ترك برس

كتب المحلل الاستراتيجي الدكتور عثمان غازي قاندمير مقالاً لموقع «إندبندنت تركية»، تناول فيه مفهومَي «الاستراتيجية» و«الاستراتيجية الكبرى»، موضحاً الفروق بينهما وأهمية كل منهما في إدارة الحروب والسياسة الدولية، ومؤكداً أن الانتصار في معركة أو حرب لا يعني بالضرورة أن الدولة حققت مكسباً استراتيجياً طويل الأمد.

ويشير قاندمير إلى أن كلمة «استراتيجية» تُستخدم اليوم على نطاق واسع إلى درجة باتت معها مهددة بفقدان معناها. فكل شيء تقريباً، بدءاً من سياسات الأمن لدى الدول وصولاً إلى خطط التسويق لدى الشركات، بات يوصف بأنه استراتيجية. إلا أن الاستراتيجية، عندما يتعلق الأمر بالحرب والسياسة الدولية، لا تعني ببساطة «وضع خطة»، بينما تشير «الاستراتيجية الكبرى» إلى إطار أوسع بكثير.

ولتوضيح هذين المفهومين، يرى الكاتب أن من المفيد الرجوع إلى ثلاثة أعمال مهمة. فقد تناولت تامي ديفيس بيدل في كتابها الصادر عام 2015 بعنوان «الاستراتيجية والاستراتيجية الكبرى: ما الذي يحتاج الطلاب والممارسون إلى معرفته»، معنى المفهومين ولماذا يمثل بناء استراتيجية جيدة مهمة صعبة.

أما كتاب جون لويس غاديس الصادر عام 2018 بعنوان «حول الاستراتيجية الكبرى»، فيتناول مفهوم الاستراتيجية الكبرى من خلال قرارات قادة مختلفين عبر التاريخ.

في حين يبحث كتاب جوشوا روفنر «الاستراتيجية والاستراتيجية الكبرى»، الصادر عام 2025، العلاقة بين المفهومين من خلال أمثلة تمتد من الحرب البيلوبونيسية إلى الحرب الباردة والحرب السيبرانية.

ولا تتطابق مقاربات الكتب الثلاثة، لكن قراءتها معاً تكشف عن تمييز بسيط:

الاستراتيجية هي مسألة ربط الحرب أو الصراع بنتيجة سياسية، أما الاستراتيجية الكبرى فهي مسألة ربط أمن الدولة وأهدافها السياسية طويلة الأمد بجميع الأدوات المتاحة لها.

ماذا تحل الاستراتيجية؟

بحسب تعريف جوشوا روفنر، فإن الاستراتيجية هي «نظرية للنصر». فعندما تدخل دولة ما حرباً، يتعين عليها أن تشرح كيف ستستخدم قوتها العسكرية للوصول إلى أهدافها السياسية.

أي قوات سترسل إلى أين؟

ما مقدار القوة التي ستُستخدم؟

متى ستنتهي الحرب؟

كيف سيتم الرد على الهجوم المضاد للخصم؟

والنقطة المهمة هنا هي أن الاستراتيجية تقيم صلة بين النشاط العسكري والهدف السياسي. فقد يتمكن جيش ما من الانتصار في معركة، لكن إذا لم يخدم هذا الانتصار الهدف السياسي للحرب، فقد لا يكون هناك نجاح استراتيجي فعلي.

وتنطلق تامي ديفيس بيدل من نقطة مماثلة، إذ ترى أن الاستراتيجية يجب أن تقيم علاقة سببية قابلة للدفاع عنها بين الوسائل والغايات. وينبغي للاستراتيجي أن يكون قادراً على القول: «إذا استخدمنا هذه الوسيلة، فيمكننا الوصول إلى هذا الهدف».

ويتطلب ذلك تقييماً صحيحاً لقدرات الخصم، وبنيته السياسية، وقدرة المجتمع على الصمود، وطبيعة الموارد التي تمتلكها الدولة نفسها.

فأين يقع الحد الفاصل بين الاستراتيجية والتكتيك؟

إن الطريقة التي يستخدم بها قائد عسكري قواته في معركة محددة تقع على المستوى التكتيكي. أما تحديد المنطقة التي ستُستخدم فيها قوة عسكرية أكبر والهدف من استخدامها، فيرتقي إلى المستوى الاستراتيجي.

وتعد التكتيكات الجيدة ضرورية لتنفيذ الاستراتيجية، لكنها لا تستطيع وحدها إنقاذ استراتيجية سيئة.

ماذا تغير الاستراتيجية الكبرى؟

تنقل الاستراتيجية الكبرى السؤال إلى مستوى أعلى.

فبحسب جوشوا روفنر، فإن الاستراتيجية الكبرى هي «نظرية للأمن». وهي تحاول تفسير الكيفية التي يمكن للدولة من خلالها أن تجعل نفسها آمنة في عالم غير آمن.

ولهذا السبب، لا يتعلق الأمر بكيفية استخدام الجيش فحسب. بل يتم تقييم الدبلوماسية والاقتصاد والقوة العسكرية معاً. كما يجري التفكير، ضمن هذا الإطار، في القدرات العسكرية التي ينبغي امتلاكها، ومكان استخدامها، وكيفية دعمها بالأدوات الدبلوماسية والاقتصادية.

ويعبر روفنر عن ذلك بتمييز بسيط: الاستراتيجية تتعلق بكسب الحرب، أما الاستراتيجية الكبرى فتتعلق بكسب السلام.

ويكمل جون لويس غاديس هذه الفكرة من زاوية أخرى. فالمشكلة الأساسية في الاستراتيجية الكبرى تتمثل في إقامة علاقة بين الأهداف السياسية الكبيرة والموارد المحدودة.

قد تكون أهداف الدول واسعة، لكن المال والقوى البشرية والوقت والقدرات العسكرية والدعم السياسي كلها محدودة.

وهنا يبرز السؤال الحقيقي: هل تتوافق قدرات الدولة على القيام بالأشياء مع رغبتها في القيام بها؟

ويتوقف نجاح الاستراتيجية الكبرى بدرجة كبيرة على الإجابة عن هذا السؤال.

فرنسا انتصرت، ولكن ماذا ربحت؟

يوضح المثال الذي يقدمه جوشوا روفنر من خلال حرب الاستقلال الأمريكية الفارق بين الاستراتيجية والاستراتيجية الكبرى بصورة واضحة.

في عام 1778، انضمت فرنسا إلى المستعمرات الأمريكية في حربها ضد بريطانيا. وجرى تطوير استراتيجية حربية فعالة جمعت بين القوات البحرية والبرية الفرنسية والأمريكية.

وفي النهاية هُزمت بريطانيا ومُهّد الطريق أمام استقلال الولايات المتحدة.

لكن النجاح العسكري والاستراتيجي لفرنسا أدى على المدى الطويل إلى مشكلة كبيرة. فقد أدت تكلفة الحرب إلى زيادة أعباء ديون الدولة الفرنسية، كما تعمقت الأزمة المالية للنظام الملكي.

وبعبارة أخرى، بينما كانت فرنسا تكسب الحرب، دخلت في مسار أضعف أمنها ونظامها السياسي.

أما قصة بريطانيا فكانت مختلفة. فقد خسرت بريطانيا الحرب، وفشلت استراتيجيتها العسكرية.

لكنها أعادت، بعد الهزيمة، تقييم سياستها الإمبراطورية، وأولت أسطولها البحري وتوازن القوى في أوروبا أهمية أكبر.

وفي رواية روفنر، يمثل ذلك أحد الأمثلة الاستثنائية التي يمكن فيها تحويل الفشل الاستراتيجي إلى مكسب على مستوى الاستراتيجية الكبرى.

فهل يعني الانتصار في الحرب دائماً أن الدولة هي التي انتصرت؟

الجواب: لا.

حدود الاستراتيجية الجيدة

هنا يأتي دور دراسة تامي ديفيس بيدل. فقيام الاستراتيجية الجيدة على فكرة صحيحة لا يكفي وحده.

فخلال عملية التنفيذ، تدخل المصالح البيروقراطية والسياسة الداخلية وسلوك الخصم ومشكلات الاتصال والحدود الإدراكية لصانعي القرار في المعادلة. وحتى أفضل الاستراتيجيات إعداداً يمكن أن تتعرض للخلل أثناء مرحلة التطبيق.

ولهذا السبب، فإن الاستراتيجية الكبرى ليست وثيقة تُكتب مرة واحدة ثم تُنسى. فعندما تتغير الظروف، يجب إعادة تقييم الوسائل والغايات.

وتبرز هذه الخاصية أيضاً لدى القادة الذين درسهم جون لويس غاديس عبر التاريخ. فصاحب الاستراتيجية الكبرى ليس الشخص الذي يحاول حل جميع المشكلات من خلال وصفة واحدة.

بل هو الشخص القادر على الحفاظ على الهدف الكبير مع التكيف مع الظروف المتغيرة.

ومن هنا تأتي أهمية التمييز الذي أولاه غاديس في كتابه بين «القنفذ والثعلب» عند إشعياء برلين. فالقنفذ يرى العالم من خلال فكرة كبيرة واحدة، بينما يأخذ الثعلب في الاعتبار حقائق مختلفة في الوقت نفسه. وقد تناولنا هذه المسألة في مقالنا أمس.

وتحتاج الاستراتيجية الكبرى إلى كليهما. فمن دون إحساس واضح بالاتجاه تتشتت السياسة، ومن دون القدرة على التكيف مع الظروف تصطدم الفكرة الكبرى بالواقع.

الاستراتيجية والاستراتيجية الكبرى

في النهاية، فإن أسهل طريقة لفهم الفرق بين المفهومين هي وضع الأسئلة التي يطرحها كل منهما جنباً إلى جنب.

تسأل الاستراتيجية: «كيف سنكسب الحرب؟». أما الاستراتيجية الكبرى فتسأل: «لماذا نخوض هذه الحرب، وكيف ستخدم النتيجة التي سنحصل عليها أمن الدولة على المدى الطويل؟».

ولا يزال هذا التمييز مهماً اليوم. فقد تكون دولة ما متفوقة عسكرياً، وقد تنتصر في حرب، وقد تجبر خصمها على الانسحاب.

لكن إذا أصبحت، في نهاية كل ذلك، أكثر انعداماً للأمن، وأكثر مديونية، وأكثر عزلة أو أكثر هشاشة، فإن هناك مشكلة على مستوى الاستراتيجية الكبرى.

وربما تكمن أصعب جوانب التفكير الاستراتيجي في هذه النقطة تحديداً. فالدول تفكر غالباً في ما تستطيع القيام به. لكن المسألة الأساسية هي أن تحسب ما الذي ينبغي عليها فعله، وما الذي سيكلفها إياه القيام بذلك على المدى الطويل.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!