ترك برس

تحتضن منطقة مرمرة شمال غربي تركيا ثراءً طبيعياً لا يقتصر على السواحل والغابات والبحيرات، بل يمتد إلى عالم آخر يختبئ في أعماق الأرض، حيث المغارات التي تشكلت عبر آلاف وملايين السنين، وتحولت اليوم إلى وجهات تجمع بين المغامرة والاستكشاف والتاريخ. 

 تكشف بعض هذه الكهوف عن مشاهد طبيعية مبهرة من الهوابط والصواعد، تحمل أخرى آثاراً تشير إلى أزمنة موغلة في القدم، ما يجعل زيارتها أشبه برحلة عبر طبقات الطبيعة والحضارات التي تعاقبت على المنطقة.

وتبرز في منطقة مرمرة مجموعة من المغارات التي تختلف في طبيعتها وتاريخها، من مغارة "دوبنيسا" في ولاية قرقلار إيلي، التي ترتبط بمصدر نهر ريزفه وتشكل موطناً لعشرات الآلاف من الخفافيش، إلى مغارة "أويلات" في بورصة، التي تتميز بتكويناتها الصخرية ومساراتها المهيبة، وصولاً إلى مغارة "يارمبورغاز" في إسطنبول، التي تعد من أهم المواقع التي تكشف عن بدايات الاستيطان البشري في المنطقة.

مغارة دوبنيسا.. عالم تحت الأرض وملاذ للخفافيش

تقع مغارة دوبنيسا في قرية سارب دره التابعة لقضاء دمير كوي بولاية قرقلار إيلي، شمال غربي تركيا، وتعد واحدة من أبرز المغارات الطبيعية في منطقة مرمرة. وتتميز المغارة ببنية جيولوجية فريدة تشكلت خلال العصر الجوراسي المبكر، أي في مرحلة مبكرة من الحقبة الجيولوجية الثانية.

وتتكون دوبنيسا من مجموعة مغارات مترابطة، لها ثلاثة مداخل، فيما يبلغ طولها الإجمالي نحو 3 آلاف و200 متر. ويمنح اختلاف البنية الطبيعية للمغارات الثلاث وتنوع تكويناتها الداخلية المكان جاذبية خاصة بالنسبة إلى الزوار والمهتمين باستكشاف الكهوف والطبيعة.

ولا تقتصر أهمية دوبنيسا على قيمتها الجيولوجية والسياحية، إذ تؤدي المغارة دوراً مهماً في النظام البيئي للمنطقة، حيث تعد موطناً لتكاثر نحو 60 ألف خفاش مستوطن ينتمي إلى 11 نوعاً مختلفاً.

ولهذا السبب، تُغلق المغارة أمام الزوار سنوياً خلال الفترة الممتدة بين 15 نوفمبر/تشرين الثاني و15 مايو/أيار، بما يتيح للخفافيش إتمام موسم التكاثر بعيداً عن التأثيرات البشرية. ومع انتهاء موسم التكاثر، تعاود المغارة استقبال زوارها، في إطار يوازن بين النشاط السياحي والحفاظ على الحياة البرية.

وتكتسب المغارة أهمية جغرافية إضافية لكونها مصدراً لمياه نهر ريزفه، الذي يشكل جزءاً من الحدود الطبيعية بين تركيا وبلغاريا. وبذلك تلتقي في دوبنيسا عناصر الطبيعة والجيولوجيا والمياه والحياة البرية في موقع واحد.

مغارة أويلات.. مسار طبيعي يقود إلى عالم من الهوابط والصواعد

في ولاية بورصة، وتحديداً في قضاء إينغول، تقع مغارة أويلات التي أصبحت واحدة من الوجهات التي يقصدها محبو الطبيعة والاستكشاف. ويعود اكتمال تشكلها الطبيعي إلى نحو 3 آلاف عام، فيما يبلغ طولها الإجمالي 665 متراً، ما جعلها تُصنف ضمن أكبر المغارات في تركيا.

ولا يصل الزائر إلى المغارة مباشرة، بل يسلك مساراً طبيعياً طويلاً ومهيباً يقوده تدريجياً إلى هذا العالم الجوفي، الذي تعادل بعض أجزائه ارتفاع مبنى مكون من نحو 40 طابقاً، في مشهد يضيف إلى تجربة الزيارة بعداً من المغامرة.

واكتُشفت مغارة أويلات عام 2004، وتتميز بتكوينات طبيعية لافتة، بينها الهوابط والصواعد ذات الأشكال والألوان المتنوعة، التي تشكلت بفعل عمليات جيولوجية استغرقت فترات طويلة. وفي بعض أجزاء المغارة تصل ارتفاعات الجدران إلى ما بين 450 و500 متر، ما يمنح المكان طابعاً مهيباً ويكشف عن ضخامة التكوينات الصخرية التي صنعتها الطبيعة.

وفوق المدخل الرئيسي للمغارة توجد ثلاثة فتحات، فيما تشكل التكوينات الصخرية الداخلية مشهداً متنوعاً للزوار. وقد يحالف الحظ بعضهم في مشاهدة الخفافيش والفراشات التي تعيش في هذا الوسط الطبيعي، ما يضيف إلى الرحلة بعداً بيئياً إلى جانب المشاهد الجيولوجية.

مغارة يارمبورغاز.. ذاكرة تمتد إلى 400 ألف عام

أما في إسطنبول، فتأخذ المغارات الزائر إلى زمن أبعد بكثير، وتأتي مغارة يارمبورغاز في مقدمة المواقع التي تجمع بين القيمة الطبيعية والأهمية الأثرية. وتقع المغارة شمال بحيرة كوتشوك تشكمجة، في وادي نهر سازلي دره، وهي مغارة طبيعية من الحجر الجيري يبلغ طولها نحو 600 متر.

وترتبط المنطقة بتاريخ قديم للغاية، إذ يعود تاريخ أول استيطان بشري في يارمبورغاز إلى نحو 400 ألف عام، ما يجعلها من أبرز المواقع التي يمكن من خلالها تتبع مراحل مبكرة من وجود الإنسان في منطقة إسطنبول الحالية.

وتتكون مغارة يارمبورغاز من أربعة كهوف منفصلة، فيما بدأت أولى أعمال التنقيب الأثري فيها خلال ستينيات القرن الماضي. وأسفرت عمليات التنقيب عن العثور على قطع ومكتشفات مهمة، غير أن المغارات تعرضت أيضاً لأضرار خلال هذه الفترة، الأمر الذي أثر في جزء من مكوناتها التاريخية والطبيعية.

وعند مدخل المغارة توجد حجرة يبلغ حجمها نحو 50 متراً، وترتبط بحجرة أخرى تقع في مستوى أدنى ويبلغ امتدادها نحو 600 متر. وقد تعرضت أرضية الحجرة العلوية لأضرار كبيرة نتيجة أعمال البحث عن الكنوز والحفريات غير القانونية، بينما كشفت الحجرة السفلية عن مكتشفات مهمة تعود إلى العصر الحجري القديم الأدنى.

ولا تتوقف أهمية يارمبورغاز عند آثار الاستيطان البشري القديم، إذ تشير المعالم الموجودة فيها أيضاً إلى استخدامها كموقع رهباني حتى العصر البيزنطي المتأخر. ففي بداية الحجرة العلوية توجد بقايا كنيسة صغيرة ذات طابع بازيليكي، نُحت نصف قبتها عند المدخل، بما يعكس مراحل مختلفة من استخدام الموقع عبر التاريخ.

وهكذا تقدم يارمبورغاز نموذجاً مختلفاً عن المغارات السياحية التقليدية؛ فهي ليست مجرد تكوين طبيعي يمكن استكشافه، بل سجل مفتوح لتاريخ الإنسان في المنطقة، يجمع بين آثار العصور الحجرية والوجود البيزنطي، وإن كانت حالتها الراهنة تستدعي حماية أكبر لما تبقى من آثارها وتكويناتها.

مغارات أخرى لعشاق الاستكشاف

ولا تقتصر المغارات الطبيعية في منطقة مرمرة على دوبنيسا وأويلات ويارمبورغاز، إذ تضم المنطقة مواقع أخرى يمكن أن تستقطب هواة المغامرة والاستكشاف، وإن كان الوصول إلى بعضها يتطلب تجهيزات ومعدات خاصة.

ومن بين هذه المواقع مغارة "إكي غوز" في إسطنبول، التي تحتاج زيارتها إلى معدات مناسبة، إضافة إلى مغارة "ياناسو" في قرقلار إيلي، التي تتطلب هي الأخرى تجهيزات خاصة للوصول إليها واستكشافها.

وتكشف هذه المواقع مجتمعة عن تنوع استثنائي في طبيعة المغارات بمنطقة مرمرة؛ فبعضها يمثل مختبراً طبيعياً للحياة البرية، وبعضها يكشف عن تاريخ جيولوجي سحيق، فيما تختزن أخرى آثاراً تمتد إلى بدايات الوجود البشري والحضارات القديمة.

ومن هذا المنظور، لا تبدو زيارة مغارات مرمرة مجرد رحلة إلى أماكن مظلمة تحت سطح الأرض، بل تجربة لاكتشاف وجه آخر لتركيا، تختلط فيه الجيولوجيا بالتاريخ والطبيعة بالمغامرة. وبين الخفافيش التي تتخذ من دوبنيسا موطناً لها، والتكوينات الصخرية الشاهقة في أويلات، والآثار التي تحملها يارمبورغاز من عصور الإنسان الأولى، تقدم هذه المغارات للزائر فرصة للانتقال من سطح المشهد التركي المعروف إلى عالم خفي تشكل عبر آلاف السنين، ولا يزال يحتفظ بالكثير من أسراره.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!