مصطفى صبري بشير - ستار - ترجمة وتحرير ترك برس

للتاريخ تقلباته الغريبة. فأحياناً تمضي أمة أو حضارة في مسيرتها مئة عام، وتجتاز العديد من المحن، ثم تعود في نهاية المطاف إلى المكان الذي بدأت منه.

لكن العودة إلى المكان نفسه لا تعني الوقوف عند النقطة ذاتها. فالتاريخ لا يرسم دائرة فحسب، بل يعود أحياناً إلى المكان الذي بدأ منه، حاملاً معه تجربة قرن كامل.

في عام 1926، كانت أنظار العالم الإسلامي متجهة إلى مكة.

فلم يكن قد مضى على إلغاء الخلافة سوى عامين، وكانت الدولة العثمانية قد دخلت التاريخ، واختفى النظام الذي كان يمثل أحد المراكز السياسية للعالم الإسلامي.

وكان الاستعماران البريطاني والفرنسي قد أطبقا على ديار الإسلام، ورُسمت الحدود بالمساطر.

وكان العالم الإسلامي يواجه سؤالاً: «أين سيكون المركز؟».

كان مؤتمر مكة بحثاً عن اتجاه جديد لعالم تفكك مركزه.

وقد أفضت الانتدابات البريطانية، وحوادث البراق عام 1929، والاحتلالات الصهيونية، إلى انعقاد مؤتمر القدس الإسلامي عام 1931.

وحملت القدس مصير مدينة مقدسة إلى أجندة الضمير المشترك.

وفي عام 1937، اجتمعت تركيا وإيران والعراق وأفغانستان بموجب ميثاق سعد آباد، من أجل احترام الحدود، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتحقيق السلام الإقليمي!

وفي عام 1950، نقلت معاهدة الدفاع العربي المشترك مبدأ «الاعتداء على أحدنا اعتداء علينا جميعاً» إلى الإطار العسكري.

أما ميثاق بغداد عام 1955، فقد جمع تركيا والعراق وإيران وباكستان وبريطانيا ضمن منظومة الأمن في الحرب الباردة.

وفي عام 1969، أدى إحراق المسجد الأقصى إلى إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي.

وعقب الثورة الإيرانية والحرب الإيرانية العراقية، تأسست عام 1982 قوة درع الجزيرة المشتركة في الخليج.

وفي عام 2015، تشكل التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب، ومقره الرياض.

السؤال الذي طُرح في مكة: «أين سيكون المركز؟» كان يتحول في القدس إلى سؤال آخر:

هل يمكن إقامة إرادة مشتركة في مواجهة خطر مشترك؟

ومنذ أقدم عصور التاريخ البشري، جعل التهديد المشترك القوة المشتركة ضرورة. فمنذ المدن الأولى وحتى الدول، أجبرت إدارة المياه وحماية الإنتاج والتصدي للهجمات الخارجية المجتمعات المتفرقة على التنظيم.

وحتى العبارة التي انتقلت إلى لغة الناس في تاريخنا الحديث، «عندما هُزمت ألمانيا، اعتُبرنا نحن أيضاً مهزومين»، تعبّر عن حالة سياسية نفسية تربط الأمل بانتصار دولة أخرى، والمصير بهزيمتها.

لقد مر قرن من الزمن. والقضية الآن ليست إلى جانب من سننتصر.

بل القضية الأساسية هي: هل نستطيع أن نضمن أمننا بإرادتنا وقوتنا المشتركة؟

في مكة عام 1926، كان البحث عن الاتجاه السياسي، وفي القدس عام 1931 كان البحث عن التضامن.

أما اليوم، فيجري السعي إلى بلوغ مرحلة «القوة المشتركة».

وفلسطين وغزة تعيدان طرح السؤال نفسه.

هل ستضمن أمن جغرافيتنا أساطيل الآخرين وقواعدهم ودفاعاتهم الجوية، أم ستضمنه تقنياتنا الخاصة، وصناعتنا الدفاعية، وإرادتنا؟

كانت الكلمة المفتاحية في عام 1926 هي الوحدة، وفي عام 1937 الحدود، وفي عام 1950 الدفاع المشترك، وفي عام 1969 التضامن، وفي عام 1982 الدرع، وفي عام 2015 مكافحة الإرهاب، أما في عام 2026 فهي جمع الردع الجماعي ضمن إطار سياسي يفتحه قائد متمتع بالسيادة.

وهذا التحول ليس مجرد تاريخ للتحالفات العسكرية.

فالقضية اليوم هي القدرة على الجمع بين كل هذه التجارب وبين التكنولوجيا المستقلة، والصناعة الدفاعية، والدبلوماسية، والردع الإقليمي.

وفي عام 2026، يجري اختبار إمكانات إنشاء مركز جديد بين القوات الخاصة، وفي الإطار السياسي الذي فتحه قائد متمتع بالسيادة.

لأن الاستقلال السياسي ممكن في نهاية المطاف بامتلاك القدرة على بناء منظومة أمنية خاصة، وبوجود قائد صاحب سيادة قادر على الحفاظ على هذه القوة واستدامتها.

كان العالم الإسلامي ذات يوم يفكر فيمن سيحميه.

أما الآن، فهو يتحدث عن كيفية حماية نفسه بنفسه.

إن الرحلة الممتدة من مكة إلى مكة ليست دائرة.

ذلك أن مكة هي المنبع الذي أخذت منه الحضارة الإسلامية أول أنفاسها، وفيها أبصر قائدها النور، ومنها قدم الوحي للعالم وللسياسة نظاماً.

والتاريخ يبحث الآن، بعد قرن من الزمن، في ذلك المنبع نفسه عن لغة جديدة للقوة.

فالتاريخ مليء بالأدلة على أن الذين يحملون مفتاح أمنهم في جيب الآخرين لا يستطيعون فتح باب قدرهم متى شاؤوا.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!