ندرت إرسانيل - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

أعلن قادة اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية، الذين اجتمعوا في العاصمة الويلزية كارديف، أنهم يمتلكون حق «تقرير مصيرهم»، وأن مطالب شعوبهم في هذا الاتجاه آخذة في الازدياد…

وهكذا، فتح هذا الثلاثي، للمرة الأولى، مستقبل المملكة المتحدة للنقاش كجبهة مشتركة…

ورغم أنهم شاركوا في الاجتماع باسم أحزابهم، فإنهم في الواقع «رؤساء حكومات» هذه المناطق. وتشكل هذه المناطق/الدول المؤسسة، إلى جانب إنجلترا، «بريطانيا العظمى». ولنضع حداً أيضاً أمام تشابه كثيراً ما يسبب الالتباس؛ فهناك كذلك «جمهورية أيرلندا». وهي دولة مستقلة وذات سيادة. عضو في الاتحاد الأوروبي، وليست عضواً في حلف شمال الأطلسي. وظل المناخ السياسي المتعلق بتوحيد جمهورية أيرلندا وأيرلندا الشمالية حياً على الدوام. واليوم تريد جمهورية أيرلندا الوحدة، في حين ترى الإدارة الحالية في أيرلندا الشمالية أن الوقت لا يزال مبكراً، بحجة أن الظروف لم تنضج بما يكفي. لكنها لا ترفضها بشكل قاطع…

واجتمع قادة هذه المناطق الثلاث في بريطانيا العظمى وقالوا إن «عهد وستمنستر يقترب من نهايته». وهذا يعني بوضوح تام أن «نهاية الحكم المتمركز حول لندن تقترب». وبالطبع، يعني أيضاً أن «نهاية بريطانيا العظمى تقترب»…

وهذا يتوافق أيضاً مع ظروف العالم الذي نعيش فيه، ومع التيار العالمي. و.. هذا أمر كبير…

في التوقيت نفسه مع زيارة ترامب إلى أيرلندا!..

كان الرئيس الأمريكي في جمهورية أيرلندا يومي 12 و13 سبتمبر/أيلول. لا يمكننا اعتبار ذلك مصادفة. فعلى الأقل، كانت الحكومة الأمريكية وقادة المناطق الثلاث على علم بتزامن الجدول الزمني. ومن المرجح أن كلا الطرفين كان يتوقع ما الذي سيخرج به الاجتماع، وما الذي سيقوله ترامب بناءً على ذلك…

وبالفعل، قال ترامب: «لا أريد أن أسبب مشكلة، لكن سيكون من الرائع أن أرى أيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا متحدتين. ستتحدان في نهاية المطاف. وسيكون ذلك رائعاً إن حدث». لقد كان يريد بشدة أن يثير مشكلة؛ وبالفعل، استخدمت أيرلندا الشمالية/حزب شين فين كلمات ترامب هذه خلال الاجتماع…

لقد كتبنا كثيراً في مناسبات مختلفة عن خلافات الولايات المتحدة في عهد ترامب مع بريطانيا. كانت كندا واحدة منها، وغرينلاند كانت واحدة، وجزر فوكلاند كانت واحدة، وأوكرانيا بالتأكيد كانت واحدة، وأخيراً كان الأمر كذلك إلى حد ما في إيران أيضاً. ويمكننا أن نضيف إلى الحساب نفسه مبادرات السلام التي تتقدم في الأيام الأخيرة، لكنها اصطدمت مرة أخرى ببريطانيا وزيلينسكي التابع لها…

وبالنسبة إلى ترامب، فإن توقيت زيارة أيرلندا الشمالية والتصريحات التي صدرت في مواجهة سياسات بريطانيا «المسببة للصعوبات» والناجحة أيضاً، يحملان هذا المعنى. وإلا فلا يمكن القول إنه يرسل تحية مبدئية إلى أحد أكثر النهج الدولية إثارة للجدل في القرن الماضي، مثل «حق الأمم في تقرير مصيرها»…

الحقيقة الأقل شهرة: الناتو هو الذي أوقف الجيش الجمهوري الأيرلندي…

خلال فترات تركيا في مكافحة الإرهاب، كانت قضية الجيش الجمهوري الأيرلندي «IRA» إحدى المسائل التي يُكثر من الاستشهاد بها من أجل حل المشكلة. ولم يكن نضال بريطانيا الطويل مع هذه المنظمة ومساعيها للجلوس إلى طاولة المفاوضات أمراً يسهل حله. فقد جرت مفاوضات شاقة. وفشلت معظمها. وفي المرحلة الأخيرة، عندما ظهرت مجدداً احتمالية الفشل، تدخلت الولايات المتحدة وأرسلت إلى الجيش الجمهوري الأيرلندي رسالة مفادها: «بدأ إصراركم على تعقيد الأمور يزعجنا. ويبدو أنكم لم تفهموا القضية؛ إن مطالبكم بالانفصال والاستقلال تهدد حلف شمال الأطلسي وتضعفه. وإذا لم تنهوا هذا الأمر، فسيتعين عليكم التعامل معنا». وجاء الحل بعد ذلك بقليل…

واليوم، لم يعد حلف شمال الأطلسي بالنسبة إلى الولايات المتحدة بالقيمة نفسها. فالولايات المتحدة تنسحب من أوروبا ويتراجع دورها في البنية الأمنية. وهذا يعني أن انفصال أجزاء عن بريطانيا لن يلحق جرحاً بالولايات المتحدة. ومن ناحية أخرى، سيقلص ذلك نفوذ بريطانيا في أوروبا وخطواتها التي تضيق الخناق على الولايات المتحدة في العالم…

ما رد لندن؟..

رفضت حكومة «المملكة المتحدة» البيان الثلاثي. ولم تقبل الادعاء بأن «المملكة المتحدة تتفكك». وقال متحدث باسم رئاسة الوزراء: «رئيس الوزراء ملتزم بقوة بوحدة المملكة المتحدة. وحل المشكلات المشتركة للشعب وضمان الأمن الاقتصادي أهم من الانقسام بسبب الاستفتاءات الجديدة والنقاشات الدستورية»…

فهل يمكن لهذا التطور أن يتسبب فعلاً في تفكك المملكة المتحدة؟ ليس من اليوم إلى الغد. كما أنه ليس أمراً سهلاً. وويلز تحديداً ستكون صعبة للغاية. والاحتمال الأقرب هو استفتاء أيرلندا الشمالية. (وبموجب «اتفاق الجمعة العظيمة» لعام 1998، يتعين على إنجلترا إجراء استفتاء إذا أيدت الأغلبية الوحدة.)

لكن معجون الأسنان خرج من الأنبوب، وسيظل تأثيره محسوساً على مر السنين. لقد أحدثت الخطوة الأولى موجة ضربت لندن بشدة. وتأثيرها السياسي لا يمكن إنكاره أو التقليل من شأنه. ويمكن القول إن هذا هو ما كان مطلوباً أيضاً من منظور السياسة العالمية، وقد تم إظهار ذلك للندن؛ «يمكن تفكيك المملكة المتحدة»…

وكان أحد أركان بيان كارديف هو قرار اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية التحرك معاً في قضايا أوروبا والاقتصاد والطاقة والعلاقات الدولية. وهذا أيضاً قرار يبدد قوة إنجلترا…

ومع ذلك، يُنظر إلى عدم استبعاد لندن من «العملية» على أنه أمر مهم؛ ويمكن اعتبار مطالبتها بعدم عرقلة التغييرات الدستورية، والتخطيط لها والاضطلاع بدور تيسيري، دعوة معقولة. ويُعرض نوع من خيار «الطريق الصعب، الطريق السهل»…

ماذا سيحدث الآن؟

لم تصل الأمور إلى هنا فجأة؛ فالقصة تعود إلى 25 عاماً على الأقل. لكن يمكن تتبع خط على النحو التالي؛ بريكست - السياسات المركزية الصارمة التي تنتهجها لندن - وصول الأحزاب القومية الثلاثة في الوقت نفسه إلى السلطة في ويلز واسكتلندا وأيرلندا الشمالية - وصول إدارة ترامب في الولايات المتحدة إلى السلطة والخلافات مع بريطانيا - الظروف العالمية.

المطالبة بالاستفتاء قوية في اسكتلندا. لكن موافقة لندن مطلوبة. وفي أيرلندا الشمالية، لا تقل الرغبة في الوحدة مع جمهورية أيرلندا، لكنها ليست بالقوة التي تمكنها من ممارسة ضغط. أما في ويلز، فإجراء استفتاء صعب. كما أن الرغبة في الاستقلال ضعيفة…

ما سيحدث بعد ذلك أبسط؛ سيزيد هذا الثلاثي الضغط على لندن من دون الشعور بضرورة الإسراع. أما إنجلترا فستعرقل الاستفتاءات. ومع ذلك، رأى الجميع أن دم المملكة المتحدة يمكن أن يسيل. ومهما كان لونه أزرق…

 

عن الكاتب

ندرت إرسانيل

صحفي وكاتب تركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس