قادر أُستون - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

في الأيام الأخيرة، لقيت دعوة الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» داريو أمودي إلى إبطاء وتيرة تطور الذكاء الاصطناعي دعماً من مسؤولي شركات ذكاء اصطناعي بارزة. وليس من قبيل المصادفة بالطبع أن تبدأ سيناريوهات الكارثة، التي تصل إلى حد القضاء على البشرية، في التُداول بكثافة وبشكل مفاجئ منذ فترة طويلة. كما أن النموذج الذي اقترحه أمودي، والقائم على إتاحة وصول مراقبين مستقلين إلى الشركات لضمان سلامة الذكاء الاصطناعي، يرتبط أيضاً بالجهود الرامية إلى إخضاع القطاع للتنظيم. كما أن اشتداد هذا النقاش قبيل القمة المرتقبة بين ترامب وشي في 24 سبتمبر/أيلول يحمل مؤشرات من حيث السياق السياسي.

قد تخرج عن القمة قرارات من شأنها تشكيل مستقبل الذكاء الاصطناعي، ولذلك تدخل عمالقة القطاع أيضاً في مسعى لتحديد مواقفهم والمساهمة في رسم هذا المستقبل. وبينما يجري النقاش حول التطورات التي ينبغي اعتبارها خطرة في مجال تطوير الذكاء الاصطناعي، ومن سيتولى الرقابة، والجدول الزمني الذي ستبطئ فيه الشركات وتيرة التطور، والقيود التي ستُفرض على الصين، فإنه ينبغي التأكيد على أن القضية لا تقتصر على كونها مسألة أمن تقني، بل تبرز فيها معركة لوضع قواعد ستحدد توزيع القوة الاقتصادية والسياسية.

نحو القمة.. المنافسة مع الصين

من المعروف أن محادثات تجري خلف أبواب مغلقة بين الولايات المتحدة والصين بشأن مستقبل الذكاء الاصطناعي. ويشير إلى ذلك، على سبيل المثال، تقييم مسؤول «أوبن إيه آي» دين بول للقمة المرتقبة باعتبارها فرصة للتعاون الأمني بين البلدين. كما يُشار إلى إحراز تقدم في المحادثات حول الهجمات السيبرانية الناجمة عن الذكاء الاصطناعي وتبادل المعلومات بين المختبرات. ورغم أن الجدول الزمني وأجندة المحادثات لم يتضحا بشكل كامل، فإن الشركات الكبرى تدرك مجالات الفرص الدبلوماسية والسياسية البارزة في هذا السياق. ولا يعني هذا السياق أن المخاطر المطروحة مختلقة أو مبالغ فيها.

إن وصول أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة تمتلك فيها القدرة على تطوير نفسها، ثم قيامها بعمليات من دون إذن وتجاوزها آليات الرقابة، أمر يثير قلقاً بالغاً. غير أن حقيقة هذه المخاطر لا تعني أن الحلول التي تقترحها الشركات تقدم المصلحة العامة على غيرها. فقد تشعر هذه الشركات بالقلق من عدم قدرتها على إدارة مخاطر منتجاتها، وفي الوقت نفسه قد تطالب بقواعد تحافظ على مواقعها مستندةً إلى هذه المخاطر نفسها. ويمكن اعتبار القيود التي يطالب أمودي بفرضها على الصين مثالاً على ذلك.

قد يبدو اقتراح أمودي بإبطاء تطور الذكاء الاصطناعي واستثمار الوقت الذي سيتم كسبه في جهود السلامة اقتراحاً معقولاً، غير أن اللافت في المقال نفسه هو اقتراحه تطبيق حظر تصدير الرقائق بصورة أكثر صرامة من أجل الحفاظ على تفوق الولايات المتحدة في مواجهة الصين. ويفترض هذا النهج أن أمن الذكاء الاصطناعي لا يمكن تحقيقه إلا من خلال استمرار ريادة الولايات المتحدة. ويُقدَّم تحقيق الشركات الأمريكية ميزة تنافسية بمساعدة الدولة على أنه ضرورة من ضرورات الأمن القومي.

من يريد الرقابة والتنظيم الفعالين؟

ينبغي التأكيد على أن قادة القطاع يطالبون واشنطن بمزايا تحد من تقدم منافسيهم الصينيين، بينما يتوقعون من الدولة ضمان التنسيق داخلياً والدفاع عن مصالح الشركات الأمريكية في المفاوضات الدولية. وفي المقابل، لا يتضح بشكل جلي القرارات التي ستتركها الشركات فعلياً لسلطة عامة مستقلة وفعالة. وفي مقابل المجال الاقتصادي الذي تطالب بالحفاظ على ميزته، فإن دفاع هذه الشركات عن رقابة «مستقلة» من جانب القطاع بدلاً من رقابة عامة قوية، يظهر أنها تركز على حماية مصالحها الخاصة أكثر من المصلحة العامة.

وإنصافاً لأمودي، ينبغي الإشارة إلى أنه لا يدافع عن خضوع الشركات للتنظيم بصورة طوعية فقط، إذ يقترح تصميم اللوائح القانونية بحيث تشمل أيضاً مختبرات الذكاء الاصطناعي الرائدة. في المقابل، تبقى أسئلة من قبيل نوع سلطة العقوبات التي سيمتلكها المراقب عندما يعتبر نموذجاً للذكاء الاصطناعي خطراً، ومن سيتدخل إذا واصلت الشركة تطوير النموذج، ومن سيتمكن من الوصول إلى المعلومات السرية المحجوبة بحجة الأسرار التجارية، بلا إجابات.

ويبدو أن عدم الإجابة عن هذه الأسئلة أو تركها غامضة يرتبط بالمبادرات التي يطرحها سياسيون مثل بيرني ساندرز وغريغ كاسار، والرامية إلى حظر الذكاء الاصطناعي فائق الذكاء ووقف هذه الأعمال إلى حين توضيح القواعد الأمنية الفيدرالية. ويتضمن اقتراح هؤلاء السياسيين أيضاً إنشاء مؤسسة فيدرالية تتمتع بصلاحية فرض العقوبات. وينبع الفارق بين النهجين من مسألة مقدار التنظيم الذي ستقبله شركات الذكاء الاصطناعي، وما إذا كانت ستراعي المصلحة العامة فعلاً أم لا.

معايير التفاوض

كما أن لغة ممثلي القطاع بشأن التشريعات والتنظيمات القانونية آخذة في التغير، إذ بينما كان بعض أباطرة التكنولوجيا يدافعون خلال قمة مجموعة العشرين في مطلع سبتمبر/أيلول عن أن التنظيمات الصارمة ستعيق التقدم، يبدو أنهم يتبنون الآن دعوات إلى الإبطاء. ويدفع هذا المشهد إلى الاعتقاد بأن هناك مفاوضات جارية بشأن ماهية التنظيمات التي سيتم قبولها، بدلاً من وجود دعم لتنظيم عام وشامل.

ولا يبدو وصف ترامب سيناريوهات الكارثة بأنها خدعة خارج إطار هذا التفاوض أيضاً. فهذا الفهم الذي يرى الذكاء الاصطناعي مصدراً مهماً للنمو الاقتصادي والقوة الأمريكية، يستهدف تحقيق التفوق في مواجهة الصين، ويبدو أن أمودي يتفق معه في هذا الشأن. وفي الوقت الذي يستخدم فيه ترامب لغة تؤيد مواصلة التطور بالسرعة نفسها، يحاول قادة مثل أمودي أيضاً تحييد النهج الأكثر شمولاً وتدخلاً بكثير الذي يتبناه معسكر ساندرز، من خلال الدفع باتجاه تقدم مضبوط تكون فيه المنافسة مقيدة.

وتتراجع احتمالية موافقة بكين على تنظيم يهدف إلى الحفاظ على الريادة الأمريكية، وكذلك احتمالية تطبيق القيود المطلوبة باسم الأمن المشترك من جانب واحد، وفرض قيود على الوصول إلى التكنولوجيا، في مواجهة مثل هذه الاحتمالات. ولذلك، لا يمكن تفسير النقاش حول الذكاء الاصطناعي الذي اشتعل قبيل القمة على أنه صحوة ضميرية مفاجئة شهدها القطاع باسم البشرية. فالشركات تريد، في مرحلة يمكن فيها اتخاذ قرارات بشأن مستقبلها، أن تحمي مصالحها التجارية وأن تحدد النظام الدولي الذي سيُقام في مجال الذكاء الاصطناعي، وذلك من خلال تحديد تعريف المشكلة وهندسة الحل في آن واحد.

ولهذا السبب، فإن لقاء ترامب وشي لا يتعلق فقط بالسباق التكنولوجي بين البلدين، بل يمثل في الوقت نفسه مرحلة جديدة في الصراع حول الجهة التي ستكتب قواعد الذكاء الاصطناعي. ورغم أن شركات الذكاء الاصطناعي تحاول إعطاء انطباع بأنها تتصرف بمسؤولية في مواجهة احتمال مستقبل ديستوبي، فإن مطالبتها من جهة بحماية الدولة لها في مواجهة الصين، مع رفضها في الوقت نفسه رقابة الدولة عليها، تظهر أن همها ليس حماية أمن البشرية، وإنما حماية التفوق الصناعي والمزايا المالية.

 

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس