يحيى بوستان - يني شفق - ترجمة و تحرير ترك برس

إن الهجوم على قاعدة أبو الظهور الجوية العسكرية في ريف إدلب لا يُعد في الحقيقة مفاجئاً. إذ يبدو أن إسرائيل انتقلت إلى مرحلة جديدة فيما يتعلق بسوريا، وكان من المتوقع أن تزيد من هجماتها (انظر: إسرائيل تقول إن سوريا هي غزة 2.0، 30 يونيو). كما كانت قد انتشرت أخبار تلمّح إلى هذا الهجوم. ففي 14 يونيو، كتبت وسائل الإعلام الإسرائيلية أن «تل أبيب طلبت من الولايات المتحدة شن هجوم على أهداف تركية أو قوات مدعومة من تركيا في سوريا، لكن ترامب حال دون ذلك». وفي الأسبوع الماضي، ضخّموا إلى حد كبير أيضاً خبر بدء الطيارين السوريين تنفيذ رحلات تدريبية في أجواء إدلب باستخدام عدد قليل من الطائرات المتبقية. وفيما يتعلق تحديداً بهذا الهجوم، تبدو الصورة الكامنة وراء دوافع إسرائيل على النحو الآتي...

يريدون دفع الأمور إلى الولادة المبكرة

في السياق السوري: لطالما تحدثنا عن رغبة إسرائيل في رؤية سوريا ضعيفة ومجزأة. فهي لا تريد أن ترى إلى شمالها مباشرة دولة استعادت استقرارها وتمتلك جيشاً قوياً، ولا سيما قوة جوية قوية. وترى أن القدرات العسكرية السورية يجب أن تبقى عند مستوى يكفل الأمن الداخلي. ذلك أن القيادة الإسرائيلية لا تنظر إلى اليوم، بل إلى ما سيكون عليه الوضع بعد عشر سنوات. وهم يعلمون أنهم لن يتمكنوا، في المدى المتوسط، من تهديد سوريا ستشهد تمركزاً للقوة، بسبب الارتباط البري بين البلدين. ويحاولون، من خلال استفزاز الشرع وجرّه إلى صراع، دفع الأمور إلى «ولادة مبكرة». وهذا في الوقت نفسه ضغط على الشرع مفاده: «ضع مسافة بينك وبين تركيا». (فقد استقبل الشرع، بعد يوم واحد من الهجوم، وزير الطاقة ألب أرسلان بيرقدار، برفقة السفير التركي لدى دمشق نوح يلماز. وتم توقيع اتفاق جديد للطاقة بين البلدين).

ومن مطالب إسرائيل أيضاً مسألة السيطرة على المجال الجوي. فهم يريدون «حرية عملياتية» في المجال الجوي السوري. وكانت هذه المطالب في السابق تقتصر على المنطقة الجنوبية والجنوبية الشرقية، التي استخدموها ممراً لعبور طائراتهم في الهجوم على إيران، والتي تتطابق تقريباً مع ما يسمى «ممر داود». أما الآن فقد وسعوا نطاق هذه المطالب ليشمل سوريا بأكملها.

يستخدمون لغة مختلفة

في السياق التركي: بعد أن هاجم الجيش الإسرائيلي مقر الرئاسة السورية، وُقّعت اتفاقية دفاع بين تركيا وسوريا بناءً على طلب الشرع. وكانت هذه الاتفاقية تنص على تدريب الجيش السوري والتعاون العسكري والدفاعي. ويجري حالياً تنفيذ مقتضيات هذه الاتفاقية. كما أن أعمال إعادة تشغيل قاعدة أبو الظهور تدخل في هذا الإطار. وتشعر إسرائيل بالانزعاج من تزايد النفوذ التركي في سوريا، ولذلك تشدد مواقفها. وكانوا يقولون للأمريكيين في السابق: «لا مشكلة لدينا مع الوجود التركي في الشمال، لكن لا ينبغي لهم أن يتجهوا جنوباً ويقتربوا من حدودنا». إلا أن نتنياهو استخدم لغة مختلفة خلال زيارته الأخيرة إلى ترامب، إذ أظهر لترامب على الخريطة الوجود التركي في سوريا. (وتناقلت وسائل الإعلام أن الأمريكيين قالوا له: «الأتراك موجودون هناك بدعوة من دمشق، أما أنتم فلم تتم دعوتكم»). ويقال إنه يرد الآن على الدعوات المطالبة بـ«الانسحاب من سوريا» بالقول: «سأنسحب إذا انسحب الأتراك».

إسرائيل لا تستطيع إيقاف هذه العملية

في السياق الإقليمي: لِنُسمِّ الأمور بأسمائها؛ إن إسرائيل في ظل إدارة نتنياهو دولة عدوة. وسيُتعامل معها على هذا الأساس. لكن قضية إسرائيل ليست تركيا وحدها. فهناك بنية إقليمية جديدة يجري تشكيلها في المنطقة. ويشكل هيكل هذه البنية ممرات الطاقة والتجارة، بينما تمثل «الرباعية الإقليمية» آلية التشاور السياسي، ويشكل «تحالف مكة» جناحها الدفاعي. وتلعب تركيا دوراً محورياً في هذا الشأن، إذ تضيق المجال أمام إسرائيل في غزة ولبنان وسوريا، وتتحدى ادعاءها بأنها «هيمنة متغطرسة». وقد بقيت إسرائيل خارج هذه البنية التي بدأت ملامحها تتشكل. هكذا يسير مجرى التاريخ. وقد تؤدي هذه الهجمات إلى إبطاء المسار، لكنها لا تستطيع إيقافه.

يقولون: «انتظروا حتى الانتخابات»

في السياق الأمريكي: أعلن السفير توماس باراك، في رسالة أعرب فيها عن قلقه، أن إسرائيل هي التي نفذت الهجوم. وقال إنهم يحاولون إنشاء آلية لمنع الاشتباك بين تركيا وسوريا وإسرائيل. كما ألمح في تصريحاته لوكالة رويترز إلى بعض الأمور الأخرى. وقد وصل إلى مسامعي أيضاً أنه تم رصد طائرات إسرائيلية تقترب من الحدود التركية، وعلى إثر ذلك أقلعت طائرات تركية كإجراء احترازي. ترامب غاضب من نتنياهو بسبب إيران، وغاضب منه بسبب لبنان وسوريا والضفة الغربية أيضاً. (إذ استخدم مبعوث ترامب للمرة الأولى عبارة «إرهابيون إسرائيليون»). لكن يتضح أن البيت الأبيض لا يستطيع كبح إسرائيل إلا إلى حد معين. كما يُفهم أن الأمريكيين لا يريدون الدخول بين تركيا وإسرائيل. ولذلك يبعثون إلى دمشق برسالة مفادها: «اصبروا حتى الانتخابات في إسرائيل». والجميع يدرك أن نتنياهو يسعى إلى حشد قاعدته الانتخابية عبر العداء لتركيا قبل الانتخابات.

ماذا ستفعل تركيا؟

كان وزير الخارجية هاكان فيدان قد قال، في تصريح أدلى به في مصر بشأن غزة: «نتوقع من الولايات المتحدة أن تمارس الضغط اللازم على إسرائيل. وإلا فإن علينا، نحن تركيا وقطر ومصر، اتخاذ خطوات راديكالية في هذا الشأن». وقد أثارت ماهية هذه الخطوات الراديكالية فضولاً واسعاً. وعلمت لاحقاً أن هذه الخطوة تتمثل في «الانسحاب من الضمانة». لكن لم تعد هناك حاجة إلى ذلك، لأن صهر ترامب، كوشنر، التقى بعد هذا التصريح بحركة حماس في مصر، وبنتنياهو في إسرائيل. وهناك تحرك بشأن المرحلة الثانية من خطة السلام في غزة.

فهل يمكن أن تطرح خطوات راديكالية أيضاً فيما يتعلق بسوريا؟ إن إسرائيل، بكل ما تقوم به، تستحق رداً قاسياً. بل إنها تريد هذا الرد القاسي أيضاً. فهي تريد أن تحدد بنفسها الوقت والظروف، بينما «ترسم حدوداً» لتركيا. إنها تنصب فخاً. لكن عقل الدولة التركي لا يعمل بهذه الطريقة. إنه عقل هادئ ومتزن، لا ينظر إلى اليوم فقط، بل إلى المديين المتوسط والطويل. ولا يترك زمام الأمور في يد خصمه. وهو يختار بنفسه زمان ومكان الرد الذي سيقدمه. ويحاول الحفاظ على مكانته وقدرته الردعية، وفي الوقت نفسه الاستمرار في إدارة قواعد اللعبة التي يرسمها. (وهذا يتطلب ميزاناً شديد الحساسية). أليس هذا بالضبط ما حدث عند إسقاط الأسد في سوريا؟

 

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس