ترك برس

في لحظة إقليمية تتغير فيها موازين القوة وتتزايد الأسئلة حول مستقبل المظلات الأمنية التقليدية، تبرز «اتفاقية مكة» بين تركيا والسعودية وباكستان بوصفها أكثر من مجرد تفاهم دفاعي ثلاثي. فاجتماع القوة العسكرية التركية، والثقل الاقتصادي والسياسي السعودي، والقدرة الإستراتيجية الباكستانية يفتح الباب أمام معادلة أمنية جديدة قد تتجاوز حدود الدول الثلاث، وتعيد رسم مفهوم الردع والتحالفات في المنطقة.

وفي مقال له على موقع "الجزيرة نت"، قال الكاتب أحمد درويش إن "المنطقة العربية والإسلامية لم تعد تنظر إلى الأمن باعتباره ملفا يمكن تركه بالكامل للقوى الكبرى القادمة من خارجها، فمع تصاعد الحروب واتساع رقعة التوترات وتراجع قدرة الترتيبات الأمنية التقليدية على احتواء الأزمات، بدأت تظهر محاولات لبناء أطر إقليمية أكثر اعتمادا على القدرات الذاتية للدول، وفي هذا السياق جاءت "اتفاقية مكة" للدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان؛ لتفتح نقاشا واسعا حول طبيعة الترتيب الجديد وأهدافه ومدى قدرته على التحول من اتفاق دفاعي بين ثلاث دول إلى منظومة أمنية أوسع."

وأضاف: أهمية الاتفاقية لا ترتبط فقط بالدول الثلاث الموقعة عليها بل بما تمثله كل دولة من ثقل إستراتيجي مختلف، فتركيا عضو في حلف الناتو وتمتلك قاعدة صناعية ودفاعية متقدمة والسعودية تملك ثقلا اقتصاديا ومكانة مركزية في العالم العربي والإسلامي بينما تمثل باكستان قوة عسكرية ونووية كبرى ذات موقع جغرافي حساس، واجتماع هذه القدرات في إطار واحد يمنح الاتفاقية وزنا يتجاوز قيمتها القانونية المباشرة ويجعلها جزءا من نقاش أكبر حول مستقبل الأمن الإقليمي.

وفيما يلي تتمة المقال:

وتنص الاتفاقية وفق ما أُعلن على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوما عليها جميعا بما يعكس مبدأ التضامن الدفاعي المشترك ويمنح الاتفاقية بعدا ردعيا واضحا، كما تهدف إلى تطوير التعاون في المجال الدفاعي وتعزيز التنسيق بين الأطراف الموقعة في مواجهة التحديات والتهديدات الأمنية.

ويكتسب هذا البند أهمية خاصة لأنه ينقل العلاقات بين تركيا والسعودية وباكستان من مستوى التعاون الثنائي أو التنسيق السياسي إلى مستوى أكثر تنظيما يقوم على وجود التزام متبادل تجاه أمن الدول الثلاث.

لكن الاتفاقية في الوقت ذاته لا تعني بالضرورة إنشاء قيادة عسكرية موحدة أو تشكيل قوة عسكرية مشتركة على غرار بعض الأحلاف التقليدية، فالقيمة الأساسية في المرحلة الحالية تبدو مرتبطة ببناء قدرة ردع جماعية وتطوير التعاون الدفاعي وتهيئة الأرضية لمزيد من التنسيق الأمني والسياسي.

هل الاتفاقية وليدة التطورات الأخيرة بالمنطقة؟

لم تكن "اتفاقية مكة" وليدة تطور سياسي مفاجئ أو نتيجة مباشرة لأزمة إقليمية واحدة وفق الرواية التركية، وإنما جاءت بعد مسار طويل من المشاورات والاتصالات.

وكشف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن بلاده ناقشت هذا الملف مع الشركاء والدول الأخرى في المنطقة بصورة متواصلة لمدة عامين و8 أشهر، مشيرا إلى أن الرئيس أردوغان كان يطرح الفكرة خلال لقاءاته مع القادة.

ويشير هذا التوقيت الطويل إلى أن تركيا كانت تتعامل مع فكرة الاتفاقية باعتبارها مشروعا إستراتيجيا يتجاوز الحسابات الآنية، فانتقال الفكرة من مستوى النقاش إلى مفهوم ثم من المفهوم إلى اتفاقية، أمر يحتاج إلى معالجة مسائل سياسية وقانونية وعسكرية وفنية متعددة.

وتكشف تصريحات فيدان أيضا أن الرؤية التركية لم تبدأ من الاتفاقية ذاتها وإنما من تشخيص أوسع لمشكلات المنطقة، وفي مقدمتها الحروب والاحتلالات وحالات النزوح وعدم الاستقرار وصولا إلى البحث عن ترتيبات أكثر استدامة.

وبذلك يمكن قراءة الاتفاقية باعتبارها إحدى نتائج مسار طويل لإعادة التفكير في شكل الأمن الإقليمي، وليس مجرد استجابة للظروف التي أحاطت بتوقيعها.

اتفاقية مكة.. مبدأ مشابه للناتو ولكن هل هي "ناتو إسلامي"؟

أثارت الصيغة التي تقوم عليها "اتفاقية مكة" للدفاع المشترك والقائمة على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الموقعة هجوما عليها جميعا، مقارنات مباشرة بالمادة الخامسة من معاهدة حلف الناتو التي تمثل الأساس القانوني لمبدأ الدفاع الجماعي داخل الحلف.

وأكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال لقاء مع محرري وكالة الأناضول أن الاتفاقية مماثلة من الناحية الفنية للمادة الخامسة في الناتو، موضحا أن الدول تلجأ إلى مثل هذه الترتيبات عندما تسعى إلى بناء مظلة أمنية تقوم على التضامن والدعم المتبادل والردع.

لكن هذا التشابه في المبدأ لا يعني أن الاتفاقية تحولت بالفعل إلى "ناتو إسلامي"، إذ لا تزال مختلفة عن الحلف الأطلسي من حيث البنية المؤسسية والقدرات العسكرية وآليات القيادة والتخطيط والانتشار.

ومع ذلك فإن الاتفاقية لا تقف عند حدود إعلان التضامن السياسي، حيث كشف فيدان أن الدول الثلاث تتجه إلى إنشاء هيكل مؤسسي دائم يتولى تحويل التفاهمات السياسية إلى سياسات وإجراءات عملية، من خلال تشكيل لجنة وزارية تضم وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء هيئات الأركان، في إطار تنظيمي يستلهم بعض جوانبه من آليات العمل داخل الناتو.

ويعني ذلك أن "اتفاقية مكة" قد تكون في طريقها إلى تجاوز مرحلة الاتفاق السياسي نحو بناء آلية أكثر انتظاما للتنسيق الأمني والدفاعي، وإن كانت لا تزال بعيدة عن مستوى التكامل المؤسسي والعسكري الذي وصل إليه الناتو خلال عقود طويلة.

هل ستنضم دول أخرى إلى الاتفاقية؟

من أبرز التطورات المرتبطة بمستقبل الاتفاقية الحديث عن إمكانية توسعها لتشمل دولا أخرى في المنطقة خلال الفترة المقبلة.

وقال هاكان فيدان إن هناك دولا أخرى ترغب في الانضمام إلى "اتفاقية مكة"، مشيرا إلى أن الرؤية التركية لا تقوم على حصر الاتفاقية في الدول الثلاث وإنما تستهدف توسيعها إذا اقتضت الحاجة، وكان لافتا في هذا السياق قوله إن مصر قد تنضم إلى الاتفاقية بمجرد تسوية بعض المسائل الفنية.

ويمثل احتمال انضمام القاهرة تطورا مهما للغاية بالنظر إلى الوزن السياسي والعسكري والجغرافي لمصر وموقعها في قلب العالم العربي، فضلا عن سيطرتها على قناة السويس وامتلاكها واحدة من أكبر القوات المسلحة في المنطقة.

وفي حال تحول هذا الاحتمال إلى واقع فإن الاتفاقية ستكتسب وزنا إضافيا، ليس فقط من الناحية العسكرية وإنما أيضا على مستوى التمثيل العربي والإقليمي.

لكن توسيع الاتفاقية سيكون في الوقت نفسه اختبارا حقيقيا لقدرتها على الحفاظ على الانسجام بين الدول المشاركة، إذ إن زيادة عدد الأعضاء تعني بالضرورة اختلاف المصالح والحسابات السياسية وتحتاج إلى قواعد واضحة لاتخاذ القرار وآليات دقيقة للتنسيق.

تصريحات أردوغان حول الاتفاقية لصحيفة "الشرق الأوسط"

قدم الرئيس التركي أردوغان في حديث لصحيفة "الشرق الأوسط" تصورا أوسع للاتفاقية رافضا اختزالها في كونها مجرد رد فعل على التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران.

وقال أردوغان إن من الخطأ النظر إلى "اتفاقية مكة" للدفاع المشترك باعتبارها مجرد انعكاس ظرفي للتوترات القائمة، مؤكدا أن الاتفاقية لا ينبغي اختزالها في بعدها العسكري، وأوضح أردوغان أن الهدف الأساسي يتمثل في تعزيز البعد الردعي وتحصين الوازع الأمني لدى الأطراف من خلال تقوية روح التضامن فيما بينها وحماية الاستقرار الإقليمي.

كما شدد على أن الاتفاقية جاءت للتأكيد على حق الدفاع المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، مؤكدا أنها "لا تستهدف أي دولة من الدول" وأنها مفتوحة أمام جميع الدول الشقيقة الراغبة في الانضمام إليها.

وتكشف هذه التصريحات أن تركيا تنظر إلى الاتفاقية باعتبارها جزءا من مسار أوسع لإعادة بناء العلاقات الإقليمية على أساس المصالح المتبادلة، وليس باعتبارها تحالفا عسكريا موجها ضد طرف بعينه.

"اتفاقية مكة" بعيون إسرائيلية.. ماذا قال الإعلام العبري؟

حظي توقيع السعودية وتركيا وباكستان "اتفاقية مكة" للدفاع المشترك باهتمام لافت في وسائل الإعلام الإسرائيلية، التي تناولت الاتفاقية من زاوية تأثيرها المحتمل في موازين القوى الإقليمية خصوصا في ظل التوترات المتصاعدة التي تشهدها المنطقة.

ورأت القناة 12 الإسرائيلية أن الاتفاقية تمثل تحالفا دفاعيا جديدا قد يثير قلق إسرائيل ويعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، فيما وصفت القناة 13 الخطوة بأنها اتفاق بين السعودية وتركيا وباكستان على تشكيل تحالف دفاعي مشترك في خضم التوترات الإقليمية.

و سلطت صحيفة "معاريف" (Maariv) الضوء على طبيعة القدرات التي تجمعها الدول الثلاث، مشيرة إلى أن الاتفاقية وُقعت وسط الحرب بين الولايات المتحدة وإيران والاضطرابات التي تشهدها المنطقة، وأن هذا التحالف يجمع بين القوة الاقتصادية السعودية والقوة العسكرية التركية والقدرة النووية الباكستانية، وهي عناصر تمنح الاتفاقية، من وجهة نظر الصحيفة، وزنا إستراتيجيا يتجاوز مجرد التعاون العسكري التقليدي.

أما صحيفة "يديعوت أحرونوت" (Yedioth Ahronoth) فوصفت الاتفاقية بأنها تجمع 3 دول سنية في إطار دفاعي مشترك يعزز مبدأ الردع الجماعي، بينما أشارت صحيفة "إسرائيل هيوم" (Israel Hayom) إلى أن فكرة إقامة تحالف أمني بين الدول الثلاث لم تكن وليدة التطورات الأخيرة بل كانت مطروحة منذ أشهر، إلا أن التحولات المتسارعة في المنطقة أسهمت في تسريع بلورة الاتفاقية والوصول بها إلى مرحلة التوقيع.

وتكشف هذه التغطيات أن إسرائيل تنظر إلى الاتفاقية باعتبارها تطورا يستحق المتابعة ليس فقط بسبب مضمونها الدفاعي، وإنما أيضا بسبب اجتماع القدرات الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية للدول الثلاث ضمن إطار أمني واحد، وما قد يترتب على ذلك مستقبلا إذا توسعت الاتفاقية لتشمل دولا أخرى في المنطقة.

ماذا تمثل "اتفاقية مكة" للدول الموقعة عليها؟

بالنسبة إلى تركيا تمنح الاتفاقية أنقرة فرصة لتوسيع حضورها في منظومة الأمن الإقليمي وربط قدراتها الدفاعية والصناعية بشراكات أوسع مع دول ذات ثقل اقتصادي وسياسي وعسكري.

فتركيا لا تدخل الاتفاقية من موقع دولة تبحث عن مظلة أمنية فحسب، بل من موقع دولة تمتلك قدرات عسكرية وصناعات دفاعية متقدمة وتسعى إلى تحويل هذه القدرات إلى عنصر من عناصر النفوذ الإقليمي.

أما السعودية فإن الاتفاقية تمنحها إطارا إضافيا لتنويع شراكاتها الأمنية بدل الاعتماد على علاقة واحدة مع قوة دولية كبرى، كما أن التعاون مع تركيا وباكستان يضيف إلى الرياض شبكة من العلاقات مع قوتين تمتلكان قدرات عسكرية ومواقع إستراتيجية مختلفة.

وتكتسب الاتفاقية بالنسبة إلى باكستان أهمية مختلفة، إذ تتيح لإسلام آباد توسيع حضورها في منطقة الشرق الأوسط وتعزيز علاقاتها الأمنية مع السعودية وتركيا، إلى جانب الاستفادة من التعاون في مجالات الدفاع والطاقة والمصالح الاقتصادية.

وبالتالي فإن الدول الثلاث تدخل الاتفاقية بدوافع مختلفة لكنها تلتقي عند نقطة مشتركة وهي الحاجة إلى بناء شبكة أوسع من الشراكات في بيئة إقليمية مضطربة.

كلمة أخيرة

تكشف "اتفاقية مكة" عن تحول تدريجي في طريقة تعامل دول المنطقة مع التحديات الأمنية من خلال الانتقال من التعاون الثنائي إلى بناء إطار دفاعي أكثر تنظيما يجمع بين القدرات الاقتصادية والعسكرية والإستراتيجية لتركيا والسعودية وباكستان، ورغم أن الاتفاقية لا ترقى في صورتها الحالية إلى مستوى حلف عسكري متكامل كالناتو، فإن اعتمادها مبدأ الدفاع الجماعي يمنحها أهمية تتجاوز حدود الدول الثلاث.

وتكمن أهمية الاتفاقية أيضا في احتمال توسعها مستقبلا خصوصا مع حديث تركيا عن إمكانية انضمام دول أخرى، وهو ما قد يحولها تدريجيا إلى إطار أمني إقليمي أوسع، وبينما لا تزال قدرة الاتفاقية على التحول إلى منظومة ردع متماسكة مرتبطة بما ستنشئه من مؤسسات وآليات تعاون عسكري وسياسي، فإن مجرد تأسيسها يعكس رغبة متنامية لدى دول المنطقة في امتلاك دور أكبر في إدارة أمنها وتقليل الاعتماد على الترتيبات التي تفرضها القوى الخارجية.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!