر العهد العثماني

يقع القصر في شارع الزيتونليك القديم، ويعد من أكثر المباني المدنية قيمة في طرابزون خلال المرحلة الأخيرة من الدولة العثمانية.

ويتميز المبنى بتصميمه المعماري وتوزيعه الداخلي والزخارف التي تزينه، ما يجعله أثرا قائما بذاته قبل النظر حتى إلى المجموعات المعروضة داخله.

وتبرز بصورة خاصة الزخارف المرسومة يدويا على الأسقف والجدران، والتي تغطي أجزاء واسعة من المساحات الداخلية، وتكشف عن المستوى الفني الذي بلغته العمارة المدنية في طرابزون خلال تلك الفترة.

وعند الدخول إلى المبنى، يصل الزائر عبر درج مميز إلى الطابق الأرضي، الذي أعيد تنظيمه ليعكس طبيعة الحياة داخل قصر كوستاكي، ويقدم صورة عن كيفية استخدام مساحاته خلال الفترة التي كان القصر فيها مسكنا.

ولا يكتفي العرض هنا بإظهار القطع الأثرية، بل يحاول إعادة بناء أجواء المكان وإبراز القصر نفسه باعتباره جزءا أساسيا من القصة التي يرويها المتحف.

مصطفى كمال أتاتورك وطرابزون

ومن الطابق الأرضي، يصعد الزائر عبر درج خشبي إلى الطابق الأول، حيث ينتقل العرض إلى مرحلة مختلفة من تاريخ طرابزون.

ويخصص هذا الطابق جانبا مهما لتوثيق الزيارات الثلاث التي قام بها مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك إلى طرابزون، إلى جانب التعريف بعدد من الشخصيات البارزة من أبناء المدينة الذين ارتبطوا بتاريخها خلال السنوات الأولى للجمهورية.

وتعرض هذه المرحلة من تاريخ المدينة من خلال الوثائق والصور والتسجيلات المصورة، بما يمنح الزائر فرصة للتعرف على طرابزون في مرحلة التحول من العهد العثماني إلى الجمهورية التركية.

ومن أكثر المعروضات لفتا للانتباه إعادة تمثيل مشهد الصورة التي التقطت في حديقة قصر كوستاكي خلال زيارة أتاتورك الأولى إلى طرابزون عام 1924، حين استُقبل في القصر برفقة زوجته لطيفة هانم والوفد المرافق له.

وتمنح هذه المحاكاة البصرية الزائر فرصة للتعرف على المكان الذي احتضن تلك الزيارة التاريخية، وربط الصورة القديمة بالفضاء الحقيقي الذي التُقطت فيه.

الحرف التقليدية.. ذاكرة طرابزون الشعبية

ويضم الطابق نفسه قسما مخصصا للتراث الإثنوغرافي لطرابزون، مع التركيز على عدد من الحرف التي شكلت جزءا من هوية المدينة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ومن بين أبرز هذه الحرف صناعة النحاس والفخار وصياغة الذهب والمجوهرات، حيث تعرض نماذج وأدوات مرتبطة بهذه المهن.

ويولي المتحف اهتماما خاصا بالحرف التي بات بعضها مهددا بالاندثار، في محاولة لإبقاء الصلة قائمة بين الأجيال الجديدة والتراث المهني الذي اشتهرت به طرابزون.

ومن خلال هذه المعروضات، لا يقدم المتحف تاريخ المدينة من منظور الأحداث السياسية فقط، وإنما يفتح نافذة على حياة سكانها اليومية ومهنهم وأساليب إنتاجهم، بما يجعل التاريخ أكثر قربا من تفاصيل الحياة الإنسانية.

قاعة الآثار.. رحلة من عصور ما قبل التاريخ إلى العثمانيين

ومن أبرز أقسام متحف طرابزون قاعة الآثار التي يمكن الوصول إليها من جهة الحديقة.

وقد صممت هذه القاعة على شكل رحلة زمنية تبدأ من عصور ما قبل التاريخ وتمتد حتى نهاية العهد العثماني، بحيث ينتقل الزائر تدريجيا بين المراحل المختلفة التي مرت بها المدينة والمنطقة المحيطة بها.

وعند مدخل القسم الأثري، يستقبل الزائر خط زمني يقدم الحضارات والثقافات التي عاشت في طرابزون ومحيطها وفق تسلسلها التاريخي، الأمر الذي يساعد على وضع القطع المعروضة في سياقها الزمني والحضاري.

وتضم القاعات أعمالا ولقى أثرية تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، ثم إلى اليونان القديمة وروما، مرورا بالعهد البيزنطي، وصولا إلى العصر العثماني.

ويتيح هذا التنوع للزائر تتبع التحولات التي شهدتها طرابزون على مدى آلاف السنين، وفهم كيف تأثرت المدينة بتغير القوى السياسية والثقافات والأنماط الاقتصادية والاجتماعية.

طرابزون القديمة.. الحياة اليومية والملاحة

ولا تقتصر قاعة الآثار على عرض القطع في خزائن تقليدية، إذ جرى تخصيص غرف تحاول إعادة تصوير جوانب من الحياة في طرابزون خلال العصور القديمة.

ومن أبرز هذه المساحات غرفة مخصصة للحياة اليومية في طرابزون القديمة، وأخرى تسلط الضوء على الملاحة البحرية القديمة وأهمية البحر بالنسبة إلى المدينة.

وتكتسب هذه الأقسام أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الجغرافي لطرابزون على ساحل البحر الأسود، ودور البحر في التجارة والاتصال بين مدن ومناطق مختلفة عبر التاريخ.

وتساعد المشاهد المعاد تمثيلها في نقل الزائر من مجرد مشاهدة القطعة الأثرية إلى تصور البيئة التي استخدمت فيها، والأدوار التي أدتها في حياة سكان المدينة.

مكتشفات جديدة من قلعة طرابزون

ويولي المتحف أهمية خاصة للمكتشفات الحديثة التي ظهرت خلال أعمال التنقيب الأثري التي نفذها في قلعة طرابزون.

وقد خصص قسم من الطابق الأثري لعرض هذه اللقى الجديدة، بما يعكس استمرار عمليات البحث والتنقيب عن تاريخ المدينة وعدم اقتصار المتحف على المكتشفات التي ظهرت في مراحل سابقة.

وتوفر هذه القطع إضافة مهمة إلى الرواية التاريخية التي يقدمها المتحف، وتساعد على توسيع المعرفة بالماضي الأثري لطرابزون ومراحل تطورها العمراني والحضاري.

مساحة تفاعلية للأطفال

وفي إطار تطوير تجربة المتحف وجعلها أكثر ملاءمة للعائلات والأجيال الجديدة، يضم المتحف غرفة تفاعلية مخصصة للأطفال تقوم على مبدأ "التعلم من خلال الترفيه".

وتتيح هذه المساحة للأطفال التعرف إلى التاريخ والآثار بطريقة تفاعلية، بعيدا عن أسلوب العرض التقليدي، بما يساعد على تقريب المفاهيم التاريخية والأثرية منهم وتحويل الزيارة إلى تجربة تعليمية ممتعة.

ويمثل إدراج هذا النوع من المساحات توجها متزايدا في المتاحف الحديثة نحو إشراك الأطفال في عملية اكتشاف التاريخ، بدلا من الاكتفاء بمشاهدتهم للقطع الأثرية من خلف الواجهات الزجاجية.

720 قطعة تروي قصة المدينة

يضم متحف طرابزون في مجمل أقسامه 720 قطعة أثرية وفنية، تغطي فترات زمنية وثقافية متعددة، وتجمع بين الآثار والحياة اليومية والتراث الشعبي والشخصيات التاريخية.

وتمنح هذه المجموعة المتنوعة المتحف قدرة على تقديم قصة طرابزون من أكثر من زاوية؛ فمن القصر العثماني وزخارفه التي تحكي عن حياة طبقة من سكان المدينة، إلى الوثائق والصور التي توثق بدايات الجمهورية، وصولا إلى الأدوات والحرف التقليدية والقطع الأثرية التي تمتد جذورها إلى عصور ما قبل التاريخ.

وبذلك، لا يبدو متحف طرابزون مجرد مكان لحفظ الآثار، بل مؤسسة ثقافية تسعى إلى وصل الماضي بالحاضر، وإبقاء ذاكرة المدينة حية أمام الأجيال المقبلة.

ومع إعادة افتتاحه بعد سنوات من الترميم وإعادة تنظيم العرض، يستعيد متحف طرابزون داخل قصر كوستاكي مكانته كأحد أبرز المواقع الثقافية في المدينة، حيث يلتقي جمال العمارة العثمانية مع تاريخ طرابزون الممتد عبر آلاف السنين، في تجربة واحدة تجمع بين القصر والمتحف والأثر والتراث والذاكرة.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!