ترك برس

على ضفاف بحيرة أولوبات، وبين مياه مرمرة من جهة وجبال أولوداغ من جهة أخرى، تختبئ صفحات من تاريخ الأناضول القديم في موقع أبولونيا أد رينداكوم الأثري بولاية بورصة شمال غربي تركيا. وبينما يمر الطريق المؤدي إلى المدينة القديمة اليوم عبر منطقة يطلق عليها السكان المحليون اسم «مقبرة الكفار»، تقف مدافن عمرها قرون شاهدة على مدينة كانت ذات يوم من المراكز المهمة في إقليم بيثينيا، وعلى معتقدات سكانها ونظرتهم إلى الموت والحياة الآخرة.

ولم تعد هذه المقابر مجرد بقايا أثرية متناثرة في منطقة مفتوحة؛ إذ تحولت أعمال التنقيب والحفظ التي نفذت فيها إلى مشروع يهدف إلى إعادة تقديم الموقع للجمهور، بما يجمع بين حماية الآثار وإتاحة الفرصة للزوار للتعرف على جانب من الحياة الاجتماعية والدينية في العصور القديمة.

ويقع موقع أبولونيا أد رينداكوم في منطقة غوليزي التابعة لقضاء نيلوفر في بورصة، على مسافة نحو 35 كيلومترا من الطريق الذي يربط بورصة بكاراجابي، ثم على بعد نحو 7 كيلومترات باتجاه الجنوب. ويصل الطريق الحديث إلى المدينة القديمة مارا عبر منطقة المقبرة التي ظلت معروفة بين أهالي المنطقة باسم «غافور مزاري»؛ أي «مقبرة الكفار»، وهو اسم شعبي ارتبط بالموقع على مر الزمن.

27 قبرا تكشف جانباً من ماضي أبولونيا

تضم المنطقة الواقعة عند مدخل المدينة القديمة مساحة واسعة من المقابر، أو ما يعرف في علم الآثار بـ«النكروبول»، وهي مناطق كانت تستخدم لدفن الموتى في المدن القديمة، وتعد اليوم من أهم المصادر التي يعتمد عليها الباحثون لفهم جوانب مختلفة من المجتمعات السابقة، بدءاً من طقوس الدفن والمعتقدات الدينية، وصولاً إلى طبيعة الحياة الاجتماعية والاقتصادية للسكان.

وأجريت أعمال التنقيب الأثري في نكروبول أبولونيا خلال عامي 2016 و2017 بالتعاون بين متحف بورصة للآثار وجامعة بورصة أولوداغ. وأسفرت الحفريات عن الكشف الكامل عن 27 قبراً، رغم أن عدداً كبيراً من القبور كان قد تعرض في وقت سابق للتخريب والنهب على أيدي الباحثين عن الكنوز.

وكانت حالة الموقع تعكس تحدياً مزدوجاً أمام القائمين على المشروع؛ فمن جهة، كان يتعين مواصلة البحث العلمي والكشف عن تفاصيل المقابر، ومن جهة أخرى، كان لابد من اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية ما ظهر من آثار من عوامل الطبيعة والتخريب البشري، تمهيداً لتحويل المنطقة إلى موقع أثري يمكن للزوار الوصول إليه بأمان.

من موقع للتنقيب إلى فضاء مفتوح أمام الجمهور

لم تقتصر الأعمال التي شهدتها المنطقة على عمليات الحفر والكشف عن القبور، بل ركز المشروع أيضاً على كيفية تقديم الموقع للزائر بصورة تحافظ على طبيعته الأثرية وتتيح في الوقت نفسه فهماً أفضل لما يراه داخل النكروبول.

وفي هذا الإطار، جرى تنفيذ مجموعة من الترتيبات لحماية القبور المكتشفة، من بينها إنشاء أغطية فوقها، إلى جانب تنفيذ أعمال ترميم وحفظ للآثار التي ظهرت خلال عمليات التنقيب. كما جرى تنظيم مسار مخصص للزوار داخل الموقع، بما يسمح بالتجول بين القبور ومتابعة العناصر الأثرية دون تعريضها للتلف.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في المواقع الأثرية التي تضم قبوراً مكشوفة؛ إذ إن فتحها أمام الجمهور لا يمكن أن ينفصل عن توفير وسائل لحمايتها من الظروف الجوية ومن الاستخدام غير المنظم للموقع. ولذلك جاء تصميم مسار الزيارة وأعمال التغطية والحفظ كجزء من رؤية متكاملة تجمع بين العرض الأثري والصيانة.

هدايا الموتى تكشف معتقدات العالم الآخر

ومن بين العناصر التي تمنح نكروبول أبولونيا قيمة خاصة، ما عثر عليه من هدايا جنائزية وضعت مع الموتى، وهي ممارسات تلقي الضوء على التصورات التي كانت سائدة لدى سكان المدينة بشأن الموت والعالم الآخر.

فالهدايا التي ترافق الموتى إلى قبورهم لا تمثل مجرد مقتنيات أثرية، بل تحمل في كثير من الأحيان دلالات مرتبطة بالمعتقدات والطقوس الجنائزية، وتساعد علماء الآثار على فهم الطريقة التي نظر بها سكان أبولونيا إلى الحياة بعد الموت، وكذلك مكانة المتوفى داخل المجتمع.

ومن خلال هذه المكتشفات، يصبح النكروبول أشبه بسجل مفتوح للحياة القديمة؛ فكل قبر يمكن أن يقدم معلومة عن صاحبه، وكل قطعة عثر عليها داخله قد تساعد في رسم صورة أوسع عن المجتمع الذي عاش في أبولونيا، وعن عاداته ومعتقداته وعلاقته بالموت.

أبولونيا.. مدينة بين البحيرة والجبال

تعود أهمية الموقع إلى موقع أبولونيا نفسها، التي قامت على ساحل بحيرة أولوبات، المعروفة في العصور القديمة باسم أبولونياتيس، في منطقة تقع بين بحر مرمرة، أو بروبونتيس في التسمية القديمة، وجبل أولوداغ المعروف باسم أوليمبوس في العصور القديمة.

وكانت أبولونيا أد رينداكوم إحدى المدن المهمة في إقليم بيثينيا خلال العصور القديمة، مستفيدة من موقعها الجغرافي الذي ربط بين البحيرة والمناطق المحيطة بها، ومن موقعها ضمن شبكة المدن والمستوطنات التي شكلت المشهد الحضاري للأناضول في تلك الحقبة.

ولا تكمن أهمية المدينة في بقايا مبانيها فقط، بل تمتد إلى المناطق المحيطة بها، وفي مقدمتها النكروبول الذي يمثل جزءاً أساسياً من المشهد الحضري للمدينة القديمة. فكما تكشف الأبنية العامة والأسواق والمعابد عن طريقة عيش السكان، تقدم المقابر صورة مختلفة عنهم، تتعلق بعاداتهم الجنائزية ومعتقداتهم ومكانة الموتى في مجتمعهم.

الذاكرة الأثرية في مواجهة البحث عن الكنوز

يكشف تاريخ النكروبول أيضاً عن جانب من التحديات التي تواجه المواقع الأثرية في تركيا، حيث تعرض عدد من القبور للتخريب من قبل الباحثين عن الكنوز قبل بدء عمليات التنقيب المنظمة.

ويمثل هذا النوع من التخريب خسارة لا تقتصر على القطع الأثرية التي قد يتم الاستيلاء عليها، وإنما تشمل أيضاً المعلومات العلمية المرتبطة بمكان العثور على القطعة وطريقة وضعها داخل القبر وعلاقتها ببقية العناصر. فالسياق الأثري يمثل جزءاً أساسياً من قيمة المكتشفات، وأي تدخل عشوائي في القبر قد يؤدي إلى فقدان معلومات لا يمكن استعادتها.

ومن هنا تكتسب عمليات التنقيب والحفظ والتعريف بالموقع أهمية تتجاوز الكشف عن الآثار، لتصل إلى حماية الذاكرة التاريخية نفسها، وإبقاء الموقع متاحاً للأجيال المقبلة باعتباره مصدراً للمعرفة وليس مجرد مكان للعثور على مقتنيات قديمة.

المعرفة جزء من حماية التراث

رافقت أعمال التنقيب في الموقع جهود للتعريف بأهمية المنطقة وتقديم معلومات عنها خلال مراحل العمل، في محاولة لربط المجتمع المحلي والزوار بالموقع الأثري وتوضيح قيمته التاريخية والثقافية.

ويعد هذا الجانب من المشاريع الأثرية عاملاً مهماً في حماية التراث، لأن الحفاظ على موقع تاريخي لا يعتمد فقط على الأسوار ووسائل الحماية المادية، وإنما يرتبط أيضاً بمدى إدراك المجتمع لقيمته.

ومن هذا المنظور، فإن فتح نكروبول أبولونيا أمام الزوار يمثل خطوة تتجاوز فكرة عرض القبور القديمة؛ فهو يحول الموقع إلى مساحة تعليمية وثقافية يستطيع فيها الزائر أن يقرأ جانباً من تاريخ مدينة أبولونيا، وأن يتعرف على الطقوس والمعتقدات التي رافقت سكانها في حياتهم وموتهم.

طريق جديد إلى تاريخ أبولونيا

وبينما يشق الطريق الحديث طريقه عبر النكروبول نحو المدينة القديمة، تبدو المنطقة وكأنها تقف عند تقاطع زمنين؛ زمن حاضر يعبره السكان والزوار، وزمن قديم لا يزال حاضراً من خلال القبور واللقى الأثرية.

وتمنح أعمال الترميم والحفظ وتنظيم مسارات الزيارة للموقع فرصة جديدة للخروج من دائرة النسيان، والانتقال من منطقة كانت تعرف شعبياً باسم «مقبرة الكفار» إلى موقع أثري يحمل اسماً وتاريخاً وقصة يمكن قراءتها ودراستها.

وهكذا، لا تقدم مقابر أبولونيا للزائر مجرد مشهد عن الموت، بل تفتح نافذة على الحياة نفسها؛ على مدينة عاشت في الأناضول القديم، وعلى سكان تركوا وراءهم آثاراً تكشف شيئاً من معتقداتهم وطقوسهم ونظرتهم إلى العالم الآخر.

ومع استمرار جهود حماية الموقع وتعزيز الوعي بقيمته، يتحول نكروبول أبولونيا تدريجياً إلى جزء من الذاكرة الثقافية لولاية بورصة، وموقعاً يربط بين الماضي الأثري للمنطقة وحاضرها، ويمنح الزائر فرصة للتجول في مكان لم تعد فيه القبور مجرد شواهد صامتة، وإنما وثائق مفتوحة على تاريخ مدينة من مدن الأناضول القديمة.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!